التواصل بالاستحضار الذهني والتذكر في الخاطر

إيطاليا تلغراف

 

الدكتور محمد بنعيش*

فإذا كان منهج التواصل بالمراجعة والتحليل لأقوال المريد وأحواله وسلوكاته قد يمثل قاعدة رئيسية ومركزة لتحصيل معرفة النفس من خلال الزيارات التي يقوم بها المريد إلى شيخه ، والملاحظات المتبادلة بينهما كتكامل منهجي،فإنه قد يوجد عند الصوفية نوع آخر من التواصل ، سيكون نتيجة التواصل الأول بحسب الاستفادة منه . وهذا التواصل يقوم على مبدأ الاستحضار الذهني، وتشخيص الشيخ بين عيني المريد، بالتركيز على تخيل شخصه أثناء ممارسته لتوجيهاته وقيامه بما يأمره به من أعمال . إذ كما يقول الشعراني أن من ” آداب المريد أن يستمد عند شروعه في الذكر بهمة شيخه ، بأن يشخصه بين عينيه ، ويستمد من همته ليكون رفيقه في السير” .
ويبين بعد ذلك حقيقة الذكر عند الصوفية بإبداء تعقيب على هذا الاستحضار الذهني أثناءه . وذلك بأنه ينبغي ” تفرغ القلوب عن كل موجود حال الذكر سوى الله ، بقول : لا إله : فإن الحق تعالى غيور لا يحب أن يرى في قلب الذاكر غيره إلا بإذنه . ولولا أن للشيخ مدخلا عظيما في تأديب المريد، ما ساغ للمريد أن يخيل شخصه بين عينيه لا في قلبه . وإنما شرط نفي كل موجود من الكون من القلب ، ليتمكن له تأثير قول : لا إله إلا الله بالقلب ، ثم يسري ذلك المعنى إلى سائر الجسد…” .
وهذا الاستحضار الذهني دقيق وصعب للفهم ومقلق عقديا وروحيا إذا وظف على غير وجهه السليم وهدفه التربوي المحض، وربما قد لا يستند إلى قواعد علمية يقينية ، لإثبات فعاليته ، واعتباره قناة منتظمة للتواصل الروحي، رغم ما يسبق إلى الظن من توقع إمكانه وتأديته لهذه الوظيفة التي عبرها يمكن تدعيم معرفة النفس ونقل ظواهرها من الشيخ إلى المريد. وهذا ما سيجعلنا نعقب عليه كمناقشة سريعة حين الفراغ من عرض أهم جوانبه عند بعض الصوفية .
ففي هذا التواصل قد لا يشترط أن يستحضر الشيخ شخص المريد بين عينيه ليتم التلقين، لأن الشيخ في رأي كثير من الصوفية قد يكون باثا للمعاني بحكم تجوهره وترسخه فيها، غير محجوب بكثافة النفس وظلمانيتها. وإنما المريد قد تحجبه نفسه عن شيخه بتضييق استبصاره ، فتحول دون تلقيه لإيحاءاته التربوية والروحية التي قد تكون إمدادا بمفاهيم معرفية وسلوكية مصححة للمفاهيم المغلوطة الواردة عن طريق النفس وقصورها المذموم .
وعن هذا، الاستحضار الذهني من جانب واحد، يحكي ابن عطاء الله السكندري أنه قال أحد تلامذة الشيخ أبي العباس المرسي ” أريد لو نظر إلي الشيخ برعايته وجعلني في خاطره . فقال ذلك للشيخ : فلما دخلت على الشيخ قال رضي الله عنه : لا تطالبوا الشيخ بأن تكونوا في خاطره ، بل طالبوا أنفسكم أن يكون الشيخ في خاطركم . فعلى مقدار ما يكون عندكم تكونوا عنده” .
ولهذا فمن شرط المريد للاستفادة المستمرة من شيخه أن يرى ” روحانية شيخه متصلة به لا ينحجب عنه شيخه لاتصال روحه بمريد آخر،بل روحانية الشيخ تمد مريديه كلهم ، ولو كانوا مائة ألف ألف مثلا” .
فهذا التواصل بين المريد والشيخ قد يؤدي إلى تشخيص صوري، ربما يصل إلى درجة التشخيص الشبحي على مستوى الرؤية الخارجية أو السماع التنبيهي لتفادي خطر ما، أو العمل بمبدأ ما …
كما أن هذا التواصل قد يكون شعوريا، ولا يعمل عمله إلا فيما بعد ،باختزانه في الباطن إلى حين ورود وقت الاستفادة منه . وهذا ما يمكن التعبير عنه بالمراجعة الشعورية وغير الشعورية بين الشيخ والمريد. وفي هذا يقول ابن عطاء الله السكندري، حكاية عن شيخه أبي العباس المرسي :” وربما أحضر الله بفكرك شيخك الذي خاطبك به بهيئته وزيه ، وربما تمثل ذلك في الخيال المنفصل ، وربما حضر بوجوده الحسي عند وجود النوازل مثبتا للمريد ومعلما. وسمعته رضي الله عنه يقول :” ما سمعتموه مني ففهمتموه ، فاستودعوه الله يرده عليكم وقت الحاجة . وما لم تفهموه فكلوه إلى الله يتولى الله بيانه. فكلام الأكابر مردود على المريدين وقت حاجتهم، فيظن المريد أنه ما أخذ ولقد أخذ. ولكن للحكمة بذر ونبات ووقت البذر غير وقت النبات ،وقد يبدو فيك بذر الحكمة ويبقى النبات موقوفا على مجيء سحابة ماطرة . فإذا جاءت أظهرت من الأرض ما كان فيها كامنا. فتبقى الودائع مطوية في العباد حتى مجيء أوقاتها” .
وهذا النص لا يحتاج إلى زيادة تعقيب أو إيضاح فيما يخص إشارته وتضمنه لموضوع الشعوري وغير الشعوري من إدراك الإنسان وحصر الشعوري في غير الشعوري من باطنه حتى يأتي الظرف المناسب لاستخراجه ،إما بالتحليل وإشارة الشيخ وإما بالمناسبة الزمانية والمكانية التي يصلح فيها توظيف ذلك المعنى المختفي في الباطن على مستوى الظاهر.
ولهذا الإمكان الذي يجمع بين الواقعي والذهني في تحقيق التواصل ،الذي يمثل القناة المعرفية المتحركة ، فقد يطلب من المريد أن يجد في تحقيق الاندماج الذاتي بينه وبين الشيخ على مستوى الأرواح حتى يتم نقل المعرفة إليه بصورة كلية ، وبذلك فسيعرف المريد نفسه من خلال معرفته بأستاذه . وفي هذا كان يقول أبو العباس المرسي :” اعمل أيها المريد على أن تتحد بشيخك ، فيكون ما عنده من المعارف عندك على حد سواء، ويكون تميزه عليك إنما هو بالإضافة لا غير” .
لكن الاجتهاد في تحصيل هذا المستوى قد يكون من طرف المريد وتقديره لمستوى شيخه وتفوقه المعرفي مع التسليم المبدئي – كما سبق وبيناه – لما يشير به أو يحث عليه لتحصيل معرفة النفس .
ومن هنا فكما يقول علي بن وفا: ” لا تطلب أيها المريد أن تحصر شيخك في سجن قيودك وحدودك . فإنك إن لم تعرف أنه محيط بك فأنت تعرف أنه أكبر منك مقاما. وكيف ينحصر لك الأكبر الأوسع في الأصغر الأضيق : فشأن المريد أن يكون تحت طاعة أستاذه ، لا أن يطلب من أستاذه أن يطيعه ” .

ومنهذا التفوق الروحي المسلم به من طرف المريد فسيكون التواصل بين الشيخ والمريد أقرب إلى الإمكان ، وخاصة من جانب الشيخ الذي يكون في مقام الإرشاد والتوجيه والوقاية من المهالك ، كما عبر ابن عاشر في منظومته .
وقريبا من هذا التواصل بهذه الصورة التوجيهية فقد توجد له نماذج في حياة الصحابة ، ربما بلغت إلى حد التواتر، وخاصة عند قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : يا سارية الجبل ، وسارية بأقصى العراق . فسمع سارية صوته،وكان قد أطلعه الله على سارية وقد أحاط به العدو وأمره بالانحياز إلى الجبل ، فانحاز هو والجيش الذي كان معه ، فانتصروا وظفروا. وكان قد ذلك وهو في أثناء خطبته على المنبر، فترك الخطبة . وقال : يا سارية الجبل !وعاد إلى خطبته . فجاء بعض الصحابة إلى علي رضي الله عنه ، فقالوا له : بينما عمر اليوم يخطب إذ ترك خطبته وقال : يا سارية الجبل ، ثم عاد إلى خطبته . فقال علي : ويحكم دعوا عمر، فإنه ما دخل في شيء إلا كان له المخرج منه . فبعد ذلك قدم سارية وأخبر عن ذلك اليوم أنه سمع نداء عمر في الوقت الذي نادى فيه عمر” .
وهذه الحادثة سواء اعتبرت كرامة أو كشفا أو ما إلى ذلك إلا أنها تمثل خبرا واقعيا يؤكد مبدأ التواصل الروحي بين الشيخ والمريد بحسب الشروط اللازم توفرها في تحقيقه .
وهذا النوع من التواصل عن بعد، أو ما يعبر عنه حديثا في معنى قريب نسبيا من حيث الشكل بالشعور عن بعد (التلباثي) ، قد يستعمل عند الصوفية في بعض الأحوال التي إما أن يكون المريد فيها مسافرا فيبتعد بذلك عن التواصل المباشر بينه وبين شيخه . وهذا فيه أخبار كثيرة قد يوجه فيها الشيخ مريده ، أو أن المريد يسمع هواتف تنبهه لما هو فيه من الغفلة أو النسيان ، أو ما إلى ذلك .
وإما أن يكون المريد في حالة عزلة صحية -إن صح التعبير- وهي المعبر عنها بالخلوة .
وللخلوة شروط من بينها كما يقول ابن عربي :” لا تدخل خلوتك حتى تعرف أين مقامك وقوتك من سلطان الوهم ، فإن كان وهمك حاكما عليك فلا سبيل إلى الخلوة ، إلا على يدي شيخ مميز عارف ” .
ويقول إبراهيم الدسوقي أحد شيوخ الصوفية :” لا تفيد الخلوة إلا إذا كانت بإشارة شيخ ، وإنما فسادها أكثر من صلاحها” .
وعن دور الشيخ في الحفاظ على التوازن النفسي للمريد وانضباطه في الخلوة حتى يتم له مراده يقول أحد الشيوخ الصوفية :” كنت في خلوة مواظب الذكر، فجاء اللعين وأكثر علي الحيل ليشوش الخلوة والذكر. فظهر في يد سيف الهمة مكتوب عليه من دبابته إلى قبضته ” الله الله ” فكنت أتقي به الخواطر الشاغلة عن الله تعالى. فخطر بقلبي أن أصنف كتابا في الخلوة أسميه :حبل الوريد على المريد. فقلت: لا يكون إلا بإذن الشيخ فشاورته بالغيب ، فسمعت كلامه لضجة رابطة بيننا: أن هذا خاطر الشيطان يصادفك في الخلوة ليشغلك عن الحق ويخلطه عليك ، فانتبهت وانتهيت . فإذا خطر ببالك خاطر شاور الشيخ واعمل بقوله ، ما لم تصل إلى الذوق . فإذا وصلت ذقت الخاطر فعرفته من عينه . وكان يقول :” المريد لا يخلو أمر دفين مذموم في باطنه (وهذا إشارة إلى حالة غير شعورية !) والشيخ لا يقدر على قلعه إلا بواسطة الخلوة ” .
والخلوة غايتها ابتداء هي معرفة النفس والتخلص من أمراضها، ثم بعد ذلك الخروج منها بعدما يرى الشيخ بأن المريد قد وصل إلى النتيجة المرجوة من علاجه . وحول تحديد هذه الغاية يقول السهروردي :” وقد غلط في طريق الخلوة والأربعينية قوم ، وحرفوا الكلم عن مواضعه ، ودخل عليهم الشيطان وفتح عليهم بابا من الغرور، ودخلوا الخلوة على غير أصل مستقيم من تأدية حق الخلوة بالإخلاص ، وسمعوا أن المشايخ والصوفية كانت لهم خلوات ، وظهرت لهم وقائع ، وكوشفوا بغرائب وعجائب . فدخلوا الخلوة لطلب ذلك ، وهذا عين الاعتلال ومحض الضلال . وإنما القوم اختاروا الخلوة والوحدة لسلامة الدين وتفقد أحوال النفس ، وإخلاص العمل لله تعالى” .
ولهذا فقد كانت الخلوة إحدى الوسائل المنهجية الاستثنائية في معرفة النفس عند الصوفية ، والتي كما قلنا تتم بإشارة من الشيخ ،على اعتباره طبيبا نفسيا مطلعا على عورات نفس المريد ورعوناتها، مما سيجعله يصف له هذه الوصفة بحسب الاقتضاء، مع مراعاة تحصيل التواصل الروحي عن طريق الاستحضار الذهني إما بشكل مستمر أو عند الضرورة ، كما سبق ورأينا.
إن الاستحضار الذهني سواء عند الخلوة أو بدونها، كما سبق ووعدت بالتعقيب عليه ، قد يبدو دقيقا جدا، وله محاذيره وسلبياته إن هو تعدى حدود المشروع والمعقول أيضا. إذ أنه كما وصفه الشعراني ليس مجرد استحضار عابر أو تذكر في الخاطر بحسب المناسبة ، أو كرامة استثنائية كما في قصة “يا سارية الجبل “. بل إنه قد يقتضي المداومة على هذا التركيز، وإتعاب المخيلة في استحضار شخصية الشيخ على وجهها الحقيقي وصفاء الصورة . وهذا مما يستعصي على الضبط التام ، قد يؤدي إلى اضطراب خيالي بسبب مطاردة الأخيلة المتزاحمة مع صورة الشيخ ، ربما قد تتولد معها توترات عصبية بسبب هذا التفلت غير الإرادي لصورة الشيخ من المخيلة . لأن من طبيعتها أن لا تستقر على خيال واحد بعينه ، وإنما هي دائبة الجولان كشريط سينمائي متحرك ، ولهذا فقد سميت السينما تعريبا بالخيالة ، لأنها عبارة عن توارد الخيالات على شاشتها قد توهم الرائي بالشبحية والحركية الحقيقية .
ونظرا لتعقد هذا الموضوع الذي يعتبر من نوادر الفكر الصوفي ،بحيث لا نكاد نعثر عليه إلا لدى بعض المتأخرين من الصوفية ، كما هو عند الشعراني فإنني سأبدي وجهة نظر متواضعة من حيث الإشارة إلى السلبيات المحتملة لهذه الوسيلة التواصلية ، أعرضها في النقاط التالية :
أ- إن حصر المخيلة في التركيز على شبح معين ومحدود قد يؤدي إلى تضييق سعة الفكر عند المريد وانحساره عن التأمل العميق والمفصل في باقي الكائنات ، من حيث إدراك جواهرها ومنافعها والغاية من خلقها ،للدلالة على الخالق سبحانه وتعالىوالتقرب إليه من أجل زيادة الإيمان وتحصيل اليقين، واطمئنان القلب إليها، وذلك بالرغم مما قيل من أن هذه العملية قد تجعل المريد مقتبسا من شيخه ما لديه من سعة العلوم وطراوتها. وهذا إن كان ممكنا إلا أنه قد يبقى محصورا في إطار الظنية والترقب غير المضمون للتحصيل المعرفي، بل ربما سيصبح وهميا ورهينا بالحالة النفسية للشيخ والمريد على حد سواء!.
ب – إن ارتباط هذه العملية بالعبادة أثناء الممارسة ، ربما قد تؤدي إلى خلل عقدي وتشويش . إذ كيف يمكن التوفيق بين إخلاء القلب عما سوى الله تعالى وشغل المخيلة بشبح ضيق وقار مهيمن عليها. فمن المحتمل أنه إذا لم تضبط العملية ضبطا عمليا وعقديا أن تؤدي إلى توهم المريد القداسة في شيخه لحد اعتبار الحلول أو الاتحاد فيه ، لأنه لم يعد يرى سواه عند ذلك. فتضيق إشارته حتى ينعت شيخه بمضمون ذكره أو لفظه انزلاقا واختراقا للحد الذي أشار إليه الشعراني، وهو الفصل بين وضع المخيلة ووضع القلب عند الذكر. وهذا قد يصعب الالتزام به ، وخاصة إذا كان المريد غير ذي علم وذا عقيدة سطحية وإفراط في تقديس شيخه . كما أن قول الشعراني :” لولا أن للشيخ مدخلا عظيما في تأديب المريد ما ساغ للمريد أن يخيل شخصه بين عينيه لا في قلبه “،قد يعبر عن قلق من هذه العملية التي لم يرد بها نص صريح أو قطعي الدلالة عليها في الكتاب والسنة كما يبدو ظاهرا من حيث العبارة ، خاصة وأنها مرتبطة بالعقيدة والعبادة ، لا بمجرد رياضة النفس أو التعود السلوكي. إذ الحواس منافذ للقلب وشاغلة له بحسب تعلقها به و معطياتها الخارجية . والألفة بين القلب والحواس لهذا التعلق قائمة وقابلة لكي تصبح راسخة بالتكرار، كما يقول الشاعر:
ألم تر أن العين للقلب رائد فما تألف العينان فالقلب آلف
ج – إن ممارسة تخيل صورة الشيخ على سبيل المداومة قد يؤدي إلى اكتساب العادة المتحكمة في النفس رسوخا مما سيعسر معها تغييرها فجأة ، لأن ذلك قد يكون بمثابة نزع الروح أو قلع عضو من جذوره ، ومن يدري؟ فقد يتوفى الشيخ قبل تحصل المريد على مراده ، وهذا أمر واقع لا محالة فيبقى المريد سجين شيخ ميت ، أو قد يلجأ إلى صحبة شيخ آخر يبتدئ معه التركيز الذهني من جديد ،مما سيتعب معه مخيلته ويؤثر عليها سلبا بالتكلف المضني وبسبب المتدافع بين الخيال المترسخ بالعادة في الماضي والخيال البديل في الحاضر، فلا يستقر حينئذ خياله على وضع سليم ، بل الحنين إلى الخيال الماضي قد يحول بينه وبين التركيز على الخيال الحاضر، كما تحن المرأة إلى الزوج الأول الذي ألفته ومات عنها بالرغم من زواجها بالآخر، فيعيش صورة من القلق قد كان في غنى عنها، خاصة وهو يريد معرفة النفس وتصفيتها من الوساوس المشوشة عليها.
ومن هنا فيبقى أن التواصل المباشر هو الأكثر فاعلية وتقبلا من الناحية الشرعية ، ومن الناحية العقلية والممارسة الميدانية . أما التواصل غير المباشر بالاستحضار الذهني المستمر فقد يبدو مقلقا وتتخلله محاذير، كما بينا في هذه العجالة . بل لو رجعنا إلى حديث حنظلة كأصل شرعي لمناهج معرفة النفس في الفكر الإسلامي، لوجدنا الإشارة إلى صعوبة الالتزام الخيالي، والدلالة على ضعف هذا المسلك ، بل استبداله بالوسيلة الممكنة لضمان استمرارية الشعور وانطباعه على حاله الأول ، وخاصة حينما قال الرسول عليه الصلاة والسلام :” لو كنتم تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة.ثلاث مرات “.إذ في هذه الفقرة من الحديث دليل على صعوبة الاحتفاظ بنفس الدرجة من القابلية للتلقي الإيحائي أو الشعور بالمراجعة إلا بشرط مداومة الحضور المباشر. وهذا عسر تحقيقه نظرا لطبيعة البشر في التقلب بين التقارب والتباعد على مستوى الأشباح والأرواح ، أو بشرط الذكر المتواصل . وهذا أيضا قد يحتاج إلى تعود وممارسة مستمرة لا يعتريها فتور، وهو ما سنراه في حينه كأحد أهم عناصر المنهج الصوفي في معرفة النفس .
وإذا كان هذا الشعور خاصا بالرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته ورغم ذلك فقد عرفوا فتورا نسبيا في شحنته بمجرد التباعد النسبي بينهم وبين الرؤية المباشرة لشخص النبي صلى الله عليه وسلم . وبما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان حريصا على إمداد صحابته بكل ما يلزمهم من خصاص معرفي وسلوكي فقد كان من المفروض أو المحتمل أن يدلهم على مداومة التواصل معه ذهنيا بتصور شخصه صلى الله عليه وسلم عند العبادة ، وخاصة في الذكر لتحقيق استمرارية الشعور الذي تحصلوا عليه بحضرته صلى الله عليه وسلم ، لأنه مذكر بالله في كل أحواله وأقواله وأفعاله ،لكنه مع ذلك لم يفعل بحسب ما توفر لدينا من نصوص . لكن كأن ينشغل المريد بشيخه انشغال التلميذ بالأستاذ على سبيل تذكر تلقيناته وتوجيهاته وإضمار المحبة له دون إدراج هذا التذكر قصدا ومداومة في صلب العبادة وحصر المخيلة أثناءها في شبح معين فإن هذا النوع من الانشغال قد يبدو مقبولا وفيه تأدب من المريد نحو شيخه . أما إذا أصبح التركيز على سبيل القصد والحصر الخيالي، فإذاك يكون مثار القلق والمحاذير إذا لم يفهم على وجهه الصحيح ، ولم تدرك الغاية منه ، والتي من أهدافها الحيلولة دون التشتت الذهني للمريد أثناء ممارسته للذكر بسبب ما يتعرض له من سرحان في دروب الخيال بغير إرادته مما سيضعف تحصيل التواصل الذهني بينه وبين شيخه والاستفادة من معارفه .
وحينما أقول بالقصد، فإنني قد أميز بين الخيال الطارئ بغير إرادة ، أو بإرادة حنينية وعابرة فقط ، وبين الخيال بإرادة مركزة ومستديمة . إذ الأول وارد لا محالة مهما حاول الإنسان أن يدفعه عنه ، لأنه من طبيعته وتكوينه النفسي، حتى إننا قد نجد اعترافا من طرف كبار الصحابة بذلك ، كعمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما قال ما مفاده “إني لأحسب جزية البحرين وأنا في الصلاة “كما في الصحيح.
وهذا النوع من الانشغال الخيالي أو الذهني لا أثر له على العقيدة أو الخشوع في العبادة مادام التوجه الأولي قد كان على نية التجرد لله تعالى والاعتقاد فيه تنزيها وتقديسا.
أما الخيال المشخص لشبح ما وبإرادة مركزة وخاصة أثناء ممارسة العبادة لله تعالى فهذا ما ينبغي الاحتياط فيه والحذر من انزلاقاته ، كما سبق وبينا بعض احتمالاتها النظرية ، لكن مه كل هذا قد يبقى أن تشخيص شبح الشيخ باعتباره دالا على الله ومذكرا به، وبالتالي ضابطا للخيال عن الشرود والسرحان في وديان الأماني والأهواء مستساغا نسبيا، ولا يفهم حسب المقياس الصوفي إلا بالذوق والتجربة !. كما يمكن أن يعتبر جوازه شرعا بالاستناد على بعض النصوص الظنية الدلالة أو الظنية الثبوت كحديث الولي الذي رواه البخاري عن أبي هريرة وهذا الحديث الذي رواه الامام أحمد وابن ماجه عن أسماء بنت يزيد بن السكن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :” ألا أخبركم بخياركم قالوا بلى يا رسول الله : قال : الذين إذا رأوا ذكر الله عز وجل ” الحديث .

   أستاذ   بكلية  الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الأول بوجدة*

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...