حينما كان وعد سقي الكمُون لا يُخْلِفُهُ أحد بمجتمع الواحات: هل نعيد اكتشاف فلاحتنا المنسيّة بإقليم طاطا؟
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
* من استنزاف الفرشة المائية إلى استعادة الذاكرة الزراعيّة: أيُّ نموذج فلاحي نريد لمجتمع الواحات والمناطق الجبليّة في طاطا؟
حين نبّهتُ سنة 2005 في إطار اجتماعات العمل الجمعوي بالدوار، إلى خطورة التوسع في زراعة الدلاح، أو البطيخ الأحمر، بنمطها التجاري المكثف والدخيل على التوازنات الزراعيّة والمائيّة المحليّة، ولا سيما بمنطقة فم زكيد، (خاصة بمزارع وضيعات الفايْجة)؛
كنت أستحضر ما راكمته تجارب بعض المجالات الواحية الأخرى المجاورة، وفي مقدمتها واحات درعة بإقليم زاكورة، من دروس قاسية جداً بشأن استنزاف الموارد المائيّة تحت ضغط الزراعات التجارية الموجهة للسوق تحت شعار علامة تسويقية زائفة: “دلاّحْ زاكورة”.
وقد أثار ذلك الموقف ردود فعل متباينة؛ فمنها ما واجهني صراحةً بحجة أنني موظف أتوفر على مصدر دخل، وبالتالي لا يحق لي، في نظر أصحاب هذا الموقف، أن أقدم تصوري لما ينبغي أن تكون عليه الاختيارات الزراعيّة بالمنطقة.
ومنها ما تفهّم خطورة الاستنزاف المائي وأيد الدعوة إلى مراجعة النموذج الزراعي القائم، فيما اختار آخرون موقفاً سلبياً أو محايداً، ربما بفعل تضارب المصالح أو التحفظ على تبعات النقاش.
ولعل ذلك طبيعي في كل نقاش يمس المصالح الاقتصاديّة المباشرة، خصوصاً حين تكون الأرباح الآنية مغرية، بينما تظل تكاليف استنزاف الفرشة المائية مؤجلةً، وقد تتحملها الأجيال المقبلة أكثر مما يتحملها المستفيدون اليوم.
لكن النقاش لم يكن يوماً متعلقاً بحرية الفلاح في كسب رزقه، ولا اعتراضاً على تحسين دخله، وإنما كان ولا يزال متعلقاً بسؤال أعمق: هل يجوز أن يتحول الماء، وهو شرط وضرورة الحياة والاستقرار بالواحات، إلى مدخل للربح السريع على حساب استدامة المجال وحقوق الأجيال القادمة؟
إن ما نطرحه اليوم ليس مجرد نوستالجيا أو حنين إلى زراعات الآباء والأجداد، بل هو تصور تنموي واستراتيجي يربط تدبير الموارد المائية بالاقتصاد الاجتماعي للواحات والمجالات الجبليّة، وبالذاكرة الزراعيّة والسيادة الغذائيّة والعدالة المجاليّة.
فحماية الفرشة المائيّة في هذه المجالات الجافة والشبه الجافة، لا ينبغي أن تقتصر على منع الزراعات المستنزفة للماء، مهما كانت ضرورة هذه التدابير، بل يجب أن تقترن بإحياء البدائل الزراعيّة المحليّة التي تستطيع الجمع بين ترشيد وعقلنة استهلاك المياه وتحقيق قيمة مضافة أفضل للفلاح.
إن منع الزراعات المستنزفة للمياه قد يكون خطوة ضروريّة، لكن الرهان الحقيقي هو الانتقال من سياسة المنع إلى استراتيجية الإحياء الزراعي الواحي؛ حيث يكون الماء أساس التنمية، لا وقوداً للاستنزاف.
– أولاً: ماذا سنزرع بدل ما مُنع على الفلاح زرعه؟
في إطار التدابير الرامية إلى حماية الموارد المائية، جرى تجديد القرار العاملي القاضي بالمنع المؤقت للزراعات الموسمية المستنزفة للمياه خارج المجالات الواحية، مع حظر زراعة البطيخ بجميع أنواعه، الأحمر والأخضر والأصفر، خلال الموسم الفلاحي 2026-2027، بهدف الحد من استنزاف الفرشة المائية بإقليم طاطا.
وبالتالي يفهم من القرار ان بعض الزراعة المعاشية داخل الواحة التي كانت من قبل قصد الاستهلاك المنزلي أو المحلي في حوض أو حوضين، تسمى محلياً: “لبْخَيْرة” خارج قرار المنع؛ ويبقى الجشع التي يشمل أراضي شاسعة من أراضي الجموع والسلاليّة، موضوع المنع.
وإذا كان هذا الإجراء يستجيب لضرورات بيئيّة ومائيّة تفرضها ندرة الموارد وتوالي سنوات الجفاف، ويندرج في سياق التعليمات الملكية الساميّة لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله؛ بترشيد وعقلنة استعمال المياه وصونها، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافقه هو: ماذا سنزرع بدل ما مُنع علينا زرعه؟
فالفلاحة ليست مجرد قرار إداري بالمنع أو السماح، بل منظومة متكاملة تشمل الماء والتربة والبذور والمعرفة المتوارثة والسوق والتمويل والقدرة الشرائية للفلاح.
وأي تدبير للموارد المائية لا يستحضر هذه العناصر مجتمعةً يظل ناقصاً، مهما كانت دوافعه مشروعة؛ لأن الفلاح الذي يُمنع من زراعة محصول اعتاد الاعتماد عليه في دخله يحتاج إلى بديل عملي، لا إلى خطاب توعوي فحسب.
كما أن حماية الفرشة المائية ليست مسؤولية الفلاح وحده، بل مسؤولية جماعية تقتضي التخطيط والتأطير والاستثمار والإنصاف في توزيع الأعباء والمنافع.
ومن هنا، فإن السؤال ليس فقط كيف نمنع الزراعات المستنزفة للماء، بل كيف نبني نموذجاً زراعياً بديلاً يجعل المحافظة على الماء مصلحة اقتصادية مباشرة للفلاح، لا مجرد التزام مفروض عليه من الخارج.
– ثانياً: زراعة الكمون.. حين كانت الأرض تعرف اقتصادها
مع الأسف، كبرنا ونحن نشهد تراجع بعض الزراعات التي كانت جزءاً من الذاكرة الاقتصادية والاجتماعية لواحاتنا. ومن بينها زراعة الكمون، التي عرفتها المنطقة وارتبطت بجودة الإنتاج وبمعرفة الفلاحين بخصوصيات الأرض والمناخ.
ولنقارن، على سبيل المثال، بين محاصيل قد تباع بأثمان زهيدة في بعض مراحل التسويق، وبين الكمون الذي قد يصل سعر الكيلوغرام الواحد منه إلى نحو 100 درهم، بحسب الجودة وظروف السوق والمرحلة التسويقية.
أليس من الأجدى اقتصادياً أن نعيد النظر في اختياراتنا الزراعية، وأن نبحث عن المحاصيل التي تمنح الفلاح قيمة مضافة أعلى مقابل كل قطرة ماء؟
إن المقارنة هنا ليست مجرد مقارنة بين سعرين، بل بين نموذجين اقتصاديين: نموذج يراهن على الإنتاج الكمي، ولو أدى إلى ضغط مائي وبيئي كبير، ونموذج يبحث عن تثمين المنتوج المحلي وتحسين دخل الفلاح وتقليص الضغط على الفرشة المائية.
ومع ذلك، فإن الإنصاف العلمي يقتضي ألا نحكم على ربحية محصول من سعر بيعه وحده؛ فارتفاع سعر الكمون لا يعني بالضرورة أن زراعته أكثر ربحية في جميع الظروف. إذ ينبغي احتساب تكاليف البذور واليد العاملة والحصاد والتخزين والتسويق، ومردودية الهكتار، وحجم المياه المستهلكة، ومخاطر تقلب الأسعار.
لكن هذه الاعتبارات لا تُضعف الفكرة، بل تجعلها أكثر وجاهة: المطلوب هو إخضاع المحاصيل المرشحة للبدائل الزراعية لدراسة مقارنة تكشف أيها يحقق أفضل عائد اقتصادي واجتماعي وبيئي في ظل الندرة المائية.
إن الكمون، في هذا السياق، ليس وصفة سحرية جاهزة، بل نموذج لمحصول محلي يستحق أن يُعاد تقييم إمكاناته، وأن يُمنح مكانه في البحث عن فلاحة أكثر ملاءمة لخصوصيات الواحات.
– ثالثاً: «غداً نسقيك يا كمون».. بين حكمة الفلاح ومأزق الوعود المؤجلة
لعل أجمل ما تختزنه الذاكرة الزراعية المحلية ذلك التعبير الشعبي المتداول: «غداً نسقيك يا كمون». وهو تعبير يحمل دلالتين متداخلتين؛
1. إحداهما زراعية ترتبط بما عُرف عن الكمون من قدرة نسبية على تحمل العطش،
2. والأخرى مجازية أصبحت تُستخدم في وصف المماطلة والتسويف، وإغراق الناس في الوعود المؤجلة التي لا تتحول بالضرورة إلى أفعال.
* الكمون الذي ينتظر السقي..!
في الذاكرة الفلاحية، كان الكمون يُزرع ضمن منظومة من المحاصيل التي يتعامل معها الفلاح بحسب حاجاتها المائية وأولويات السقي. ولأن حاجته إلى الماء قد تكون أقل من حاجة محاصيل أخرى في ظروف معينة، كان الفلاح يؤجل سقيه، قائلاً: «غداً نسقيك يا كمون»، ثم يتكرر التأجيل، وقد ينضج المحصول أو يجف دون أن ينال السقي الموعود.
وهكذا نشأ التعبير من تجربة زراعية تختزل علاقة الفلاح بالماء، وبحسابات الضرورة والأولوية والتدبير.
لكن من المهم ألا نُحمّل هذا الموروث أكثر مما يحتمل؛ فالكمون ليس نباتاً لا يحتاج إلى الماء مطلقاً، كما أن نجاحه ومردوديته يتأثران بالتربة والأمطار ومواعيد الزراعة والظروف المناخية وأساليب التدبير.
ومع ذلك، فإن الحكاية الزراعية نفسها تفتح باباً للتفكير: أليست لدينا محاصيل متوارثة تستحق أن نعيد اختبارها علمياً، بحثاً عن خيارات أكثر ملاءمة لمناخ الواحات ومواردها المحدودة؟
* من الحكمة الزراعية إلى المماطلة الاجتماعيّة..!
أمّا الدلالة المجازية للتعبير، فقد تجاوزت الحقل الزراعي لتصبح وصفاً لكل من يَعِد ولا يفي، ويؤجل التنفيذ من يوم إلى آخر، مستعملاً كلمة «غداً» وسيلةً لتهدئة المطالب أو التخلص من الإلحاح.
وهنا تكمن المفارقة: في الحقل، قد يكون تأجيل سقي الكمون قراراً مرتبطاً بتقدير الحاجة إلى الماء؛ أما في الحياة العامة، فقد يصبح تأجيل الوفاء بالوعود دليلاً على غياب الالتزام والمسؤولية.
ولعل التعبير الشعري المتداول:
لا تجعلوني ككمون بمزرعةٍ؛
إن فاته السقي أغنته المواعيدُ..
يلخص هذه المفارقة بين الحاجة إلى الفعل والاكتفاء بالوعد، وإن كان توثيق نسبة البيتين إلى قائلهما يستلزم الرجوع إلى مصدر أدبي موثوق.
وفي سياق التنمية الواحية، لا نريد أن تتحول الدعوات إلى إعادة الاعتبار للزراعات المحلية إلى وعد جديد من نوع «غداً نسقيك يا كمون»؛ أي أن تظل البدائل حبيسة الاجتماعات والتوصيات والتصريحات، بينما يستمر الفلاح في مواجهة كلفة الإنتاج ومخاطر السوق وشح المياه.
فالواحات لا تحتاج إلى مزيد من الوعود المؤجلة، بل إلى برامج عملية، وتمويل واضح، وبذور ملائمة، وتأطير زراعي، وأسواق تضمن للمنتوج المحلي مكانته.
وإذا كان الكمون قد علّمنا، في الذاكرة الشعبية، أن بعض النباتات تستطيع الصمود في وجه تأخر السقي، فإن واقع الواحات يعلّمنا أن المجتمعات لا تستطيع الصمود إلى ما لا نهاية أمام تأجيل الحلول.
– رابعاً: مجتمعات الواحات ليست مجتمعات طارئة على الزراعة
يتميز إقليم طاطا بتنوع مجالاته الواحية، الممتدة على طول الأودية ومجاري المياه ومفاصل جبال باني والأطلس الصغير، حيث تشكل الواحات منظومات بيئية واقتصادية واجتماعية ذات تاريخ عريق.
وتعتمد هذه المجالات، بدرجات متفاوتة، على نظم فلاحية تقليدية لتدبير المياه، من بينها السواقي وبعض أنظمة توزيع المياه المحلية، فضلاً عن أنماط زراعية تتكيف مع محدودية الموارد المائية، وتجمع بين زراعة النخيل والحبوب ومحاصيل أخرى بحسب الظروف المحلية.
ومن المجالات والواحات التي تستحق أن تكون جزءاً من أي نقاش حول مستقبل الفلاحة بالإقليم: واحات مركز طاطا وحزام وادي طاطا: أكادير لهنا، وتيغرمت، وأكوجكال، وإندفيان، وتاوريرت، وأكلاكال، وأقا إزنكاض، ولكسابي، وأديس، وتيكيسلت، إلى جانب واحات أكينان وتمنارت وفم زكيد وأقا وثلاث تكموت وفم الحصن وتيسنت وزارية مغيميمة وأقايغان وتليت وألكوم وبني هلال، وغيرها من المجالات الواحية.
ولا تختزل أهمية هذه المجالات في مناظرها الطبيعية أو قيمتها التراثية؛ فهي فضاءات إنتاج ومعرفة وتدبير اجتماعي للماء، راكمت ساكنتها عبر الأجيال خبرةً عملية بالتربة والمناخ ومواعيد الزراعة وتقاسم الموارد المحدودة.
لقد عرفت مجتمعات الواحات زراعة الكمون والعدس والفول والذرة والقمح والشعير والحناء، إلى جانب محاصيل أخرى اختلف حضورها بحسب الموقع والظروف الزراعية.
وهذا يعني أن مفهوم الزراعات البديلة ليس غريباً عن هذه المجتمعات، ولا يحتاج إلى أن يُقدَّم باعتباره اكتشافاً جديداً من خارجها.
لقد طوّر الأجداد، عبر التجربة والممارسة، أنماطاً من الإنتاج تتلاءم مع خصوصيات الواحات. ولا يجوز التعامل مع هذه المعرفة باعتبارها مجرد موروث فولكلوري، بل باعتبارها رصيداً اقتصادياً وعلمياً يمكن تطويره بالتعاون بين الفلاحين والباحثين ومؤسسات التأطير الزراعي.
إن إعادة الاعتبار لهذه الثقافة الزراعية ليست مِنّةً من أحد؛ إنها استعادة لجزء من الذاكرة الإنتاجية للمجتمع الواحي، وتطوير لها بما يستجيب للتحولات المناخية والاقتصادية الراهنة.
فأهل الواحات ليسوا مجرد مستفيدين محتملين من سياسات تُصاغ بعيداً عنهم؛ إنهم أصحاب تجربة تاريخية ومعرفة ميدانية ينبغي أن تكون في صلب صناعة القرار المتعلق بأرضهم ومائهم ومستقبلهم.
– خامساً: من سياسة المنع إلى سياسة البدائل.. ستة مرتكزات لإحياء الفلاحة الواحية
إن حماية الفرشة المائية بإقليم طاطا لا ينبغي أن تتوقف عند منع زراعة البطيخ أو غيره من المحاصيل المستنزفة للمياه، بل يجب أن تتجاوز ذلك نحو بناء سياسة زراعية واحاتية متكاملة، تقوم على ستة مرتكزات أساسية:
1. حسن الإصغاء إلى أهل الأرض: فهم أدرى بشعابها
في مجتمعاتنا، لا يُعدّ الإنصات إلى أصحاب الأرض مجرد لباقة اجتماعية، بل هو شرط معرفي وتنموي أصيل.
فالفلاح الذي عاش مع الأرض، وعاين تغيرات المياه والتربة والمحاصيل على مدى سنوات، يمتلك معرفة ميدانية لا يمكن تعويضها بتقارير مكتبية وحدها.
وما يُدريك؟ لعل صوتاً مهمشاً يحمل في طياته معرفة تتجاوز ما تتضمنه بعض الخطط المركزية، أو يكشف خللاً لم تنتبه إليه الجهات المكلفة بالتخطيط.
ولا يعني ذلك إحلال الخبرة المحلية محل البحث العلمي، بل الجمع بينهما: معرفة الفلاحين المتراكمة، والقياس العلمي، والتحليل الاقتصادي، والتخطيط المؤسساتي.
2. إحياء الزراعات المحلية وتقييم جدواها
ينبغي إعادة الاعتبار للكمون والعدس والفول والحناء وغيرها من المحاصيل المحلية، مع توسيع البحث ليشمل كل محصول قد يلائم خصوصيات المنطقة.
لكن الإحياء لا يعني العودة الآلية إلى الماضي؛ بل يعني إعادة اختبار هذه الزراعات في ضوء معطيات اليوم، والتحقق من احتياجاتها المائية، ومردوديتها، وقدرتها على تحمل الظروف المناخية، وإمكانات تسويقها.
فليس كل محصول تراثي مناسباً بالضرورة لكل واحة، وليس كل محصول مرتفع الثمن مربحاً في جميع الظروف.
المطلوب هو إعداد خريطة زراعية محلية تحدد المحاصيل الأنسب لكل مجال بحسب التربة والماء والمناخ والسوق، بدل فرض وصفة موحدة على جميع الواحات.
3. إنشاء تجارب زراعية نموذجية
لا ينبغي أن يظل النقاش حول الزراعات البديلة أسير الذاكرة والانطباعات، مهما كانت أهميتها، بل يجب أن يتحول إلى تجارب ميدانية قابلة للقياس.
ويمكن، في هذا الإطار، إحداث قطع تجريبية في عدد من الواحات لزراعة الكمون ومحاصيل أخرى، مع توثيق:
1. كمية المياه المستهلكة لكل محصول.
2. مردودية الهكتار وتكاليف الإنتاج.
3. الربحية الصافية بعد احتساب جميع المصاريف.
4. حساسية المحاصيل للجفاف والحرارة والآفات.
5. أثر أنماط الزراعة في التربة والموارد المائية.
6. استقرار الأسعار وإمكانات التسويق والتخزين.
وبذلك يمكن الانتقال من سؤال: «أي المحاصيل نحب أن نزرع؟» إلى سؤال أكثر دقة: «أي المحاصيل تحقق أفضل توازن بين الدخل واستدامة الماء والتربة؟».
4. تثمين المنتوج المحلي بدل الاكتفاء بإنتاجه
ليس المطلوب أن ينتج الفلاح الكمون أو غيره من المحاصيل المحلية ثم يبيعه خاماً بأثمان لا تعكس قيمته الحقيقية.
بل ينبغي التفكير في تنظيم المنتجين ضمن تعاونيات وتجمعات مهنية، وتحسين جودة المنتوج، وتطوير أساليب التجفيف والتخزين والتلفيف، واعتماد علامات تجارية محلية، وربط الإنتاج بالأسواق الوطنية.
كما يمكن دراسة إمكانات تثمين المنتوجات الواحية من خلال التحويل والتوضيب والتسويق المباشر، بما يسمح ببقاء جزء أكبر من القيمة المضافة داخل المجال المحلي.
فالرهان ليس فقط على ما تنتجه الأرض، بل أيضاً على ما تستطيع المنطقة أن تكسبه من تنظيم الإنتاج وتحسين الجودة وتقوية موقع الفلاح في سلسلة التسويق.
5. دعم الفلاحين ومواكبتهم خلال الانتقال الزراعي
لا يمكن مطالبة الفلاح بتغيير نمطه الزراعي من دون توفير بديل واقعي يحمي دخله ويخفف مخاطر الانتقال.
ويقتضي ذلك توفير البذور الملائمة، والإرشاد الزراعي، والتمويل الانتقالي، والتأمين ضد المخاطر المناخية، والمواكبة التقنية، وضمان منافذ التسويق.
كما ينبغي إعادة التفكير في طبيعة الدعم الموجه إلى الواحات، ولا سيما ما يتعلق بتجديد النخيل وتأهيل البساتين.
ففي بعض الحالات، قد لا يكون غرس فسائل جديدة وحده كافياً للاستجابة إلى حاجات الفلاح الآنية، بالنظر إلى المدة التي قد يستغرقها النخيل حتى يدخل مرحلة الإنتاج الاقتصادي. لذلك يستحق مقترح توفير نخيل بالغ أو قريب من مرحلة الإنتاج دراسةً تقنية واقتصادية، مع مراعاة تكاليف النقل والغرس والتأقلم ونسب النجاح، مقارنةً بكلفة غرس الفسائل وانتظار نموها.
فالفلاح الذي يعاني ضغطاً اقتصادياً اليوم يحتاج إلى حلول تراعي الزمن الزراعي والزمن الاجتماعي معاً، لا إلى مشاريع لا تظهر عوائدها إلا بعد سنوات طويلة.
6. اعتماد معيار الماء في تقييم الربحية
لا يكفي أن نسأل: كم ينتج الهكتار؟ بل ينبغي أن نسأل أيضاً: كم يستهلك من الماء؟ وكم يحقق من دخل صافٍ مقابل كل متر مكعب مستهلك؟ وما أثره في التربة والفرشة المائية على المدى الطويل؟
ومن شأن اعتماد هذا المعيار أن يسمح بمقارنة موضوعية بين الزراعات المختلفة، بعيداً عن الانطباعات أو جاذبية الأسعار الظرفية.
كما ينبغي التمييز بين المحاصيل التي تحقق مردودية مالية مرتفعة للفلاح، وتلك التي تحقق مردودية مائية واقتصادية واجتماعية أفضل للمجال ككل.
فقد يكون محصول ما مرتفع السعر، لكنه مكلف الإنتاج أو شديد التأثر بتقلبات السوق؛ وقد يكون محصول آخر أقل سعراً، لكنه أكثر استقراراً وأفضل من حيث استهلاك المياه والمخاطر.
المعيار الاستراتيجي الحقيقي هو قيمة الإنتاج المستدامة مقابل الماء، لا حجم المداخيل الآنية بمعزل عن تكاليفها المائية والبيئية.
– سادساً: حماية الفرشة المائية مسؤولية جماعية
إن التحدي الحقيقي أمام ساكنة إقليم طاطا ليس الاختيار بين الماء والزراعة، بل بناء فلاحة تستطيع الاستمرار في ظل شح المياه وندرتها.
وهذا يقتضي التوفيق بين حماية الموارد المائية وضمان العيش الكريم للفلاحين، وبين احترام خصوصيات الواحات والاستفادة من التقنيات الزراعية الحديثة.
كما يقتضي إشراك الفلاحين والتعاونيات والباحثين والسلطات المحلية والمصالح الفلاحية في صياغة بدائل قابلة للتنفيذ، مع تحديد المسؤوليات والآجال ومصادر التمويل ومؤشرات قياس النتائج.
ولا يمكن أن تنجح هذه السياسة إذا اقتصر دور المؤسسات على إصدار قرارات المنع، بينما تُترك المجتمعات المحلية وحدها أمام كلفة التكيف.
فالتدبير الرشيد للماء يقتضي الإنصاف في توزيع أعباء المحافظة عليه، والوضوح في القواعد المنظمة لاستعماله، وربط الإجراءات التقييدية ببرامج عملية تساعد الفلاحين على الانتقال إلى أنماط إنتاج أكثر استدامة.
لقد علمتنا الواحات أن الحياة يمكن أن تستمر حتى في المجالات الأكثر جفافاً، متى أحسن الإنسان تدبير الماء، واختار ما يلائم الأرض، وحوّل المعرفة المتوارثة إلى إنتاج ذي قيمة.
لكن هذه القدرة على الصمود ليست تفويضاً مفتوحاً لاستنزاف المجتمعات أو تأجيل حاجاتها؛ إنها دعوة إلى تحويل الحكمة التاريخية إلى سياسة عمومية عادلة وفعالة.
* خلاصة: غداً نسقيك يا كمون.. أم نبدأ اليوم؟
ربما آن الأوان لكي نعيد اكتشاف زراعة الكمون، لا باعتبارها مجرد محصول من الماضي، بل باعتبارها فرضية اقتصادية وزراعية تستحق الدراسة والتجريب والاستثمار.
وإلى جانب زراعة الكمون، هناك رصيد من الزراعات المحلية التي ينبغي إخضاعها لتقييم علمي جاد، حتى تتمكن واحات طاطا من بناء نموذج إنتاجي يتلاءم مع ندرة الماء، ويحافظ على التربة، ويضمن للفلاح دخلاً معقولاً ومستداماً.
إن المطلوب ليس تمجيد الماضي أو رفض كل جديد، بل الجمع بين معرفة الأجداد وأدوات العلم الحديث، وبين ضرورة حماية الفرشة المائية وحق الفلاح في العيش الكريم.
أما عبارة «غداً نسقيك يا كمون»، فلتظل شاهداً على ذاكرة زراعية عميقة، لا ذريعة لتأجيل الإصلاح. فإذا كان الكمون قد اعتاد أن ينتظر وعد السقي، فإن واحات طاطا لا تستطيع أن تنتظر إلى ما لا نهاية.
لا نريد أن نمنع محصولاً اليوم ثم نترك الفلاح غداً أمام المجهول؛ نريد أن نحمي الماء، ونحيي الأرض، ونثمن المعرفة المحلية، ونبني بديلاً اقتصادياً حقيقياً.
فالماء أقل، حين يُحسن تدبيره، يمكن أن يعني قيمة مضافة أكبر، ودخلاً أكثر استقراراً، وواحات أكثر قدرة على الصمود.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه جميعاً اليوم ليس فقط: «غداً نسقيك يا كمون»، بل: متى ننتقل من الوعود المؤجلة إلى فعل تنموي ينصف الأرض وأهلها ويحمي حق الأجيال القادمة في الماء؟
ولعل في الكمون درساً آخر يتجاوز الحقل والزراعة؛ فهو لا يفوح بعبيره كاملاً إلا حين يُحكّ أو يتعرض للضغط، فتنبعث منه رائحة تختزنها حبيباته الصغيرة. وكذلك مجتمعات الواحات، قد تخفي في ذاكرتها وتجربتها ومعرفتها المحلية إمكانات كبيرة لا تكشف عنها الظروف العادية، وإنما تظهر حين تواجه التحديات وتُحسن تحويلها إلى فرص.
لكن الحكمة ليست في أن نضغط على الفلاح حتى يستنزف ما تبقى من قدرته على الصمود، ولا في أن نترك الواحات تواجه العطش وحدها؛ بل في أن نهيئ الظروف التي تسمح لمعارفها ومواردها بأن تتحول إلى إنتاج كريم ومستدام.
فالكمون لا يحتاج إلى الضغط كي تكون له قيمة، وإنما يحتاج إلى من يعرف كيف يستخرج عبيره؛ والواحات كذلك، لا تحتاج إلى مزيد من الاستنزاف كي تثبت غناها، بل إلى سياسة تنموية تُحسن اكتشاف إمكاناتها وتثمينها.
______
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يهتم بقضايا الدولة والمجتمع والسياسات العموميّة والتنمية والتحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.
له عدة إسهامات فكريّة ودراسات ومقالات في الشأن المغربي والعربي والإسلامي.
ومن أبرز مؤلفاته: «الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» (2000)، و«الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة» (2015)، و«الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة» (2020).





