حوار مع الدكتور نبيل العياشي متخصص في الهجرة والتنمية الترابية

إيطاليا تلغراف

 

حوار أجراه سليم لواحي 

1- نبذة عن المسار التعليمي للدكتور نبيل العياشي …
حاصل على الدكتوراه في الجغرافيا البشرية و متخصص في الهجرة والتنمية الترابية، حيث اشتغل في أطروحته على موضوع عودة المهاجرين إلى المغرب تحت ضغط الأزمة العالمية 2008: التحديات، الرهانات، والانعكاسات من خلال الحوضين الهجرويين لخريبكة ومراكش، والتي حصل من خلالها على تمويل من المركز الوطني للبحث العلمي والتقني بالرباط (CNRST).
تجدر الإشارة إلى أن الدكتور نبيل العياشي كان من المشاركين في مشروع المفوضية الأوروبية- البرنامج الإطاري السابع برنامج تبادل الباحثين الدوليين- ماري كيري العمليات المتغيرة في البحر الأبيض المتوسط: التغيرات العالمية، الشبكات، وفتح الحدود MEDCHANGE))، بجامعتي جنوة وبينيفينتو بإيطاليا، كما يعد من المشاركين في مشروع إعادة ادماج المهاجرين العائدين بجهة بني ملال- خنيفرة الممول من قبل المركز الوطني للبحث العلمي والتقني بالرباط (CNRST) في إطار برنامج ابن خلدون، وله العديد من المقالات العلمية والمداخلات الوطنية والدولية في هذا الإطار.
2- موضوع الهجرة موضوع متشابك من حيث المفاهيم، النظريات، والمقاربات، كيف جعلت منه موضوع بحث للدكتوراة ؟
مما لاشك فيه أن موضوع أو بالأحرى ظاهرة الهجرة، من المواضيع أو الظواهر الإنسانية الضاربة في القدم، إذ وجدت وما زالت توجد في كل زمان ومكان، وقد أثارت وما تزال تثير انتباه مجموعة من الباحثين والمتخصصين، سواء في حقل العلوم الإنسانية، الاجتماعية، و الاقتصادية.
وفي هذا الإطار، فاختيارنا الاشتغال على موضوع الهجرة الدولية عامة، هجرة العودة خاصة، بسلك الدكتوراة لم يكن اعتباطيا أو مجانيا بل كان نابعا من خلفيات ومرجعيات، تتحكم فيها دوافع علمية موضوعية؛ تتجلى في استعمال محددات نظرية ومقاربات فكرية تجديدية تنهل من زوايا و تخصصات علمية متنوعة (الجغرافيا، علم الاقتصاد، علم الاجتماع)، و كذا من خلال تبني جهاز مفاهيمي يؤسس للهجرة الدولية، ولا سيما هجرة العودة كمفهوم حديث، و في نفس الوقت يحدث تواصلا مع مفاهيم أخرى.
و أخرى ذاتية؛ ترتبط أساسا بتعميق الموضوع المدروس من خلال الاهتمام بإشكالية المهاجرين العائدين، لبلوغ اقتراحات علمية كفيلة بإيجاد حلول للإشكالية المدروسة من جهة، وكسب رهان أول أطروحة في حقل الجغرافيا تعالج ظاهرة عودة المهاجرين المغاربة، ولا سيما بحوضين هجرويين حديثين (خريبكة ومراكش) من جهة أخرى، انطلاقا من معطيات ميدانية صرفة.
3- ما مدى تجليات أو انعكاسات تيارات المهاجرين على الحوضين الهجرويين لخريبكة و مراكش ؟
سؤال وجيه، و الإجابة عليه ترتبط بنتائج البحث الميداني الذي قمنا به، والتي كشفت أن عودة المهاجرين إلى المجالات الأصلية، و لا سيما إلى مدينتي خريبكة ومراكش كانت لها انعكاسات مجالية وسوسيواقتصادية متفردة ومتميزة عن باقي تيارات المهاجرين العائدين الأخرى.
هذا وقد ثبت فعليا أن عودة المهاجرين إلى مدينتي خريبكة ومراكش قد أدت إلى تباين إعادة تشكيل المجالات الترابية؛ فبلدان الأصل تتعرض إلى عملية إعادة توزيع ايجابية، فيما تعرف بلدان الاستقبال عملية إعادة توزيع سلبية، حيث كشف تحليلنا للمعطيات الميدانية، أن مدينة خريبكة تعد حوضا هجرويا يرتبط ببلدان استقبال حديثة، كإيطاليا واسبانيا بنسبة93.3%، في حين تعتبر مدينة مراكش حوضا هجرويا انتقاليا من بلدان استقبال تقليدية كفرنسا، ألمانيا بنسبة 46%، إلى بلدان استقبال حديثة كإيطاليا و اسبانيا بنسبة 40.7%، على الرغم من كون نسبة المهاجرين العائدين من الأولى تبقى مرتفعة، و عموما فقد كانت لظاهرة هجرة العودة انعكاسات مجالية على مدينتي خريبكة و مراكش، إذ ساهمت في بروز بنية حضرية جديدة داخل الأولى، و في التوسع الحضري الذي عرفته الثانية، انطلاقا من تسعينيات القرن الماضي.
كما خلفت تيارات عودة المهاجرين إلى خريبكة ومراكش انعكاسات اقتصادية، ارتبطت أساسا باستمرار الارتباط بالقطاعين التجاري و الخدماتي على المهنة الممارسة ببلد الأصل وكذا هيمنة قطاعات العقار، التجارة والخدمات على استثماراتهم، حيث ساهمت عودتهم في تنشيط السوق العقارية بكلتا المدينتين، كما شكلت محركا أساسيا في قطاعي التجارة والخدمات، بل وتتطابق كثيرا والبنية الحضرية التي أفرزتها داخل مدينة خريبكة، وكذا التي ساهمت في توسعها داخل مدينة مراكش.
4- ما طبيعة التحديات التي تواجهها السياسة الهجروية المغربية، ولاسيما في شقها المرتبط بعودة المهاجرين؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بد أن نسجل بعض التطور على هذا مستوى السياسة الهجروية للمغرب خصوصا بعد اعتماد مقاربة جديدة للهجرة و التي أطرت مجال الهجرة الدولية، لضمان استمرار علاقة المهاجرين بوطنهم الأصل، و ذلك من خلال الرفع من شبكة القنصليات المغربية الموجودة بدول الاستقبال، و تأسيس العديد من الجمعيات، و كذا وداديات العمال و التجار المغاربة بالخارج، كما يتم العمل على تنظيم معارض سنوية من قبل مجموعة « Smap » و غيرها…
أضف إلى هذا تبني الدولة لمجموعة من المبادرات و الإجراءات، كبرنامج (FINCOME) الذي يهدف إلى تعزيز مساهمة الكفاءات المغربية في سيرورة التنمية، وكذا المبادرة الحديثة (MAGHRIBCOM) التي تستهدف إقامة شراكات مربحة بين المشغلين الاقتصاديين، الجامعات، و مؤسسات البحث العلمي، و بين الكفاءات المغربية في العالم، سواء بشكل مؤقت أو دائم.
أعود لسؤالك المطروح لأقول أن السياسة الهجروية المغربية تواجهها العديد من التحديات، و التي نميز بين التحديات الداخلية المرتبطة بالجانب المؤسساتي، أو بمن يشرف على مجال الهجرة مؤسساتيا؛ حيث يتضح أنه ما زال يعرف نوعا من الغموض واللبس،حتى أننا لا ندرك من هو الجهاز الوصي على قطاع الهجرة بالمغرب.

هل هي الوزارة المنتدبة لدى وزارة الخارجية المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج و شؤون الهجرة؟

أم هو مجلس الجالية المغربية بالخارج؟

أم هي مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج؟

أم هي وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي، أم هي وزارة الداخلية…؟.

الشيء الذي يؤثر لا محالة على مستوى و نوعية الخدمة المقدمة للمهاجرين و على تقييم هؤلاء لأداء هذه المؤسسات.
علما أن الملك محمد السادس كان قد انتقد هذا الغموض، منذ سنة 2007 بمناسبة خطابه في ذكرى المسيرة الخضراء، من خلال دعوته إلى”(…) إعادة التفكير العقلاني والمراجعة الجذرية لسياسة الهجرة باعتماد إستراتيجية شمولية تضع حدا لتداخل الأدوار وتعدد الأجهزة (…)”.
ثالثا، تحدي إعادة ادماج المهاجرين العائدين بشكل اضطراري من بلدان استقبال حديثة تأثرت كثيرا بتداعيات الأزمة الاقتصادية لسنة 2008، الشيء الذي يطرح صعوبات على مستوى إعادة ادماجهم مهنيا، و كذا إعادة ادماج أطفالهم في المؤسسات التعليمية، خاصة العائدين من ايطاليا واسبانيا.
كما تواجه السياسة الهجروية المغربية تحديات خارجية، يرتكز على تحدي السياق السياسي الدولي؛ والمتمثل في حدوث تحول في نمط تفكير المجتمعات الأوروبية، حيث تصاعدت التيارات و الأحزاب اليمينية المتطرفة المنادية بطرد المهاجرين ( حزب رابطة الشمال الإيطالية، حزب الفوكس الاسباني، حزب الحرية الهولندي، الجبهة الوطنية بفرنسا، حزب البديل من أجل ألمانيا…)، بل و تحميلهم مسؤولية المشاكل الاجتماعية التي تعرفها أوروبا (البطالة، ارتفاع الجريمة، و سلوكات الانحراف…). في مقابل التغيرات و التحولات السياسية التي تشهدها البلدان العربية و الإسلامية، المتسمة أيضا بظهور تيارات إسلاموية متطرفة (داعش نموذجا)، و كذا تعقد الأزمة السورية و الليبية، أمام تصاعد تيارات المهاجرين منها، سواء طالبي اللجوء إلى البلدان الأوروبية، أو العائدين منها إلى بلدانهم الأصلية. رغم بعدها فهذه المشاكل تؤثر على سياسة الهجرة بالمغرب، من جانب أمني و سياسي، لا من حيث التعامل مع العائدين من ليبيا و سوريا، ولا من حيث تأثير إغلاق معبر ليبيا- ايطاليا على الهجرة غير الشرعية المتوجهة من المغرب إلى اسبانيا.
و استشرافا لما سبق، اعتقد أن الاهتمامات العلمية المستقبلية المرتبطة بظاهرة الهجرة الدولية، ينبغي أن تركز على ما يسمى بالهجرة عبر الوطنية أو ما يعرف أيضا بالهجرة الدائرية؛ التي تتجاوز مفهوم هجرة العودة، لكونها تراهن على تحفيز المهاجرين على الاستقرار في بلد الأصل لمدة زمنية طويلة نسبيا من السنة، ثم الاستقرار أيضا في بلد الاستقبال لمدة زمنية أخرى، الشيء الذي يجعل المهاجرين يعيشون بين عالمين، ينسجون علاقات و شبكات اجتماعية و ثقافية، و كذا روابط اقتصادية تعزز من إمكانية إحداث تواصل مجالي بين بلد الانطلاق و بلد الوصول، سيما و أن سياق المفاوضات الثنائية و المتعددة الأطراف في مجال الهجرة قد عرفت تغيرات كثيرة، و أصبحت متداخلة مع التحولات السياسية و الاقتصادية الدولية و الوطنية، الشيء الذي يجعل الظاهرة الهجروية في المستقبل أكثر تعقيدا.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...