نبيل التّويول / إيطاليا تلغراف
في سياق دستوريّ ومؤسساتيّ يتسم بتداخل مقتضيات الإصلاح التشريعي و منطق ” الدّيمقراطية العددية ” ، يراوح مشروع إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة مكانه داخل دواليب لجنة التعليم و الشؤون الثقافية و الاجتماعية بمجلس المستشارين، في وقت يثير فيه هذا المسار أكثر من سؤال حول حدود الإرادة السياسية لدى الفرقاء السياسيين، في بناء توافق سياسي ومهني ومجتمعي شامل، قادر على ترجمة روح دستور 2011 على أرض الواقع، الذي أسّس لمبدأ التنظيم الذاتي باعتباره أحد ركائز ممارسة حرية الصحافة، فإن واقع المسطرة التشريعية يكشف عن بطء ملحوظ في حسم عدد من الإشكالات الجوهرية، وعلى رأسها التمثيلية داخل المجلس، وضوابط الانتخاب، وحدود الاختصاص التأديبي، وهي قضايا أعاد قرار المحكمة الدستورية تأطيرها ضمن منطق احترام مبادئ المساواة، والشرعية، والاستقلالية المؤسساتية.
وفي خضم هذا التّباطؤ التّشريعي، يبرز سؤال هدر الزّمن الدستوري باعتباره معطى دالا على طبيعة التعقيدات السياسية والمهنية داخل القطاع، حيث لم تنجح مختلف جولات النقاش البرلماني، سواء داخل مجلس النواب أو مجلس المستشارين، في استيعاب كامل للمقترحات الصادرة عن المعارضة وعدد من الفاعلين المهنيين، وهو ما غذّى شعورا متزايدا بأن منطق الغلبة العددية ما يزال يتقدم على منطق التوافق المؤسساتي الذي يفترضه منطق التنظيم الذاتي.
وإذا كان تدبير هذا الورش قد ارتبط بالقطاع الحكومي الوصي، فإن النقاش العمومي الذي رافقه قد اتسع ليشمل تقييم أداء الفاعل التنفيذي المكلف، في سياق سياسي وإعلامي متوتر نسبيا، خصوصا مع ما أثير من جدل حول ملفات اقتصادية وإعلامية متداخلة، من بينها ملف “ كذب نيو موتورز على الملك”، وهو ما ساهم في تشكيل صورة مركبة حول قدرة بنسعيد على ضبط توازنات قطاع شديد الحساسية، يقوم على الاستقلالية والتعددية كشرطين جوهريين.
وفي مقابل هذا الوضع، تستحضر القراءة المقارنة تجربة سابقة في تدبير قطاع الاتصال، حين تولى الوزير مصطفى الخلفي المسؤولية في ظرفية اتسمت بتعقيد سياسي ومهني أكثر شدّة، غير أنه جرى خلالها الدفع نحو تطوير الترسانة القانونية المنظمة للصحافة والنشر، في إطار مقاربة اتسمت بنوع من التدرج المؤسساتي والتفاعل مع محيط مهني متحول، وهو ما يعيد طرح سؤال الكفاءة التدبيرية كعنصر حاسم في هندسة السياسات الإعلامية العمومية.
غير أن الإشكال الحقيقي يمتد إلى البنية العميقة للمنظومة الإعلامية ذاتها، حيث يطرح مبدأ التنظيم الذاتي، كما نص عليه دستور 2011، سؤال الجاهزية المهنية والمؤسساتية للجسم الصحافي، في ظل اختلالات مرتبطة بمنظومة التكوين، وضعف البحث العلمي في علوم الإعلام، ومحدودية العرض التكويني المتخصص، وهو ما ينعكس على قدرة القطاع على إنتاج نخب مهنية قادرة على استيعاب التحولات العميقة التي يعرفها الإعلام العالمي، حيث لم تعد الصحافة مجرد ممارسة إخبارية، بل تحولت إلى مجال معرفي وتقني مركب، يقوم على الإبداع والتحقق والتفاعل الرقمي.
وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد أهمية الاستحقاقات الوطنية والدولية التي تنتظر المملكة، وفي مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030، وما يستتبعه من ضرورة تقديم صورة إعلامية متماسكة ومهنية، إلى جانب مواصلة تنزيل أوراش استراتيجية كبرى، من بينها ورش الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، باعتباره خيارا سياديا يتطلب خطابا إعلاميا مسؤولا، قادرا على الجمع بين الدفاع عن الثوابت الوطنية والانفتاح على المعايير الدولية في حرية التعبير.
وإذ يستحضر في هذا السياق البعد التوجيهي للخطابات الملكية الداعية إلى ترسيخ دولة المؤسسات وتحديث آليات الحكامة، فإن المرحلة تفرض إعادة إدراج إصلاح قطاع الصحافة ضمن رؤية وطنية شاملة، تتجاوز منطق التدبير القطاعي الضيق، نحو منطق الإصلاح البنيوي العميق، بما يجعل من الإعلام رافعة استراتيجية ضمن مشروع الدولة الحديثة، لا مجرد قطاع تنظيمي قائم بذاته.
إن استمرار تعثر الحسم في هذا الورش، وما يرافقه من بطء تشريعي، يطرح بإلحاح مطلب الانتقال إلى إصلاح مؤسساتي شامل على غرار فلسفة الجهوية المتقدمة و النّموذج التنموي الجديد، وهو ما قد يستدعي إعمال آلية تحكيمية مستقلة ذات طابع سيادي، تسند إليها مهمة إعادة صياغة التصور الشمولي لمنظومة الصحافة والإعلام بعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة، بما يضمن انسجامها مع المرجعية الدستورية، ويؤسس لمرحلة جديدة قوامها الاستقرار التشريعي، والفعالية المهنية، و تكامل الأجيال الصحافية بدلا من التقاذف بينها، لتعزيز مكانة الصحافة المغربية كقطاع حيوي للأمة، واللحاق بالتجارب العالمية التي سبقتنا في الصحافة.





