إثم من قتل ذميًّا بغير جرم

إيطاليا تلغراف

*محمّد هشام خليفي

قُلْت : أنقل لك توضيحا صريحا في مفهوم الذّمّي في هذا العصر وليس في عصر الجهاد وفرض الجزية ، كما يزعم من لا علم له ولا عقل ولا منطق ولا فهم ، لأنّنا نتكلم الآن عن الذّمّي الذّي ذهب الى سفارة بلادنا في بلده وتحصّل على تأشيرة أو ترخيص أو إذن يتمكن بمقتضاهم من الدخول الى بلاد الإسلام من أجل العمل أو الإقامة أو السّياحة أو الدّراسة وقد ترك في بلاده الكثير من المسلمين الذين ينتمون لتلك البلاد التي دخلها حسب شروطها وقوانينها وهو يعتقد أن تقع معاملته مثل معاملة أهل تلك البلد في بلاده حيث لهم من الحقوق الإنسانية في التعليم والتّداوي والإقامة والدّراسة مثلما لسكان تلك البلاد الكافرة لا ينقص ذلك من حقوقهم شيئا .

يحرم قتل الذمي والتعرض له بما يؤذيه مع قيام عقد الذمة للآتي:

1- لما رواه القاسم بن مخيمرة عن رجل من أصحاب رسول الله أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل رجلاً من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاما» حديث صحيح أخرجه النّسائي وأحمد.

2- قال الإمام البخاري: “باب إثم من قتل ذمياً بغير جرم: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً».

3- الذمي صاحب ذمة وعهد وأمان وقد أمرنا الإسلام بالوفاء بالعهود التي أخذها المؤمنون على أنفسهم أو على غيرهم وعدم الإخلال بها قال تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ما تفعلون﴾ [النحل: 91]، وقال سبحانه: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً﴾ [الإسراء: 34]، والوفاء بالعهود من سمات المؤمنين الصادقين قال تعالى: ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾ [البقرة: 177]، وفي صحيح البخاري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلماً فعليه مثل ذلك»، وفي صحيح مسلم عن حديث أبي هريرة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : «وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف»، وأخرج أبو داود والنسائي بإسناد كالشّمس لا مغمز فيه رجاله ثقات رجال البخاري ومسلم ، عن قيس بن عباد قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : «المؤمنون تكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده، من أحدث حدثاً فعلى نفسه، ومن أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».

قال ابن حجر في (فتح الباري 4/86) : “قوله: «ذمّة المسلمين واحدة» أي أمانهم صحيح فإذا أمّن الكافر واحد منهم حرم على غيره التعرض له وقوله: «يسعى بها» أي يتولاها ويذهب ويجيء والمعنى أن ذمة المسلمين سواء صدرت من واحد أو أكثر شريف أو وضيع فإذا أمن أحد من المسلمين كافراً وأعطاه ذمة لم يكن لأحد نقضه فيستوي في ذلك الرجل والمرأة والحر والعبد؛ لأن المسلمين كنفس واحدة”.

قال ابن قدامة في (المغنى9/195): “وجملته أن الأمان إذا أعطي أهل الحرب حرم قتلهم ومالهم والتّعرض لهم”.

قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي في (شرح زاد المستقنع 15/379): “لأنّ قتل الذمي من أشد الجرائم والعياذ بالله، ومن تتبع السنة وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد الوعيد الشديد على التعرض لمن له ذمّة الله ورسوله، وأنه إذا دخل بلاد المسلمين في ذمة المسلم أو ذمة إمام المسلمين أو من يقوم مقامه، فلا يجوز لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخفر ذمة المسلمين، ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم ذمة المسلمين واحدة… فإن الذمي إذا دخل بلاد المسلمين وله ذمة المسلمين فدمه وماله وعرضه حرام، له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين”.

4- قال ابن تيمية في (مجموع الفتاوى 34/146): “ولا يجوز قتل الذمي بغير حق”، وقال ابن حجر في (الفتح 12/261): “بل يحرم عليه قتل الذمي والمعاهد بغير استحقاق”، وقال الإمام الرملي في (حاشيته 4/2): “بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين قوله: القتل ظلماً أكبر الكبائر بعد الكفر شمل قتل الذمي والمعاهد والمؤمن”.

عمر ابن الخطاب يوصي الخليفة من بعده بالوفاء لأهل الذّمّة وهو رحمه الله تعالى على فراش الموت وجرحه ينزف دما لوم يشغله ذلك من الوصيّة لأهل الذّمّة كما في (صحيح البخاري 1/469):

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه موصياً الخليفة من بعده: “وأوصيه بذمّة الله وذمّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم: أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وأن لا يكلّفوا فوق طاقتهم”.

هل عقد الذّمّة خاص بأهل الكتاب أو يشمل المشركين كذلك :

القول الأوّل : اتفق الفقهاء على جواز عقد الذمة لأهل الكتاب والمجوس، كما اتفقوا على عدم جوازه للمرتد، أما فيما عدا ذلك فقد اختلفوا: فقال فقهاء الشافعية والحنابلة في المشهور عندهم: لا يجوز عقد الذمة لغير أهل الكتاب والمجوس، بدليل قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: 5]، وهذا عام خص منه أهل الكتاب بآية الجزية ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون﴾ [التوبة: 29]، وخص منهم المجوس بقوله عليه الصلاة والسلام: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» ، فمن عداهم من الكفار يبقى على بقية العموم.

القول الثّاني : قال فقهاء الحنفية، وهو رواية عند المالكية، ورواية عن أحمد: يجوز عقد الذمة لجميع الكفار، إلا عبدة الأوثان من العرب؛ لأن عقد الذمة لرجاء الإسلام عن طريق المخالطة بالمسلمين والوقوف على محاسن الدين، وهذا لا يحصل بعقد الذمة مع مشركي العرب؛ لأن القرآن نزل بلغتهم، وحملوا الرسالة، فليس لهم أدنى شبهةٍ في رفضهم الإيمان بالله ورسوله، فتعين السيف داعياً لهم إلى الإسلام، ولهذا لم يقبل رسول الله منهم الجزية.

وفي المشهور عند المالكية: يجوز عقد الذمة لجميع أصناف الكفار، لا فرق بين كتابي وغيره، ولا فرق بين وثني عربي ووثني غير عربي.

ويرى جماعة من المعاصرين قوّة هذا الرأي ووجاهته تاريخياً؛ لأن قواد العرب دائماً كانوا قبل أن يقاتلوا أي قوم يعرضون عليهم الإسلام أو الجزية. (انظر الموسوعة الفقهية الكويتية 7/122،123 نقلا عن القليوبي 4/229، والمغني 8/501،496، والأم للشافعي 4/240، وأحكام القرآن لابن عربي 2/889، والبدائع 7/111، وجواهر الإكليل 1/266، 267 والحطاب 3/381،380).

الكفار باعتبار أحكام الشريعة فيهم أربعة أصناف: ذمي، ومعاهد، ومستأمن، ومحارب.

1 – الذّمّي : هو الذي التزم دفع الجزية ورضي بالإقامة تحت سلطان المسلمين آمناً على نفسه وماله وسائر حرماته ، وهذا كان في الزّمن الأوّل في عهد الخلافة وهو في زماننا معدوم ولا وجود له.

2 – المعاهد : قال الخرشي في (شرح مختصر خليل ، 15/62) / المعاهم بفتح الهاء الذي عاهده المسلمون أي: أعطوه عهداً وموثقاً أن لا يتعرضوا له، وبكسرها الذي عاهد المسلمين أي: أخذ منهم عهداً وموثقاً بالأمان.

قال ابن منظور في (لسان العرب، 3/313): “المعاهد من كان بينك وبينه عهد وأكثر ما يطلق في الحديث على أهل الذمة وقد يطلق على غيرهم من الكفار إذا صولحوا على ترك الحرب مدة ما”.

وهو أيضاً معصوم الدم والمال لا يجوز الاعتداء عليه في نفسه ولا ماله، ولا بغش ولا سرقة، ولا أي لون من ألوان العدوان؛ لما أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد من حديث أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل معاهداً في غير كنهه حرم الله عليه الجنة». وهذا الحديث في غاية الصّحّة .

قال أبو عبد الرحمان شرف الحق العظيم آبادي في (عون المعبود على شرح سنن أبي داود، 7/313) : قوله صلّى الله عليه وسلّم: «في غير كنهه» كنه الأمر حقيقته وقيل وقته وقدره وقيل غايته يعني من قتله في غير وقته أو غاية أمره الذي يجوز فيه قتله.

وقد يطلق أيضاً على المستأمن، قال الشوكاني في (نيل الأوطار،7/155): “المعاهد هو الرجل من أهل دار الحرب يدخل إلى دار الإسلام بأمان فيحرم على المسلمين قتله بلا خلاف بين أهل الإسلام حتى يرجع إلى مأمنه”.

3 – المستأمن : بكسر الميم هو الطالب للأمان، وبالفتح هو من يدخل دار غيره بأمان مسلماً كان أو حربيا، والمقصود به هنا هو الحربي الذي دخل دار الإسلام بأمان دون نية الاستيطان بها والإقامة فيها بصفة مستمرة، بل يكون قصده إقامة مدة معلومة لا تزيد على سنة، فإن تجاوزها وقصد الإقامة بصفة دائمة فإنه يتحول إلى ذمي ويكون له حكم الذمي في تبعيته للدولة الإسلامية. (انظر الدّرّ المختار، 4/166، وفقه السّنّة، 2/697) وهذا كمن قبله يحرم قتله والتعرض له.

4 – المحارب: هو غير الذمي والمعاهد والمؤمن، وهو الأصل في الكفار (انظر موسوعة الفقه الكويتيّة، 42/198).

وهذا ينطبق ذلك في عصرنا الحاضر على تأشيرة الدخول وعلى دعوات الآحاد من المسلمين التي توجه إلى أناس من المشركين للزيارة ونحوها وعلى عقود العمل أو استقدام الفنيين ونحوهم من قبل شركات يملكها مسلمون وغير ذلك من كل صورة ينطبق عليها التوصيف الشرعي للأمان، ومتى انعقد الأمان صار للحربي المستأمن حصانة من إلحاق الضرر به سواء من المسلم المؤمن أو من غيره من المسلمين أو حتى الذميين.

قد أخلصت لك في النّصح بتقديم هذا البحث من كتب أهل العلم الذين لم يختلف في علمهم وفضلهم رجلان من أهل الإسلام وجئتك بما يعينك على مناقشة من يستحل دماء أهل الذّمّة أو غيرهم ممّن يدخلون بلاد المسلمين بعهد وأمان كتأشيرة دخول وما جرى مجراها من القوانين الإدارية المتعاملة بها بين الدّول في العالم بأسره ، والله الهادي الى سواء السبيل وهو حسبي ونعم الوكيل .

*من الجزء الثّالث من كتاب : وسائل الإئتلاف في مسائل الإختلاف ، ص 428 ، لمحمّد هشام خليفي

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...