حكومة أخنوش وتصريحات البواري: عندما يغتني الشناقة من مال الدعم ويواجه المواطن الغلاء بالوعود الكاذبة
عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
لم يعد السجال الدائر تحت قبة البرلمان مجرد اختلاف طبيعي في تقدير المؤشرات الاقتصادية بل تحول إلى مكاشفة صريحة لطبيعة العلاقة التي تربط النخبة الحاكمة بالمعيش اليومي للمواطنين. إن الخرجة الأخيرة لوزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات أحمد البواري أمام ممثلي الشعب والتي ادعى فيها تداول أضاحي العيد بأسعار تبدأ من 1000 درهم مشككاً في تذمر الشارع، لا يمكن فصلها عن المسار العام للحكومة التي ينتمي إليها حكومة عزيز أخنوش التي تواجه انتقادات حادة منذ تنصيبها بتبني سياسات يعتبرها متتبعون تكريساً للتهميش وتعميقاً للفوارق الاجتماعية.
وإنني بحكم انتمائي لجيل مغاربة العالم وبصفتي صحفياً متتبعاً ومهتماً بعمق بمسارات الشأن السياسي والاجتماعي الوطني لم أختر الكتابة في هذا الموضوع من باب الترف الفكري بل مدفوعاً بمسؤولية الكلمة وأمانة النقل نظراً لما نتابعه بأسف عبر القنوات الرسمية وغيرها من تصريحات لوزراء ومسؤولين باتوا يفتقرون لأبسط قيم الحياء السياسي وعاجزين تماماً عن استيعاب حقيقة ما وصل إليه المواطن المغربي من ضيق حاد في العيش وتراجع مقلق في حقوقه الاقتصادية والاجتماعية المشروعة.
عندما يتحدث وزير الفلاحة أحمد البواري عن أسعار لا وجود لها في جغرافيا الأسواق الشعبية ثم يتبعها بإعلان عدم معرفته بآليات اشتغال الشناقة أو الوسطاء فإن الخطاب الرسمي يسقط في فخ الانفصال التام عن الواقع. هذا الأسلوب ليس مجرد هفوة تواصلية لوزير جديد بل هو امتداد لنهج حكومي ثابت يعتمد على السرديات الجاهزة من قبيل ادعاء رعاية المواطن من المهد إلى الشيخوخة في وقت تعيش فيه مناطق بأكملها تحت وطأة مخلفات الكوارث الطبيعية وغياب العدالة المجالية.
إن المنظومة التي ينتمي إليها البواري تفتقر حسب منتقديها إلى آليات الرصد الميداني الحقيقي مما يفسر عجزها عن تلمس العبء المالي الذي تفرضه المناسبات الاجتماعية والالتزامات اليومية على كاهل الأسر المغربية التي باتت تواجه تضخماً يلتهم الأجور والقدرة الشرائية.
إذا كانت الحكومة تحاول إلقاء اللوم على المؤثرات الخارجية أو تقلبات السوق الرقمية فإن التقارير الصادرة عن المؤسسات الدستورية والرقابية الوطنية تكشف زيف هذه التبريرات:
تفيد تقارير مجلس المنافسة الرسمية المخصصة لتتبع أسعار الوقود بأن شركات التوزيع تحقق هوامش ربح مستقرة ومرتفعة تتراوح بين درهمين للبنزين ودرهم ونصف للغازوال عن كل لتر مؤكدة أن انخفاض الأسعار على المستوى الدولي لا ينعكس بالسرعة أو القيمة نفسها في محطات الخدمة الوطنية مما يعزز فرضية حماية مصالح الكارتيلات الطاقية على حساب المواطن الذي يتحمل الفاتورة مضاعفة في النقل والإنتاج.
تؤكد البيانات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط أن مؤشرات التضخم وإن شهدت تباطؤاً رقمياً عاماً إلا أن سلة المواد الغذائية الأساسية واللحوم والخضروات ظلت تسجل ارتفاعات متتالية ومستمرة مما جعل قفة المواطن اليومية عبئاً حقيقياً يهدد السلم الاجتماعي لشرائح واسعة من الطبقة الوسطى والفقيرة.
لا تتوقف مظاهر التفقير والضغط المالي عند حدود الأسواق والمحطات بل تمتد لتطال قطاع الصحة الذي يشهد تحولات هيكلية مقلقة. في ظل تبشير حكومة أخنوش بالدولة الاجتماعية وتعميم التغطية الصحية يجد المواطن نفسه مجبراً على الارتماء بين أحضان القطاع الخاص نتيجة تدهور الخدمات في المستشفيات العمومية.
وتواجه المصحات الخاصة اتهامات متزايدة بممارسة الابتزاز المالي وامتصاص جيوب المرتفقين عبر فرض مبالغ غير قانونية ما يعرف بالشيك على سبيل الضمان مستغلة غياب الرقابة الصارمة من طرف وزارة الصحة. هذا الوضع يحول الحق الدستوري في العلاج إلى سلعة تجارية تُباع لمن يملك القدرة على الدفع ويهمش الملايين من المواطنين الذين لا يجدون سبيلاً للحصول على رعاية طبية تحفظ كرامتهم.
إن المشهد الفلاحي الحالي يلخص بوضوح آليات التوزيع غير العادل للثروة والدعم العمومي. تصر حكومة عزيز أخنوش على ضخ مليارات السنتيمات من ميزانية الدولة لدعم مستوردي الأغنام والأبقار وإعفائهم من الرسوم الجمركية والضريبية تحت ذريعة خفض الأسعار للمستهلك النهائي.
لكن النتيجة الميدانية جاءت عكسية تماماً حيث تسببت هذه السياسة في تغذية ثراء شبكات كبار المستوردين والوسطاء الشناقة الكبار الذين استأثروا بهوامش الدعم بينما قفزت أسعار الأضاحي واللحوم إلى مستويات قياسية غير مسبوقة. إن عدم اعتراف وزير الفلاحة بوجود هذه الفئة يؤكد أن الحكومة تختار بوعي حماية قنوات الريع والاحتكار عوض فرض سقوف ربحية صارمة تحمي جيوب المواطنين.
إن استمرار هذا النمط من التدبير المبني على إنكار الأزمات وتجميل الواقع بالأرقام الوهمية ينتج كلفة سياسية باهظة تتجاوز حدود السخط الآني لتصل إلى التدمير الممنهج لمنسوب الثقة في المؤسسات التنفيذية والبرلمانية الحكومة التي تعجز عن الاعتراف بألم الناس والوقوف على حقيقة معاناتهم تعجز بالتبعية عن إنتاج حلول حقيقية لرفع التهميش والإقصاء. ومع اقتراب المحطات السياسية والانتخابية يصبح لزاماً على المجتمع والقوى الحية تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لقطع الطريق أمام نخب المال والأعمال التي تستغل مواقع المسؤولية لتعميق ثرواتها على حساب تفقير الشعب المغربي.





