وهبي مرشح “فوق العادة” للبقاء وزيرا للعدل.. كيف ستتصرف المنصوري مع غضب المحامين وتهديداتهم بشل المحاكم؟
تتجه الأنظار، مع اقتراب الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة، إلى مصير عدد من الحقائب الوزارية التي ارتبط تدبيرها خلال الولاية الحكومية المنتهية بملفات خلافية وتوترات مع فئات مهنية مختلفة، وفي مقدمتها وزارة العدل التي يتولى عبد اللطيف وهبي مسؤوليتها منذ سنة 2021، وسط تساؤلات بشأن إمكانية استمراره في المنصب أو تعويضه باسم آخر من شأنه أن يفتح صفحة جديدة في تدبير عدد من الملفات العالقة داخل منظومة العدالة.
ويأتي هذا النقاش في سياق سياسي جديد أعقب الانتخابات التشريعية التي تصدرها حزب الأصالة والمعاصرة، وأسفرت عن تكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة، قبل أن يستقبلها الملك محمد السادس، أمس الأربعاء 14 أكتوبر الجاري، بالقصر الملكي بالرباط، في خطوة حملت دلالات مؤسساتية مرتبطة بمسار تشكيل الجهاز التنفيذي المقبل، وأعادت الاهتمام إلى طبيعة الاختيارات التي ستعتمدها رئيسة الحكومة المكلفة في توزيع الحقائب الوزارية وانتقاء الأسماء المرشحة لتحمل مسؤولية القطاعات الحكومية.
وبحسب بلاغ الديوان الملكي، فقد أطلعت المنصوري الملك محمد السادس على مختلف المراحل التي قطعها مسار تشكيل الحكومة الجديدة، فيما أعرب الملك عن متمنياته لها بالتوفيق والنجاح في مهمتها، مؤكدا ضرورة التعبئة الشاملة والأداء الحكومي الجاد والمسؤول، بالنظر إلى حجم الرهانات والتحديات والانتظارات المطروحة على مختلف المستويات.
وإذا كان البلاغ لم يتضمن أي إشارة إلى أسماء الوزراء المرتقب الاحتفاظ بهم أو استبعادهم، فإن تأكيد أهمية الأداء الحكومي المسؤول يضع التشكيلة المقبلة أمام اختبار يتعلق بقدرتها على الاستجابة للانتظارات السياسية والاجتماعية والمهنية، خصوصا في القطاعات التي شهدت خلافات ممتدة خلال السنوات الماضية.
وفي هذا السياق، تبرز وزارة العدل باعتبارها إحدى الحقائب التي ينتظر أن تحظى باهتمام خاص خلال مرحلة الحسم في الأسماء، بالنظر إلى حساسية الملفات التي تشرف عليها وطبيعة العلاقة التي جمعت الوزير الحالي بعدد من الهيئات المهنية.
ومنذ تعيينه وزيرا للعدل في 7 أكتوبر 2021، ضمن الحكومة التي ترأسها عزيز أخنوش، ظل عبد اللطيف وهبي حاضرا في واجهة النقاش العمومي، سواء بسبب تصريحاته التي أثارت ردود فعل متباينة، أو بسبب الخلافات التي عرفتها بعض الأوراش المرتبطة بإصلاح منظومة العدالة، وفي مقدمتها تنظيم مهنة المحاماة.
وكان وهبي قد واجه، في يناير 2023، موجة انتقادات على خلفية الجدل الذي أعقب الإعلان عن نتائج امتحان الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة، بعدما أثارت تصريحات أدلى بها بشأن نجاح ابنه في الامتحان نقاشا واسعا حينها، حيث اضطر الوزير، خلال ظهوره في برنامج تلفزيوني، إلى تقديم اعتذار عن سياق بعض تصريحاته، موضحا أنه كان في حالة استفزاز عندما تحدث عن المسار الدراسي لابنه.
ولم يتوقف الجدل عند هذه المحطة، إذ ظل وزير العدل خلال السنوات اللاحقة في قلب نقاشات متصلة بتصريحاته ومواقفه من عدد من القضايا القانونية والقضائية، إذ أثار حديثه، في أكتوبر 2023، بشأن العقوبات السجنية التي اعتبرها قاسية في بعض الحالات، انتقادات دفعت إلى تجدد النقاش حول طريقة تناول المسؤول الحكومي للأحكام القضائية وحدود التعبير عن المواقف بشأنها.
بيد أن الاختبار الأكثر امتدادا بالنسبة إلى وهبي ارتبط بالعلاقة مع مهنة المحاماة، التي تحولت إلى واحدة من أبرز بؤر التوتر داخل قطاع العدالة خلال الولاية الحكومية المنتهية، فقد تصاعد الخلاف بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين بالمغرب على خلفية مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم المهنة، وسط اعتراضات مهنية على عدد من مقتضياته، ومخاوف عبرت عنها هيئات المحامين بشأن انعكاساته على استقلالية المهنة وضمانات الدفاع وتنظيم العلاقة بين المحامين ومؤسسات العدالة.
وشهد الملف مراحل متعددة من الاحتقان، تخللتها احتجاجات وإضرابات ومطالب بإعادة النظر في الصيغة التي أعدتها الوزارة، كما تدخلت رئاسة الحكومة في مرحلة سابقة لاحتواء الخلاف، قبل إحالة المشروع على المسار التشريعي ومواصلة مناقشته داخل المؤسسة البرلمانية.
وفي شهر ماي من السنة الجارية، اتخذ التصعيد منحى جديدا، بعدما أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب عزم نقباء الهيئات السبعة عشر عقد جموع عامة استثنائية لتقديم استقالاتهم الجماعية، احتجاجا على ما اعتبروه مساسا بثوابت المهنة ومؤسساتها، حيث جاء ذلك في أعقاب تقدم المشروع داخل البرلمان، في أجواء عكست عمق الخلاف بين الوزارة والهيئات المهنية، رغم استمرار المسار التشريعي للمشروع.
وصادق مجلس النواب على المشروع بالأغلبية في ماي 2026، قبل أن ينتقل إلى مجلس المستشارين، الذي وافق عليه في القراءة الأولى في يونيو، ثم في القراءة الثانية في يوليوز، وفق المعطيات المنشورة على الموقع الرسمي للمجلس، غير أن التقدم التشريعي للمشروع لا يعني، في حد ذاته، أن الخلاف المهني الذي رافقه قد انتهى، كما أن المصادقة البرلمانية لا تجيب وحدها عن الأسئلة المتعلقة بمدى نجاح الوزارة في بناء توافق مستدام حول إصلاح مهنة المحاماة.
ولم يتوقف مسار الخلاف بين وزارة العدل والمحامين عند المصادقة البرلمانية على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، بل انتقل إلى محطة دستورية زادت من تعقيد الملف، بعدما أحال رئيس مجلس النواب، راشيد الطالبي العلمي، النص على المحكمة الدستورية في يوليوز 2026، للبت في مدى مطابقته لأحكام الدستور، عقب استكمال مساره التشريعي داخل غرفتي البرلمان.
إلا أن المحكمة الدستورية لم تصدر حكما بشأن دستورية مقتضيات المشروع أو عدم دستوريتها، بل أعلنت، بموجب قرارها رقم 277/26 الصادر في 10 غشت 2026، تعذر البت في الإحالة بصيغتها المعروضة عليها، بسبب عدم إرفاق ملف الإحالة بالنص الذي وافق عليه مجلس المستشارين في القراءة الثانية بتاريخ 7 يوليوز.
وعوض أن يضع هذا القرار حدا للخلاف، قررت جمعية هيئات المحامين بالمغرب مواصلة التوقف عن تقديم الخدمات المهنية، خلال اجتماع مكتبها المنعقد في 18 غشت 2026، في ظل استمرار الاعتراض على القانون المنظم للمهنة، إذ عكست هذه الخطوة أن الأزمة تجاوزت مرحلة الاحتجاج على بعض المقتضيات التشريعية إلى مواجهة مهنية ممتدة.
وبعدها أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب، عقب اجتماع مكتبها المنعقد في 20 شتنبر، تعليق التوقف عن تقديم الخدمات المهنية بشكل مؤقت ابتداء من 7 أكتوبر 2026، بعد أكثر من أربعة أشهر من الاحتجاج، وهو القرار الذي لم يكن بمثابة إعلان عن تسوية نهائية للخلاف أو تراجع عن المطالب المهنية، إذ أكدت الجمعية تمسكها بموقفها من القانون، بما يجعل استئناف العمل خطوة مؤقتة ولا تعني انتهاء الأزمة.
وفي الوقت الذي أصبح فيه وهبي “مرشحا فوق العادة” للبقاء في منصب وزير العدل، خصوصا بعد “تناوله” عن الترشح لترؤس مجلس النواب لصالح زميله في الأصالة المعاصرة، أحمد التويزي، فإن الأنظار تتوجه مباشرة للمحامين، الذين لا زالوا يضعون العودة إلى الإطراب على الطاولة، إذ ستكون فاطمة الزهراء المنصوري مطالبة بإيجاد صيغ لتسوية الملف وتفادي شل المحاكم المغربية مجددا.
المصدر: الصحيفة





