حذر خبراء دوليون من أن تزايد الرحلات الفضائية إلى القمر قد يعرض مواقع الهبوط التاريخية وآثار رواد الفضاء لخطر التلف أو التدمير، نتيجة اصطدام الصواريخ والمركبات المنتهية مهماتها بسطحه. وبدأت لجنة علمية متخصصة إعداد إرشادات دولية لتنظيم هذه الاصطدامات، في محاولة لحماية أولى الشواهد المادية لوجود الإنسان خارج الأرض.
وناقشت اللجنة العلمية الدولية لتراث الفضاء الجوي، التابعة للمجلس الدولي للمعالم والمواقع، خلال اجتماع عقد في مدينة بيزا الإيطالية في 14 سبتمبر/أيلول، المخاطر المتزايدة لاستخدام سطح القمر مكانا للتخلص من المركبات والمراحل الصاروخية بعد انتهاء عملها.
وتكتسب هذه الجهود أهمية خاصة مع استعداد أمريكا والصين لإنشاء قواعد قرب القطب الجنوبي للقمر، ما ينذر بزيادة حركة المركبات واحتمالات اصطدامها بمواقع تحمل قيمة تاريخية وعلمية لا يمكن تعويضها.
غبار القمر يهدد آثار أبولو
يحتفظ القمر بسجل تاريخي يمتد إلى فبراير/شباط 1966، عندما حققت المركبة السوفيتية “لونا 9” أول هبوط سلس على سطحه. وبين عامي 1969 و1972، ترك 12 رائد فضاء آثار أقدامهم ومعداتهم في مواقع بعثات أبولو، لتصبح هذه الأماكن شاهدا فريدا على بدايات استكشاف الفضاء.
وتوضح أستاذة علم الآثار في جامعة فلندرز الأسترالية أليس غورمان أن غياب الغلاف الجوي يجعل الغبار القمري المتطاير شديد الخطورة، لأنه يلتصق بالمواد ويتسبب في تآكلها. وتحذر من أن مركبة الهبوط “إيغل”، التي حملت أول إنسان إلى سطح القمر، قد تتعرض للتلف تدريجيا بفعل هذا الغبار.
وتشير غورمان إلى تسجيل 51 اصطداما قويا لمركبات فضائية بسطح القمر، بينها 9 أجسام صاروخية و19 مركبة مدارية. ولا تهدد هذه الاصطدامات المواقع التاريخية وحدها، بل قد تعرض المنشآت السكنية والتعدينية المستقبلية للخطر.
وتضيف أن معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 تتيح مساءلة الدول عن الأضرار التي تسببها معداتها بممتلكات الدول الأخرى، ما قد يفتح الباب أمام مطالبات بالتعويض.
قواعد دولية لحماية التاريخ القمري
ترى أستاذة الأنثروبولوجيا والآثار الفخرية بجامعة ولاية نيو مكسيكو بيث أوليري أن القمر “جزء من المشهد الثقافي للأرض”، وأن الحفاظ على تراثه مسؤولية دولية تتجاوز مصالح الدول المنفردة.
ويعمل الخبراء على دراسة ما يحدث للمركبات والروبوتات والمعدات بعد انتهاء مهماتها، مستعينين بعلم الآثار الجيولوجي الكوكبي لتحديد العوامل الطبيعية والبشرية التي تهدد بقاءها، والمناطق الأكثر ملاءمة لحفظها.
ويؤكد الباحث لوكا فوراسييبي أن المعرفة العلمية بتأثير الاصطدامات وانتشار الحطام لا تزال محدودة، وأن التقديرات الحالية تعتمد بدرجة كبيرة على محاكاة لا تمثل جميع الظروف الفعلية.
وتعتزم اللجنة، بالتعاون مع صندوق الآثار العالمي، إشراك وكالات الفضاء والشركات والعلماء وخبراء التراث في إعداد توصيات مشتركة، تمهيدا لعرضها أمام لجنة الأمم المتحدة للاستخدام السلمي للفضاء الخارجي عام 2027.
ويأمل المشاركون أن تتحول هذه التوصيات لاحقا إلى معايير دولية تحمي المواقع التاريخية، وتضمن استمرار استكشاف القمر دون تدمير الشواهد الأولى لحضور الإنسان عليه.
المصدر: الجزيرة





