حين تتحول التسريبات إلى محاولة لفرض القرار: من تجربة الحسن الثاني، رحمه الله، إلى أعراف تشكيل الحكومة في المغرب

 

 

 

*الدكتور شنفار عبد الله

 

 

ليست التسريبات السياسية مجرد أخبار تسبق القرارات أو تكشف بعض تفاصيلها؛ فقد تتحول، في سياقات معينة، إلى أدوات للتأثير في صناعة القرار، وإرباك العلاقات داخل دوائر السلطة، وتوجيه الاختيارات قبل أن تستقر في صيغتها النهائية.

فالمعلومة في المجال السياسي ليست مجرد مادة إعلامية؛ إذ قد تصبح، تبعًا لتوقيت نشرها ومصدرها والجهة المستفيدة منها، عنصرًا يعيد ترتيب موازين التأثير ويغيّر مسار القرار نفسه.

وتزداد المسألة تعقيدًا حين يتعلق الأمر بقضايا تُدار خلف الأبواب المغلقة، أو بما يمكن تسميته مجازًا «الغرف المظلمة»؛ حيث لا تتوافر المعلومات بالقدر نفسه لجميع الأطراف، ولا تكون الصورة بالضرورة واضحة حتى لبعض المشاركين في صناعة القرار.

ففي عالم السياسة، قد تختلط المعطيات الصحيحة بالمعلومات الناقصة، وقد يُستخدم التضليل المعلوماتي أو التمويه الاستراتيجي أو حجب بعض التفاصيل لتحقيق المفاجأة، أو الحفاظ على السرية، أو توجيه سلوك الأطراف المعنية.

وقد تظل بعض الخطط، حتى اقتراب لحظة تنفيذها، حبيسة دائرة ضيقة من المعرفة، وربما محصورة في ذهن صاحب القرار أو عدد محدود ممن يثق بهم.

فإذا كان الوصول إلى الحقيقة متعذرًا أحيانًا على من يوجد داخل هذه الدوائر، فكيف بمن يقف خارجها، ولا يملك سوى شذرات تتناقلها صحيفة أو وكالة أنباء؟

إن الخبر المنشور، مهما بدا موثوقًا، لا يمنح قارئه بالضرورة صورة مكتملة عن حقيقة ما يجري، ولا يكشف تلقائيًا عن مصدر المعلومة أو الغاية من تسريبها أو السياق الذي أُخرجت منه.

ومن هنا، تبرز ضرورة التمييز بين المعلومة بوصفها معطًى قابلًا للتحقق، والمعلومة حين تُوظَّف أداةً للتأثير في القرار أو إعادة تشكيل البيئة السياسية المحيطة به.

وفي هذا السياق، تكتسب شهادة المفكر المغربي الراحل عبد الهادي بوطالب، الواردة في برنامج «شاهد على العصر» على قناة الجزيرة، أهمية خاصة.

فقد تحدث بوطالب صراحةً عن مناورات نسبها إلى وزير الداخلية الراحل إدريس البصري، وقال إنها أسهمت في خلق المشكلات والإيقاع بينه وبين الملك الراحل الحسن الثاني.

ويروي المرحوم عبدالهادي بوطالب أن جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه؛ أطلعه على رغبته في اختياره وزيرًا أول، مع التشديد على إبقاء الأمر سرًّا. غير أن اسم بوطالب تسرّب إلى الصحافة؛ فنشرت «الأسبوع الصحفي» الخبر، ثم تناولته صحيفة «الشرق الأوسط» في مرحلة لاحقة.

ووفق رواية بوطالب، انتهى الأمر بتراجع الملك عن اختياره. وتكشف هذه الشهادة، كما عرضها صاحبها، عن حساسيّة العلاقة بين تداول المعلومة وتوقيت كشفها، وعن الكيفية التي قد يؤثر بها التسريب في قرار لم يكن قد خرج بعد إلى المجال العام.

وأضاف المرحوم عبد الهادي بوطالب، في سياق روايته، أنه بعد تشكيل الحكومة وتعيين وزير آخر، عاتبه جلالة الملك الحسن الثاني بشأن إفشاء السر وتسريب الخبر إلى الصحافة.

فأجابه، بكل احترام ووقار، وبما يليق بمقام الملك: «يا سيدي، إن الذي لم يكن يرغب في أن أكون وزيرًا أول هو من قام بتسريب الخبر للصحافة».

وتكتسب هذه الإجابة دلالتها من كونها لا تكتفي بنفي مسؤولية بوطالب عن التسريب، بل تنسبه إلى طرف لم يكن يرغب في تعيينه، وفق ما أورده في شهادته.

ولا تكمن أهمية هذه الواقعة في معرفة اسم المرشح لمنصب الوزير الأول فحسب، بل في السؤال الأعمق المتعلق بما يمكن أن يحدث حين تخرج معلومة من سياقها السري قبل اكتمال مسلسل ومسار القرار:

هل يظل التسريب مجرد نقل لخبر، أم يتحول إلى فعل سياسي يغيّر شروط اتخاذ القرار، ويضع صاحب القرار أمام واقع جديد لم يكن قد اختاره أو أعلن عنه؟

وإذا كان الإعلان المبكر عن اسم مرشح كافيًا لإحداث ارتباك أو تعديل الحسابات، فإن التسريب قد يتجاوز وظيفة الإخبار إلى ممارسة ضغط غير مباشر، سواء أكان ذلك مقصودًا أم ترتبت عليه هذه النتيجة من دون قصد مثبت.

وتزداد دلالة المسألة حين نضعها في إطار العلاقة بين المعلومة والثقة السياسية. فالقرار لا يُصنع في فراغ، بل ضمن شبكة من العلاقات والتقديرات والالتزامات المتبادلة.

وقد يؤدي تسريب غير محسوب، أو تسريب يُراد به التأثير، إلى زعزعة الثقة بين أطراف العملية السياسية، أو إلى دفع أحدهم إلى إعادة النظر في اختياره تحت ضغط الملابسات التي أحدثها النشر. وفي مثل هذه الحالات، لا تعود المسألة محصورة في صحة الخبر أو خطئه، بل تمتد إلى أثره في البيئة التي يُتخذ القرار داخلها.

ومع ذلك، لا يجوز أن يتحول نقد التسريبات إلى موقف يضع السرية في مواجهة الحق في المعرفة. فالصحافة تؤدي دورًا أساسيًا في الرقابة على السلطة، وكشف ما يقتضي المصلحة العامة كشفه، ومساءلة المسؤولين عن قراراتهم وممارساتهم.

لكن هذه الوظيفة لا تلغي ضرورة التمييز بين الكشف الصحفي الذي يستند إلى معطيات موثوقة ويخدم المصلحة العامة، وبين تسريب قد يُستعمل لتوجيه مسار سياسي أو فرض أمر واقع قبل استكمال الإجراءات المؤسسية.

فليس كل ما يُنشر مؤامرة، كما أن مجرد نشر معلومة صحيحة لا يحسم السؤال المتعلق بالغاية من تسريبها وتوقيته والآثار التي يُراد ترتيبها عليه.

ومن هنا، يبرز النقاش حول أعراف تشكيل الحكومة في المغرب، وحدود السرية في تداول أسماء المرشحين للمناصب الحكومية، والعلاقة بين الإعلان الإعلامي واستقلال القرار الدستوري.

فالفصل السابع والأربعون من دستور المملكة المغربية لسنة 2011 ينص على أن الملك يعيّن رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدّر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى تعيين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها.

وهذا المقتضى يحدد إطارًا دستوريًا لتشكيل الحكومة، لكنه لا يفصّل وحده جميع الأعراف والممارسات المتعلقة بتداول الأسماء أو توقيت الإعلان عنها.

لذلك، من الضروري التمييز بين ما ينص عليه الدستور صراحةً، وما استقر عليه العمل المؤسسي من أعراف، وإحالات وما يُقدَّم بوصفه تفسيرًا سياسيًا أو تقديرًا للممارسة.

فاحترام الاختصاصات الدستورية لا يعني افتراض وجود قاعدة مكتوبة لكل تفصيل إجرائي، كما أن وجود أعراف سياسيّة لا يجعلها تلقائيًا في مرتبة النص الدستوري.

وبالمثل، فإن تداول اسم مرشح في وسائل الإعلام لا يمنحه صفة التعيين الرسمي، ولا ينبغي أن يتحول، بمجرد انتشاره، إلى عامل يفرض على المؤسسات تعديل اختياراتها أو يقيّد حريتها في ممارسة اختصاصاتها.

إن المسألة الجوهرية، إذن، ليست في التسريب وحده، بل في موقعه من عملية اتخاذ القرار: هل يأتي بوصفه نتيجةً لحق مشروع في الوصول إلى المعلومات، أم يُستخدم للتأثير في القرار قبل اكتمال شروطه؟ وهل يساعد الرأي العام على فهم ما يجري ومساءلة المسؤولين، أم يخلق واقعًا إعلاميًا يُراد للمؤسسات أن تتصرف في ظله؟

وبين الاحتمالين مساحة واسعة لا يمكن حسمها بالانطباعات وحدها، بل تتطلب فحص مصدر المعلومة، وسياق نشرها، ومدى توثيقها، والنتائج التي ترتبت عليها.

إن تجربة بوطالب، كما رواها بنفسه، تذكّرنا بأن المعلومة قد تصبح فاعلًا في السياسة، لا مجرد وصف لما يجري فيها. لكنها تذكّرنا أيضًا بحدود المعرفة المتاحة للمتابع، وبضرورة الفصل بين الشهادة المنقولة والتوثيق المستقل، وبين الواقعة كما يرويها صاحبها والاستنتاجات التي يمكن بناؤها عليها.

فالتعامل الجاد مع التاريخ السياسي لا يقتضي إضعاف الشهادات الصريحة أو إفراغها من مضمونها، كما لا يقتضي التعامل مع كل رواية بوصفها حكمًا نهائيًا يغني عن التحقق والمقارنة.

فالشرعية لا يصنعها التسريب، كما أن السرية لا تكفي وحدها لضمان سلامة القرار. وإنما يتطلب الأمر مؤسسات تحترم الاختصاصات الدستورية، وإعلامًا يمارس الرقابة بمسؤولية، وفضاءً عامًا يميّز بين الخبر والقرار، وبين المعلومة الموثقة والمناورة السياسية.

وعند هذا الحد، يصبح استقلال القرار وحماية الحق في المعرفة مبدأين متكاملين، لا ذريعة لإقصاء أحدهما لحساب الآخر.

______
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يهتم بقضايا الدولة والمجتمع والسياسات العموميّة والتنمية والتحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.
له عدة إسهامات فكريّة ودراسات ومقالات في الشأن المغربي والعربي والإسلامي.
ومن أبرز مؤلفاته: «الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» (2000)، و«الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة» (2015)، و«الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة» (2020).


شاهد أيضا

شاهد أيضا