من سقوط الهمزة إلى إسقاط ثقافة «لَهْمُوزْ»: صونًا للهُوِيّة من الهَاوِيَة وقطعًا مع منطق «لَفْراقْشِيّة»..!

 

 

 

 

*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

سقطت الهمزة سهوًا أو عمدًا، في إطار ما يمكن تسميته مجازًا بالحقّ المشروع في السهو المنهجي والإبستمولوجي؛ حيث يتدخّل الوعي الصامت في توجيه اللاوعي البشري، فتغيب الهمزة عن النص، أو «لَهْمُوزْ» عن البرنامج الحكومي، دون أن تغيب الفكرة عن الوعي بضرورة عقلنة الإنفاق العمومي وترشيده، واتخاذ الجديّة والصرامة والصدق والكفاءة والإخلاص في العمل أسلوبًا ومنهجًا وثقافةً لتدبير الزمن الحكومي.

فالهمزة، في هذا المقام، ليست مجرد علامة إملائية؛ بل تتحوّل إلى استعارة دلالية تتيح مساءلة العلاقة بين اللغة بوصفها فعلًا تواصليًا والسياسة باعتبارها ممارسةً للسلطة، وبين ما يُقال في الخطاب الحكومي وما يُترجم إلى ممارسة مؤسساتية فعلية.

إن «لَهْمُوزْ»، في التداول الدارج المغربي، تحيل إلى الفرصة الثمينة أو الصفقة المربحة، لكنها قد تتجاوز معناها التداولي البسيط لتعبّر عن ثقافة الانتهازية المقيتة والوصولية، واقتناص المكاسب السهلة، واستغلال النفوذ لإنتاج الريع الوزاري أو الإداري أو المؤسساتي.

إنها عقليّة البحث عن الغنيمة بأقل جهد، وتحويل المسؤولية العمومية من تكليف لخدمة الصالح العام إلى فرصة لتحقيق المنافع الخاصة؛ حيث لا تعود المسؤولية أمانةً تستوجب النزاهة والمساءلة، بل قد تتحوّل، في منطق الريع، إلى امتياز يُستثمر لتوسيع دائرة المصالح الشخصية.

ومن أبشع مظاهر «لَهْمُوزْ» وتجلياتها في الواقع المغربي، تبرز ظاهرة «لَفْراقْشِيّة»؛ وهو مصطلح شعبي ارتبط، في أصله، بلصوص الماشية والدواب الذين يعتمدون الحيلة والمباغتة لتفريق القطعان والاستيلاء عليها ليلًا في البوادي والقرى.

غير أن التحوّل الدلالي للمصطلح نقله من المجال الرعوي إلى فضاءات الاقتصاد والسياسة، ليصبح استعارةً نقدية تصف أنماطًا من الافتراس الاقتصادي والاجتماعي؛ حيث لا تُسرق القطعان بالضرورة، بل قد تُستنزف الأسواق، وتُحتكر السلع، وتُستغل الأزمات، ويُحوَّل الدعم العمومي، الموجّه أصلًا لحماية القدرة الشرائية للمواطنين، إلى فرصة إضافية لتراكم الأرباح على حسابهم. وهذه أمثلة على آليات محتملة يقتضي رصدها قطاعًا قطاعًا، لا وقائع مثبتة في كل حالة.

وفي المجال السياسي، اكتسب المصطلح حمولةً نقدية أشدّ حدّة، إذ يُستعمل في الخطاب العام لوصف بعض الممارسات المرتبطة بالريع وتضارب المصالح واستغلال المواقع التمثيلية لتحقيق منافع خاصة، وهي ممارسات أثارت نقاشات وتجاذبات داخل المؤسسة التشريعية المغربية.

ومع ذلك، تقتضي الدقة التمييز بين المصطلح بوصفه أداةً للتوصيف السياسي، وبين ثبوت المخالفات في حق أشخاص أو مؤسسات بعينها؛ فالنقد الجاد لا يستمد قوته من إطلاق الأحكام، بل من تفكيك البنيات التي تسمح بتكاثر الاختلالات واستمرارها.

إن جوهر الإشكال لا يكمن في الأسماء التي نطلقها على هذه الظواهر، بل في البنية التي تسمح لها بالتكاثر، وفي الاختلالات الرقابية والمؤسساتية التي قد تحوّل المال العام من أداة لتحقيق المصلحة العامة إلى مورد للاستحواذ الخاص.

فحين تتراجع قواعد المنافسة والشفافية والمساءلة، تصبح الأزمة سوقًا للفرص أمام البعض، بينما تتحوّل إلى عبء إضافي على كاهل الفئات الأكثر هشاشة؛ فيغدو الدعم الذي شُرع لحماية المواطن منفذًا محتملًا لاستنزاف قدرته الشرائية، بدل أن يكون رافعةً للعدالة الاجتماعية.

لذلك، سأتعامل مع سقوط الهمزة من كلمات كثيرة في خطاب السيدة رئيسة الحكومة، من قبيل: (الغذا، القضا، البنا، الكهربا، الما، الذكا، الإحصا، الارتقا…)؛ باعتباره، على سبيل التأويل المجازي لا الجزم بالنية، إشارةً رمزية إلى أن الخطاب الحكومي يعلن قطعًا مع منطق «لَهْمُوزْ» ويتموضع في أفق التضحية وخدمة الصالح العام؛ غير أن المسافة بين الإعلان والممارسة هي ما تساءله هذه القراءة.

وهنا تتكشّف المفارقة التي تمنح سقوط الهمزة معناها السياسي المجازي: قد تسقط الهمزة من الكلمة، لكن الأخطر أن تسقط المسؤولية من الضمير وأن تتحوّل الثروة العمومية إلى غنيمة والمرفق العام إلى مجال لتغليب المصالح الخاصة على مقتضيات الصالح العام.

فإذا كانت الهمزة قد غابت عن بعض الكلمات، فإن الرهان الحقيقي هو ألّا تغيب عن الممارسة الحكومية همزةُ البناء والعمران، وأن تحضر، في المقابل، إرادة إسقاط ثقافة «لَهْمُوزْ» من قاموس التدبير العمومي؛ لأن قيمة الحكومة لا تُقاس بما تسقطه من حروف، بل بما تُسقطه من مظاهر الريع والفساد، وما تُقيمه من عدالة في توزيع الثروة، وما تنجزه من مشاريع، وما تتركه من أثر ملموس في حياة المواطنين.

فالمطلوب ليس فقط إسقاط الهمزة من «لَهْمُوزْ»، بل إسقاط منطق الغنيمة من تدبير الشأن العام؛ وليس محاربة «لَفْراقْشِيّة» في الأسواق وحدها، بل تجفيف منابع كل ممارسة تجعل من المال العام قطيعًا مستباحًا، ومن المواطن الحلقة الأضعف في معادلة توزيع المنافع والأعباء.

ما بين الهُوِيّة والهَاوِيَة، لا يفصلنا سوى حرفٍ واحدٍ في المبنى، لكن تفصل بينهما مسافةٌ شاسعةٌ في المعنى والمآل؛ فبينما تُحصّن الهُوِيّة ذاكرةَ الوطن وتمنحه مقوّمات حفظ سيادة الدولة وضمان وُجُودها واستمرارها وأمنها واستقرارها واستقلالها وتشغيل محرك عجلات تنميتها وبناءها وعمرانها؛ قد تقود الهَاوِيَة إلى تبديد رصيده الرمزي والتاريخي وتفكيك روابطه الجامعة.

وهنا تتجاوز المفارقة حدود اللغة لتلامس جوهر الفلسفة السياسية: كيف تتحوّل صيانة الهُوِيّة إلى رافعةٍ لبناء المستقبل أو ينتهي التفريط فيها إلى انزلاقٍ صامت نحو الهَاوِيَة؟

ففي نهاية المطاف، ليست العبرة بما إذا كانت الهمزة قد سقطت سهوًا أو عمدًا وإنما بما إذا كانت الحكومة قادرةً على إسقاط ثقافة الريع من ممارستها، وإحلال منطق الاستحقاق محل الامتياز والكفاءة محل المحاباة والمساءلة محل الإفلات من المحاسبة.

فالهمزة قد تستقيم بها الكلمة، لكن النزاهة وحدها هي التي تستقيم بها الدولة.

______
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يهتم بقضايا الدولة والمجتمع والسياسات العموميّة والتنمية والتحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.
له عدة إسهامات فكريّة ودراسات ومقالات في الشأن المغربي والعربي والإسلامي.
ومن أبرز مؤلفاته: «الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» (2000)، و«الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة» (2015)، و«الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة» (2020).


شاهد أيضا

شاهد أيضا