إيطاليا تلغراف تحاور الأديب والكاتب الدكتور يونس توفيق

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

أجرى الحوار ذ.عبد الله مشنون :

 

 

الدكتور يونس صديق توفيق الحمداني الروائي و المبدع العراقي المقيم بإيطاليا منذ حوالي أربعين سنة وسيرته اشهر من نار على علم فقد اسهم في مد جسور التعارف التناغم بين الادب العربي والغربي ولقراءة مؤلفاته متعة لا توصف فالأحداث والأشخاص و الأماكن عربية يتم تصويرها باللغة الإيطالية بأسلوب يجعلك لا تستشعر الفارق اللغوي ولا البعد الجغرافي .
ويطيب لجريدة إيطاليا تلغراف  أن يكون الدكتور يونس صديق توفيق الحمداني ضيفا على سلسلة التعريف بالكفاءات العربية بديار المهجر .

*من هو يونس صديق توفيق الحمداني?

من مواليد مدينة الموصل في العراق. أنتمي الى عائلة آل الصقال وهي عائلة معروفة في المدينة بصناعة الحلويات والمعجنات والأكلات الموصلية المشهورة. هذه العائلة يرجع أصلها الى قبيلة بنو حمدان الذين أسسوا الدولة الحمدانية في الموصل وحلب والتي دامت منذ عام 930 وحتى عام 1003. وأنا أفخر بأصلي هذا لأنني أعتبر الشاعر الفارس أبو فراس الحمداني خير جدّ ملهم ولأن الوالد رحمه الله كان دائما يقول لي ستصبح يوما ما شاعرا مثل أبي فراس. أكملت دراستي في الموصل وكنت من الشعراء الذين تفخر بهم المدينة حيث حصلت عام 1978 على الجائزة القطرية الأولى في الشعر والتي كان الرئيس المرحوم أحمد حسن البكر هو الذي قلدني اياها شخصيا.

*كان مجيئكم الى إيطاليا بغرض الدراسة فهل مكوثكم طول هذه المدة بهذه الديار كان اختياريا ولماذا إيطاليا بالذات.?

نعم غادرت العراق عام 1979 لغرض الدراسة وكان هدفي هو التعرف على الأدب الإيطالي حيث كنت قد قرأت الكوميديا الإلهية مترجمة باللغة العربية وأعجبت بها فقررت السفر الى إيطاليا من أجل تعلم اللغة الإيطالية والإطلاع على الأدب والحضارة الإيطالية عن قرب. تخرجت من جامعة طورينو كلية الأدب المعاصر عام 1986 وعملت في مجال تدريس اللغة والأدب العربي مباشرة بعد التخرج وحتى يومنا هذا. حصلت على شهادة الدكتوراه من جامعة جنوة في اللغة والثقافة وتكنولوجيا المعلومات والإتصالات. مكوثي كان إختياريا ولأسباب تتعلق بالعمل والدراسة ثم العائلة التي أصبحت الآن إيطالية المولد.

*هل ما زلتم تشعرون بالغربة ?

نعم. الشعور بالغربة وحش ينهش الغريب من الداخل ويأكل روحه بهدوء. الغربة هاجس ينخر الفكر والذاكرة فالبعد عن الوطن والأهل يترك أثره في أعماق الإنسان ويؤثر فيه وفي حياته حتى يصبح فارغا في داخله وهذا الفراغ قد يمتليء فقط بالحب فحينها يجد الغريب بيتا وأمنا وحنانا وهذا ماوجدته أنا بعد زواجي من أم ريما المغربية الأصيلة. وجدت فعلا في المغرب وطنا ثانيا وأهلا وأحبابا أعتز بهم وأتشرف بانتسابي لهم.

*ونحن في ديار المهجر تتنازعنا الهوية وحتمية الاندماج فما السبيل الى التوفيق بين الامرين.?

من الواجب الحفاظ على الهوية لأنها الأصل ولأنها الوطن الأول والذاكرة والجذور ولكن في نفس الوقت علينا إحترام المجتمع الذي إخترنا العيش فيه. يجب الإندماج بما معناه العمل حسب قوانين البلاد والعيش باحترام متبادل لثقافة البلد وعاداته وتقاليده والإبتعاد عن الصدام ومحاولة فرض ثقافة على أخرى خصوصا ونحن ضيوفا وسنبقى هكذا حتى وإن حصلنا على الجنسية. حقوقنا يكفلها لنا الدستور ثم القانون ولكننا يجب أن نلتزم بحدود يفرضها علينا قانون البلد فلا داع للمبالغة ومحاولة فرض الأمر الواقع عليهم لأن هذا سيعطي فرصة للمتطرفين والعنصريين كي يجدوا سبيلا للنيل منا.

*كنتم اول عربي يكتب رواية بالإيطالية دون وسيط فهل استطاعت اللغة الإيطالية استيعاب فكرة الرواية وماذا لو كتبت ابتداء بالعربية هل سيكون هنالك اختلاف.?

بدأت في كتابة الشعر والقصة القصيرة باللغة العربي حينما كنت في سن الرابعة عشر في العراق وحين وصولي الى إيطاليا واصلت كتابة الكثير من المقالات في صحف ومجلات عراقية وعربية حول الوضع الثقافي والسياسي في إيطاليا. قررت كتابة أول عمل روائي مباشرة باللغة الإيطالية بتشجيع من الصديق الكاتب المغربي المعروف الطاهر بن جلون والذي حثني قائلا لماذا لاتكتب باللغة الإيطالية طالما أنه ليس هناك من يكتب بها من المهاجرين كي تثبت أن المهاجر يندمج بتعلمه للغة والكتابة بها وستكون تحديا شجاعا وفعالا ضد من يشكك بقدرة المهاجرين ورغبتهم في الإندماج الصحيح. وفعلا بدأت في كتابة رواية الغريبة عام 1995 حيث إستمرت لمدة أربعة سنوات ونشرت عام 1999 من قبل إحدى كبريات دور النشر الإيطالية بومبياني. الرواية نجحت نجاحا باهرا حيث حصلت على خمسة عشرة جائزة أدبية وأصبحت سيناريو لفيلم ناجح ثم تلتها عدة روايات أخرى . اللغة الإيطالية أعطتني مساحات واسعة وقدرة جيدة بالنسبة لي على التعبير والبناء. الأمر يختلف حال الكتابة باللغة العربية لأنها تملك مساحات مختلفة وقرات تعبيرية تختلف. نعم اللغة الإيطالية استطاعت استيعاب فكرة الرواية واعطتني حتى إمكانيات شاعرية جيدة متوافقة مع العربية بل الواحدة أكملت الأخرى ووهبتها زخم رائع وغني في التعبير والتصوير الشاعري.

*عندما كنا صغارا ونحن نزور الجناح العراقي في معارض الكتب كنا نلمس غزارة في الإنتاج وجودة في الكتابة والطباعة واليوم في معرض الكتاب بالدار البيضاء مثلا لاحظنا غياب العراق المستمر .في نظركم ما أسباب هذا النضوب والانحسار?

مع الأسف الشديد فالثقافة بشكل عام انحسرت في عراق مابعد صدام حيث بدأ بالإحتلال الأمريكي ثم حرب الطوائف وبعد ذلك دخول داعش للعراق وأحد الأسباب الرئيسية لهذا التدهور يمكن أن نعزوه للسياسة الفاسدة القائمة في العراق ونظام المحاصصة الطائفية الذي لم يترك المجال لثقافة الحياد والإبداع من النهوض. ثم أن في ظل هذا النظام الفاسد فالدولة لاتدعم النشر ولاتشجعه كما كان في السابق فالكتاب لم يعد له قيمة في عهد الإنحطاط الفكري الذي أراد له البعض أن يكون سببا لإنهيار العراق. ومع هذا فإن الكثير من المبدعين والأدباء ممكن يعملون على نشر أعمالهم ولو على حسابهم الخاص.

*كيف تنظرون الى الاستعمال المحتشم للغة العربية من لغة ابداع وبلاغة واعجاز الى لغة اخبار وصحافة ومن المسؤول عن هذا الوضع?

المسؤولية تقع على عاتق كل من يريد أن يجعل منها لغة ميتة عاف عليها الزمن بل وحتى في اللغة المستخدمة في الإعلام نجد أخطاء نحوية واملائية كثيرة تؤثر على القاريء والمستمع وهذا شر البلية. ولكننا نجد أن الشباب يحاولون جاهدين الحفاظ على اللغة العربية وجعلها حية وفاعلة بل وخلق لغة خاصة بهم مبسطة وسهلة التداول وهذا ما نحتاج اليه الآن.

*ما صحة ان الثقافة في الوطن العربي صارت في خدمة النظام السياسي?

ليس في كل مكان ولكن الوضع قائم والأبواق موجودة مثلما كانت عليه في الماضي.

*ما تقييمكم للثقافة العربية الحديثة?

ليست بالمستوى المطلوب بسبب حالات الفوضى التي تعيشها المجتمعات العربية عموما وبسبب خطا حاصل في نظام التعليم والتربية الخاصة بتعميم الثقافة والنهوض بها عبر سياسة جديدة في النشر وتشجيع القراءة والكتابة وتركيز وسائل الإعلام على نوع من الثقافة الجديدة والتركيز بالأخص على الأجيال الجديدة.

كأديب وكاتب كيف ترون مسألة الحدود بين المغرب والجزائر و كيف ترون الحكم الذاتي الذي جاء به المغرب من أجل تسوية قضية الصحراء المغربية?

من المؤسف جدا أن تغلق الحدود بين بلدين جارين قريبين جدا ثقافيا واجتماعيا. الشعوب لاتريد هذا وعلى الأطراف بحث الأمر والتباحث فيه لأنه سيكون بداية حل الأزمة خصوصا على ضوء التغيير الحاصل في الجزائر. مشروع الحكم الذاتي هو أحسن حل يمكن أن يقدم لمشكل الصحراء وهذا من مصلحة الإقليم نفسه لأنه يمنح نوع من الإستقلالية مع دعم مادي واستراتيجي من قبل البلد الأم مما يوفر الرخاء والتقدم والتنمية المستدامة. لايمكن لإقليم الصحراء ان يعيش بدون بعده وأصله المغربي.

*زوجتكم مغربية ولكم زيارات متعددة للمغرب صف لنا المغرب شعبا وحكومة وملكا?

المغرب بلد جميل بتنوعه من شماله الى جنوبه وهو حسب رأيي حافظة للثقافة العربية الأندلسية الأصيلة التي انتقلت من الأندلس ووجدت لها حافظة في المغرب. في المغرب تجد تنوع ثقافي وأثني وديني يجعل منه بلدا رائعا ومزدهرا كما أن الشعب المغربي يتميز بكرمه وانفتاحه على الاخر. وجدت في هذا البلد الكريم الحب والعائلة والبلد البديل. المغرب يتقدم بشكل ملحوظ وذلك بفضل سياسة جلالة الملك محمد السادس والذي يركز على التنمية المستدامة والإزدهار الصناعي والاقتصادي حتى نجد في بعض المناطق مغربا جديدا يضاهي بعض البلدان الأوربية.

*ماهو تقييمكم للحكومة الايطالية الجديدة في ظل انتشار العنصرية والاسلاموفوبيا?

لحسن الحظ تلك الحكومة انتهت ولكن موجة العنصرية والإسلاموفوبيا تنمو وكل يوم تحصل على تأييد ودعم وهذا مانجده في بعض إستطلاعات الرأي ونجاح اليمين المتطرف في الإنتخابات المحلية.

*طورينو مدينة فيها24 مسجدا ومركزا اسلاميا هل في نظركم هناك ثقافة داخل هذه المراكزوبرامج تستقطب الشباب وهل هناك فعلا تواصل بينها وبين المجتمع المدني خاصة مع الايطاليين ?

هناك بعض المساجد بدأت تتبع نظام جديد في مجال العمل الثقافي والجمعوي وهي قليلة ولكن ومع الأسف ليس هناك تواصل جذري مع المجتمع الإيطالي فالكثير من المهاجرين يعيشون حالة انفصام بحيث هم هنا بأجسادهم ولكن رؤوسهم بقيت في بلدانهم الأصلية وهذا يخلق الكثير من المشاكل وربما أيضا الصدام.

*عدة مؤسسات اسلامية على التراب الايطالي من بينها اتحاد الجاليات الاسلامية والكورييس والكونفدرالية الإيطالية الإسلامية والفدراليات الاسلامية هل استطاعت هذه المؤسسات ان تفرض نفسها ومكانتها على الحكومة الايطالية? ولماذا لحد الان ايطاليا لا تعترف بالدين الاسلامي?

لأن ليس هناك وحدة وتنسيق واتفاق ستراتيجي واضح بين هذه الأطراف والجانب الإيطالي يقول نحن لايمكن أن نتحاور ونعقد ورقة تفاهم مع أربع أو خمس جهات كل منها يمثل مجموعة معينة كما أن الكثير من هذه المؤسسات تابعة لأطراف أخرى عالمية أو تقبع خارج إيطاليا يعني أنه ليس هناك مؤسسات إسلامية مستقلة وتمثل الجالية الإسلامية في إيطاليا.

 

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...