ما بعد الفيتو الروسي في مجلس الأمن: قراءة تحليلية في حدود المناورة الدبلوماسية وثبات الدينامية الجهوية للصحراء المغربية
عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية قضايا الهجرة والبحث في الفكر والإسلام.
تحتدم في كواليس الدبلوماسية الدولية وتحديداً داخل أروقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة صراعات خفية ومعارك صامتة تتقاطع فيها الحسابات الجيوسياسية الكبرى مع المصالح الإقليمية الضيقة وهو ما تجلى بوضوح بالغ في التفاعل الأخير مع قضية نزاع الصحراء المغربية حيث شكل استخدام روسيا لحق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي المتعلق بعثة المينورسو محطة اختبار جديدة لمدى صلابة النظام الدولي وقدرته على استيعاب التحولات العميقة التي يمر بها هذا الملف الحيوي بعيداً عن القراءات السطحية التي تسعى الأطراف المناوئة للوحدة الترابية للمملكة المغربية إلى تسويقها في محاولة يائسة لترميم صورة مهتزة أمام الرأي العام المحلي والإقليمي.
لقد تعاملت الدعاية الإعلامية الموالية للجزائر مع الفيتو الروسي باعتباره إنجازاً دبلوماسياً خارقاً وانتصاراً تاريخياً يغير قواعد اللعبة غير أن التحليل الأكاديمي الرصين والمعمق لطبيعة اتخاذ القرار الأممي يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا التعطيل المؤقت لا يعدو كونه مناورة تقنية مرتبطة بتجاذبات معينة حول الصياغات والمصطلحات ولا يمتلك أي قدرة مادية أو قانونية على زعزعة المرجعيات الثابتة التي أطرت المسار السياسي منذ عام 2007 بل إن تداعياته لن تعدو كونها فقاعة إعلامية عابرة تتلاشى بمجرد التوصل إلى تسوية تقنية لتمديد ولاية البعثة خاصة أن الخلاف لم يكن حول جوهر التسوية السياسية ولا المنهجية المعتمدة للحل بل انحصر في تفاصيل دقيقة تتعلق برمزية الحروف والمسميات داخل الوثائق الأممية وهو ما يفسر ارتباك الخطاب الدبلوماسي المعارض وعجزه عن تقديم بدائل استراتيجية حقيقية تتناسب مع طبيعة الزخم الدولي المتسارع الذي بات يكرس خيار الحكم الذاتي كمرجعية حصرية ووحيدة للحل الناجع والمستدام.
إن العودة إلى جذور هذا الخلاف الدبلوماسي تكشف عن صراع أعمق بين مقاربتين في إدارة النزاعات الدولية حيث تمثل المقاربة الأمريكية وحلفائها توجهاً براغماتياً يهدف إلى مواءمة لغة النصوص الأممية مع الواقع الميداني والسياسي الجديد الذي فرضته الدبلوماسية المغربية على الأرض بينما تتمسك موسكو بمقاربة تقليدية تحافظ على الأطر الكلاسيكية للقرارات الدولية لحسابات تتعلق بتوازناتها الدبلوماسية الخاصة وتنافسها الجيوسياسي الواسع مع واشنطن وقد تجسد ذلك بوضوح في تقديم روسيا لمشروع قرار بديل ومقتضب يضمن استمرار عمل المينورسو دون إحداث قطيعة أو نسف للعملية السياسية وهو ما يؤكد أن موسكو نفسها لا تسعى إلى تدمير مسار المفاوضات ولا ترغب في توفير غطاء لفوضى مؤسساتية تفضي إلى الفراغ بل تحرص على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة ضمن سقف التوافقات الممكنة في مجلس الأمن. ومن هنا، فإن محاولة النظام الجزائري استثمار هذا التباين البيني بين العواصم الكبرى لتحويله إلى انتصار استراتيجي وهمي تعكس فهماً قاصراً لطبيعة الديناميكيات الدولية المعاصرة التي لا تقيم وزناً للخطابات الشعبوية بقدر ما تتقاطع مع مصالح الدول الكبرى واستقرار المنطقة، فالمتتبع الحصيف لإيقاع التفاعلات الدبلوماسية يدرك تمام الإدراك أن موازين القوى الإقليمية والدولية قد حسمت بوصلتها باتجاه دعم المقاربة المغربية العقلانية وأن أي تعطيل تقني مؤقت لقرارات مجلس الأمن لا يعدو أن يكون مطباً عابراً في طريق معبد نحو الاعتراف الدولي الواسع بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية وواقعية مقترح الحكم الذاتي باعتباره الحل الوحيد القابل للتطبيق مما يجعل كل الرهان على تعطيل الأمم المتحدة مجرد محاولات عبثية لتأجيل حتمية تاريخية وجيوسياسية لا رجعة فيها.
ولا يقتصر التفاعل الدبلوماسي الدولي على التجاذبات التقنية فحسب بل يتغذى أيضاً من المواقف الوازنة للقوى الكبرى المؤثرة في صياغة قرارات مجلس الأمن حيث جاء الموقف الفرنسي الأخير ليعكس التزاما راسخا بدعم الثوابت القانونية والسياسية للوحدة الترابية للمملكة مسجلا أسفا عميقا إزاء التعطيل الذي أفرزه الفيتو الروسي ومحذرا في الوقت ذاته من خطورة أي فراغ مؤسساتي محتمل في عمل بعثة المينورسو وهو ما يبرز أن العواصم الغربية المؤثرة باتت تدرك بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقها ضرورة تحصين المسار السياسي الحالي من محاولات التشويش والتعطيل الممنهج.
إن التأكيد الفرنسي الصريح على محورية قرارات مجلس الأمن السابقة والالتفاف حول المقاربة الواقعية المتمثلة في الحكم الذاتي يرسخ حقيقة أن الدبلوماسية الفرنسية تقر بأن الوضع القائم لم يعد محتملاً وأن المضي قدماً يتطلب تكثيف الجهود الجماعية لدعم مسار المفاوضات السياسية برعاية الأمم المتحدة والمبعوث الشخصي للأمين العام بعيداً عن المناورات الظرفية التي تراهن عبثاً على تعطيل عجلة التاريخ وإطالة أمد نزاع حسمت شرعيته الدولية والواقعية أفقها النهائي.
وعليه فإن قراءة المشهد بمعزل عن العواطف والانفعاعات الإعلامية تفضي إلى نتيجة حتمية مفادها أن البنيات المؤسساتية والقانونية الناظمة لملف الصحراء قد تجاوزت مرحلة العطالة الدبلوماسية وأصبحت ترتكز على تراكم صلب من القرارات والاعترافات الوازنة التي لا يمكن لأي فيتو أو مناورة ظرفية أن تمحوها أو تعيد صياغتها فالشرعية الدولية لم تعد تدار بالرمزيات اللفظية وحدها بل باتت محكومة بمعيار الجدوى السياسية والقدرة على إنتاج استقرار إقليمي حقيقي في منطقة تشهد تحديات أمنية غير مسبوقة تفرض على المجتمع الدولي تبني مقاربات واقعية وعملية تفضي إلى إنهاء النزاع لا إدامته وهذا ما تجسده بوضوح المبادرة المغربية للحكم الذاتي التي لقيت ترحيباً دولياً واسع النطاق باعتبارها الطرح الأكثر جدية ومصداقية.
وإن محاولات الهروب إلى الأمام التي تمارسها أطراف المعسكر المعارض عبر تضخيم أحداث تقنية مثل الفيتو الروسي لا تعدو أن تكون فقاعات صابون تذوب في أول اختبار جدي للواقع ليبقى المسار السياسي مستمراً بزخمه الحقيقي وتظل الديناميكية الدبلوماسية المغربية متقدة وثابتة على أرض صلبة تؤكد يوماً بعد يوم أن الحق التاريخي والسياسي والقانوني يعلو ولا يُعلَى عليه وأن المستقبل في هذا النزاع مرسوم بدقة ووضوح بعيداً عن أوهام المنتصرين الوهميين في معارك الدبلوماسية الورقية.





