عقلٌ مبرمج على «ألّا».. حين تتحوّل السياسة إلى صناعة للعداء ويصبح الرفض عقيدةً للحكم..!
الدكتور محمد الخمسي
ليست المشكلة أن تختلف مع جارك، فالاختلاف من طبيعة العلاقات بين الدول، وليست المشكلة أن تتنافس معه، فالتنافس قد يكون محرّكًا للتنمية والتقدّم. المشكلة الحقيقية أن يتحوّل الاختلاف إلى عقيدة، والتنافس إلى هوس، والرفض إلى برنامج سياسي لا يعرف من مفردات العلاقات الدولية سوى كلمة واحدة: «ألّا»!
ألّا نتعاون، ألّا نتحاور، ألّا نتقارب، ألّا نبني الثقة، ألّا نفتح أبواب المستقبل، وكأن استقرار المنطقة خطر، وتنمية شعوبها تهديد، ونجاح الجار هزيمة لا بد من تجنّبها بأي ثمن.
إنه العقل الذي لا يبحث عن مصلحة شعبه بقدر ما يبحث عن وسيلة لإرباك جاره؛ العقل الذي يختزل السياسة في المناكفة، والدبلوماسية في ردود الفعل، ومفهوم السيادة في استعراض القدرة على التضييق والتصعيد.
إنها مأساة عقلٍ لا يعرف كيف يقول «نعم» للمستقبل، لأنه ما زال أسيرًا لـ«لا» الماضي.
من استقبال قائد الأركان الليبي إلى توقيف المهنيين المغاربة
إذا صحّت المعطيات المتداولة بشأن توقيف 61 مغربيًا كانوا يمارسون أعمالًا مهنية في مجالات الجبس والبناء والترصيص والتبليط والنقش، بعد جمعهم في مدينة وهران، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس أمنيًا فحسب، بل سياسي وأخلاقي أيضًا: هل أصبح العامل البسيط، الذي يغادر بلده بحثًا عن لقمة عيش كريمة، مادةً قابلة للتوظيف في حسابات التوتر الإقليمي؟
هؤلاء، بحسب الرواية المتداولة، لم يغادروا المغرب بحثًا عن مواقع في غرف القرار، ولم يحملوا مشاريع لتغيير موازين القوى، بل حملوا خبراتهم المهنية وأدوات عملهم، بحثًا عن رزق يقيهم الحاجة ويصون كرامتهم.
عاملٌ يحمل أدوات الجبس، وآخر يتقن الترصيص، وثالث يبدع في الزليج والنقش؛ هؤلاء يمثلون الوجه الحقيقي للإنسان الذي يصنع حياته بجهده، لا بخطاباته. وإذا وُجّهت إليهم اتهامات، فمن حق الجهات المختصة التحقيق وفق القانون، لكن من واجبها أيضًا احترام قرينة البراءة، وضمان الحقوق، وتقديم أدلة واضحة على أي مخالفة منسوبة إليهم.
أما تحويل المهن البسيطة إلى شبهة جماعية، أو التعامل مع جنسية الإنسان كما لو كانت قرينة اتهام، فذلك مسار يفتح أبواب الظلم ويعمّق انعدام الثقة بين الشعوب.
الأمن حقّ للدول، لكنه ليس رخصةً للتعسّف، والسيادة مبدأٌ قانوني، وليست ذريعةً لإهدار الكرامة الإنسانية.
العقل نفسه، أم المنطق نفسه؟
في الذاكرة المغربية جرحٌ ثقيل يرتبط بترحيل مغاربة من الجزائر سنة 1975، في سياق ما عُرف بمسيرة طرد المغاربة، التي تزامنت مع عيد الأضحى. وقد ظلّت هذه الواقعة حاضرة في الوعي الجماعي المغربي باعتبارها محطة مؤلمة في تاريخ العلاقات بين البلدين.
لا ينبغي استدعاء التاريخ لمجرد اجترار الأحقاد، بل لفهم الثمن الذي تدفعه الشعوب عندما تتقدّم الحسابات السياسية الضيقة على الاعتبارات الإنسانية.
فالخطر ليس في أن تتكرر الوقائع حرفيًا، بل في أن يتكرر المنطق الذي يجعل الإنسان رهينةً للخلافات بين الدول، ويحوّل المواطن العادي إلى ورقة ضغط، ويجعل الحدود فضاءً للعقاب بدل أن تكون مجالًا للتنظيم والتبادل والتعايش.
إن مقارنة الأحداث التاريخية بالوقائع الراهنة تقتضي الدقة، لكن استخلاص العبرة منها يظل ضرورة سياسية وأخلاقية: لا يجوز أن تصبح كرامة الإنسان متغيّرًا تابعًا لدرجة حرارة العلاقات الدبلوماسية.
ثلاثمائة درهم أم ثلاثمائة حجة؟
ومن بين التفاصيل التي أثارت السخرية والاستغراب في الرواية المتداولة الحديث عن العثور على أوراق مالية من فئة 300 درهم.
وهنا، قبل أن تتحوّل التفاصيل إلى مادة للتهكّم السياسي، ينبغي التحقق من طبيعة هذه الأوراق ومن صحة الرواية نفسها؛ فالدرهم المغربي لا يتضمن ورقة نقدية رسمية من فئة 300 درهم. وإذا كان المقصود شيئًا آخر، فإن توضيحه واجب حتى لا تختلط المعلومة بالإشاعة، ولا تتحول السخرية إلى بديل عن الدليل.
فالملفات الأمنية لا تُحسم بالتلميحات، ولا تُبنى الاتهامات على غرابة التفاصيل، وإنما بالأدلة القابلة للتحقق والإجراءات القانونية الواضحة.
والدولة الواثقة من مؤسساتها لا تحتاج إلى تضخيم الوقائع لتثبت قوتها، كما أن الدولة التي تحترم القانون لا ترى في الشفافية انتقاصًا من هيبتها.
دبابات لا تصنع مجدًا، وعداوات لا تبني دولة
المعضلة الاستراتيجية أعمق من حادثة توقيف أو تصريح عابر. إنها تتصل بنموذج كامل في التفكير السياسي، نموذج يبالغ في تقدير أدوات الردع المادي، ويقلّل من قيمة القوة الاقتصادية، والتكامل الإقليمي، والاستقرار الاجتماعي، والدبلوماسية الوقائية.
يمكن للدولة أن تمتلك الدبابات والطائرات والصواريخ، لكن امتلاك أدوات القوة لا يعني امتلاك الحكمة في استخدامها، ولا يضمن تحويلها إلى أمن وازدهار.
القوة العسكرية، في منطق الاستراتيجيا الرشيدة، وسيلة لحماية المصالح وردع التهديدات، وليست بديلًا عن الاقتصاد المنتج، ولا عن المؤسسات الفعّالة، ولا عن السياسة القادرة على إدارة الخلافات.
وما قيمة التفوق في التسلح إذا بقيت المنطقة أسيرة سباق مكلف، تتآكل فيه الموارد، وتتراجع فيه فرص الاستثمار والتكامل، ويُحرم فيه الشباب من فضاء إقليمي واسع للعمل والإبداع والتنقل المنظم؟
إن الأمن الحقيقي لا يُقاس بعدد الدبابات وحده، بل بقدرة الدولة على حماية الإنسان، وصناعة الثروة، وتحصين المجتمع، وتجنّب الحروب التي يمكن للدبلوماسية أن تمنعها.
ليست القوة أن تجعل جارك يخاف منك؛ القوة أن تمتلك من الحكمة ما يمنع الخوف من التحوّل إلى عداوة دائمة.
مشروع «ألّا»: لا استقرار، لا تنمية، لا حوار
حين تتراكم الأزمات، ويُغلق باب الحوار، وتُعطَّل فرص التعاون، يصبح السؤال مشروعًا: من المستفيد من استمرار هذا الوضع؟
من المستفيد من تعطيل الاندماج المغاربي؟ ومن الرابح من تحويل الحدود إلى جدران نفسية وسياسية؟ ومن المستفيد من استنزاف الطاقات في المناكفات بدل توجيهها نحو الصناعة والتجارة والطاقة والماء والأمن الغذائي؟
لقد دفعت شعوب المنطقة أثمانًا باهظة نتيجة استمرار الخلافات السياسية، بينما تفرض التحولات الدولية والإقليمية تحديات لا يمكن لأي دولة مواجهتها بكفاءة وهي تعيش في قطيعة دائمة مع محيطها.
المغرب العربي ليس مجرد خريطة جغرافية، بل إمكانية اقتصادية واستراتيجية معطّلة. وشعوبه ليست متحاربة بطبيعتها، بل تجمعها روابط التاريخ والجوار والمصالح الإنسانية، مهما اختلفت الأنظمة وتباينت الحسابات.
ومن العبث أن تُختزل مصلحة ملايين البشر في خصومة مفتوحة، أو أن يصبح التعاون الإقليمي رهينةً لمعادلة صفرية، يظن فيها طرف أن مكسب جاره خسارة له.
إن الدولة التي تريد مستقبلًا آمنًا لشعبها مطالبة بأن تتجاوز منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة، ومن ثقافة الخصومة إلى إدارة الاختلاف، ومن صناعة الأزمات إلى صناعة المصالح المشتركة.
ليست المشكلة في «لا»، بل في العجز عن قول «نعم»
لا أحد يطالب دولةً بالتنازل عن أمنها أو التفريط في مصالحها أو التغاضي عن مخالفة القانون. لكن الفرق شاسع بين دولة تحمي مصالحها بعقل استراتيجي، وأخرى تسمح للخصومة بأن تتحول إلى عدسة ترى من خلالها كل حركة وكل مبادرة وكل نجاح.
الأولى تميّز بين الخطر الحقيقي والاختلاف السياسي، وبين المواطن العادي والفاعل المعادي، وبين السيادة والتعسّف، وبين الردع والتصعيد.
أما الثانية، فتخاطر بأن تصبح أسيرةً لردود أفعالها، فتقيس نجاحها بقدرتها على إزعاج الطرف الآخر، لا بقدرتها على تحسين حياة مواطنيها.
ولذلك، فإن جوهر النقد ليس رفض دولة بعينها أو شيطنة شعب بأكمله، بل مساءلة عقلية سياسية تُقدّم العداء على التعاون، وتستثمر في القطيعة أكثر مما تستثمر في المستقبل.
فالشعوب لا تُختزل في أنظمتها، والمجتمعات لا تتحمل مسؤولية كل قرار تتخذه السلطة، والعلاقات بين الدول لا ينبغي أن تُدار بمنطق العقاب الجماعي أو الانتقام المتبادل.
الخاتمة: حين تصبح «ألّا» سياسة دولة
إن أخطر ما يمكن أن يصيب العقل السياسي هو أن يفقد القدرة على تخيّل البدائل. أن يعتقد أن إغلاق الحدود حكمة، وأن القطيعة قوة، وأن التصعيد انتصار، وأن التوتر الدائم دليل على اليقظة.
عندها لا يعود الرفض موقفًا مؤقتًا تفرضه الظروف، بل يصبح برنامجًا يعيد إنتاج نفسه، حتى لو دفع المجتمع ثمنه من فرص العمل والتنمية والاستقرار.
والعقل المبرمج على «ألّا» لا يحتاج إلى عدوّ دائم بقدر ما يحتاج إلى تبرير دائم لوجوده؛ لأنه حين تنتهي الخصومة، سيُضطر إلى مواجهة الأسئلة الحقيقية: ماذا أنجزنا؟ ماذا بنينا؟ ماذا ربح المواطن؟ وأين هو المستقبل الذي وُعِد به؟
إن المنطقة المغاربية لا تحتاج إلى مزيد من الخصومات، بل إلى دول قوية بمؤسساتها، واثقة بمصالحها، قادرة على التفاوض دون خوف، والتعاون دون عقد، والاختلاف دون تحويله إلى حرب مفتوحة.
أما أن يظل الجار هاجسًا، والعامل شبهة، والحوار تنازلًا، والتكامل تهديدًا، والتنمية مؤجلةً إلى أجل غير مسمى، فذلك ليس انتصارًا للدولة، بل انتصار لمنطق العجز عن التفكير خارج دائرة العداء.
إن التاريخ لا يرحم العقول التي أهدرت فرص المستقبل وهي منشغلة بإثبات أن «لا» أقوى من «نعم».
فهل نملك في منطقتنا شجاعة الانتقال من سياسة الرفض إلى سياسة المصالح، أم سنظل أسرى عقل لا يجيد سوى إغلاق الأبواب، ثم يتساءل لماذا لا يدخل المستقبل؟





