عهد حكومي جديد بالمغرب: قيادة نسائية هندسة مؤسساتية مستحدثة ورهانات كبرى على المحك

 

 

 

 

 عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية قضايا الهجرة والبحث في الفكر والإسلام.

 

شهد المشهد السياسي المغربي اليوم الجمعة 16 أكتوبر 2026 محطة دستورية مفصلية غير مسبوقة تمثلت في إعلان العاهل المغربي الملك محمد السادس حفظه الله عن التشكيلة الحكومية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة والتي جاءت لتخلف حكومة عزيز أخنوش وتتحمل الرقم ثلاثة وثلاثين في السجل التاريخي للحكومات المغربية المتعاقبة. وقد جاء هذا الإعلان التنفيذي تتويجاً لمشاورات سياسية مكثفة انطلقت فور تعيين المنصوري على رأس الجهاز التنفيذي في أعقاب النتائج الحاسمة لانتخابات الثالث والعشرين من سبتمبر الماضي والتي أفرزت تصدراً صريحاً لحزب الأصالة والمعاصرة بحصيلة سبعة وتسعين مقعداً برلمانياً متبوعاً بحزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال وحزب العدالة والتنمية في تنافس ديمقراطي عريض رسم معالم الخارطة السياسية الجديدة للبلاد ومهد الطريق أمام هندسة حكومية تحاول الموازنة بين متطلبات الاستمرارية ومتطلبات التجديد الشامل في ظل ظرفية وطنية وإقليمية دقيقة ومثقلة بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية الملحة التي ينتظر الشارع المغربي إيجاد حلول جذرية وواقعية لها بعيداً عن الوعود التقليدية المتكررة.

وبصفتي صحفياً من مغاربة العالم تابعت كغيري من أبناء الجالية المغربية المقيمة في الخارج وبشغف بالغ وروح وطنية مسؤولة هذا المخاض الديمقراطي والمؤسساتي الذي يعكس حيوية النموذج الديمقراطي المغربي وقدرته المتجددة على إنتاج نخب سياسية قادرة على قيادة الدفة في اللحظات الحاسمة حيث لم يكن تكليف سيدة وقامة سياسية بحجم فاطمة الزهراء المنصوري لتولي رئاسة الحكومة مجرد حدث عابر في الواجهة السياسية بل هو تحول دلالي عميق يكرس حضور المرأة المغربية في أعلى هرم السلطة التنفيذية ويؤكد جدارة الكفاءات النسائية الوطنية في تدبير الشأن العام وتحمل المسؤوليات الجسام. وقد انعكس هذا النفس التجديدي بوضوح على هيكلة التشكيلة الحكومية الجديدة التي ضمت اثنين وثلاثين عضواً موزعين بين وزراء ووزراء منتدبين مسجلة بذلك تحولات هيكلية بارزة من بينها الاستغناء نهائياً عن صيغة كتاب الدولة والاعتماد بدلاً من ذلك على وزارات منتدبة بصلاحيات واضحة ومحددة إلى جانب إعادة توزيع وتجميع عدد من القطاعات الاستراتيجية الحيوية للتماهي مع المتطلبات التنموية الراهنة واستباق رهانات المستقبل بعيداً عن التشتت الإداري والبيروقراطية الموروثة التي طالما أعاقت تنزيل السياسات العمومية بالنجاعة المطلوبة والمأمورة من طرف المواطنين.

ولقد أفرزت هذه الهندسة الحكومية المستحدثة قطاعات غير مسبوقة تترجم بوضوح أولويات المرحلة المقبلة لعل أبرزها إحداث وزارة متخصصة للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة التي أُسندت إلى الكفاءة الاقتصادية أحمد رحو في رسالة قوية تؤكد عزم المملكة على مواكبة الثورة التكنولوجية العالمية وجعل الإدارة العمومية في خدمة المواطن والمقاولة عبر الرقمنة الشاملة فضلاً عن إرساء وزارة للاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية تحت إشراف فوزي لقجع لربط تدبير المال العام بمؤشرات الأداء والفعالية الاقتصادية والدقة في الصرف إلى جانب خطوة بالغة الأهمية تمثلت في إدراج مفهوم السيادة الغذائية رسمياً ضمن اختصاصات وزارة الفلاحة والصيد البحري التي يتولى قيادتها خالد حاتيمي تكريساً للأمن الغذائي كخيار استراتيجي وطني لا يقبل المساومة في ظل التغيرات المناخية والأزمات الدولية المتعاقبة. وفي السياق ذاته حرصت الحكومة على الحفاظ على ثوابت الاستقرار السياسي والتدبير المؤسساتي عبر الاحتفاظ بأسماء وازنة على رأس ما يُعرف بوزارات السيادة وفي مقدمتهم وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت ووزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين في الخارج ناصر بوريطة ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق مما يضمن استمرارية السياسات الخارجية والأمنية والدينية الكبرى للمملكة وفق الثوابت الوطنية الراسخة والرؤى الملكية السامية بينما شهدت التشكيلة في المقابل دخول وجوه جديدة وازنة وعودة شخصيات سياسية خبيرة من مختلف الحساسيات الحزبية المكونة للأغلبية الجديدة المشكلة من أربعة أحزاب رئيسية هي الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية.

غير أن الرهان الحقيقي الملقى على عاتق حكومة فاطمة الزهراء المنصوري لا يكمن فقط في جمالية الهندسة الحكومية أو في دقة توزيع الحقائب والأسماء بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرتها الفورية على مواجهة أجندة زمنية ضيقة للغاية واختبارات حارقة لا تحتمل التأجيل فمنذ يومها الأول تجد الحكومة نفسها وجهاً لوجه مع متطلبات دستورية ضاغطة تتمثل أساساً في إعداد البرنامج الحكومي وعرضه أمام غرفتي البرلمان لنيل الثقة بالتزامن مع الاستحقاق المالي الأبرز المتمثل في إعداد مشروع قانون المالية لسنة سبعة وعشرين وموافاة البرلمان به داخل الآجال القانونية المحددة في العشرين من أكتوبر الجاري وهو ما يفرض إيقاع عمل ماراثوني وسرعة قصوى في التنسيق الحكومي لضمان المصادقة على الميزانية العامة وتفادي أي تعطل مؤسساتي قد يربك العجلة الاقتصادية والتنموية للبلاد. ومن منظورنا كمغاربة العالم الذين نتابع نبض الوطن باهتمام دائم وشعور بالمسؤولية فإننا ندرك تماماً أن انتظارات المواطنين سواء داخل أرض الوطن أو خارجه سقفها مرتفع للغاية فالشارع المغربي اليوم يترقب أفعالاً ملموسة وسياسات اجتماعية واقتصادية ناجعة تعالج أزمة التشغيل وتخفض التفاوتات الاجتماعية والمجالية وتعزز العدالة التنموية وتضمن تكافؤ الفرص للجميع. إن حكومة المنصوري تقف اليوم على محطة تاريخية حاسمة إما أن ترسخ من خلالها ثقة المواطن في المؤسسات وتفتح آفاقاً واعدة للثقة والأمل أو تجد نفسها محاصرة بتوقعات الشارع العالية ولذلك فإن كل عيون المغاربة مشدودة اليوم إلى هذه البداية الصعبة بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من إجراءات عملية وقرارات جريئة تعيد الاعتبار للعمل السياسي الجاد والمواطنة الفاعلة.

 


شاهد أيضا

شاهد أيضا