إن بعد العٌسر يسرا

إيطاليا تلغراف

 

بقلم: الدكتور سعيد بن الشيخ

سُئِل أعرابي يوما – والأعراب قديما لهم من الحكمة والمروءة والفضل والكرم ما تعجز الأقلام عن وصفه – قِيل له كيف عرفت الله؟ فأجاب: سبحان الله البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج وبحار ذات أمواج وأرض ذات فجاج، ألا تدل على اللطيف الخبير؟ هذا الأعرابي مثله مثل أم معبد، تلك الأعرابية التي كانت تقطن الصحراء وقد وصفت سيد الخلق صلى الله عليه وسلم آنذاك وصفا عجيبا، بلغة عربية فصيحة حينما مر بخيمتها وأصحابه مهاجرين من مكة إلى المدينة كما أمره الله تعالى بعيداعن كل أشكال التنكيل الذي مورس عليه من طرف قريش وبطشهم، فالأول عرف الله بطريقته وأم معبد تفننت في وصف الحبيب. ونحن في الآن الحاضر ألا نستطيع أن نقول أن عجز كل الأمم مهما بلغت من الرقي والحضارة والتقدم التكنولوجي والصناعي وغيره يعود إلى اللطيف الخبير ليعودوا إليه؟

لا زلنا نخوض في وباء كورونا الذي اجتاح العالم في أيام قلائل، وخلف ما خلف من الآثار ولا يزال، على المستوى الاقتصادي والاجتماعي بالخصوص، ليس هذا هو موضوع المقال اليوم على اننا سنعطيه حقه لا محالة، ولكن محور هذه المشاركة يتعلق بنا نحن المسلمون، إذ علينا ان نٌرْجع أي أمر وقع إلى المرجعية التي ننتمي إليها، ومرجعيتنا كما يعلم الصالح والطالح هي دين الرحمة للعالمين، دين الاسلام الذي حصل لنا الشرف بالانتماء إليه.

ذلك ان الله عز وجل عندما يريد أن يرد إليه عباده ويُقوّم الإعوجاج الذي اصابهم، أو سميه الإنحراف الذي أصبحوا عليه بعد صبر يضرهم لينفعهم، ومن تم كان إسمه ” الضار النافع “

حصل هذا الأمر بشكل كبير مع قوم بني إسرائيل ونبيهم سيدنا موسى عليه السلام، كلما جاءهم بآية كفروا بها فابتلاهم الله عز وجل بأمور كثيرة نذكر بعضها على سبيل التذكير فقط، قال تعالى في القرآن الكريم:” وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والْجَرادَ والْقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ 133″ سورة الأعراف: الآية 132/133.

كذلك الحال في هذه الأيام فقد اكتسح الكرونا كل الدول الإسلامية وابتلاهم كما ابتلى غيرهم، لكن والحالة هذه ما السبيل؟ وكيف تكون النجاة من الوباء؟ وقد أغلقت المساجد والدكاكين والمعامل واحتجز أكثر من خمسة ملايير إنسان في منازلهم تطبيقا لإجراءات الحجر الصحي الذي فرضته سلطات الدول على المواطنين حتى لا يتفشى الوباء.

كما سبق القول وبالعودة لمرجعيتنا نجد الأجوبة الشافية الكافية من عند الرحيم نزلت منذ ما يناهز 1441 سنة ويزيد، إذ كلما انكسرت وتوجعت وتألمت وحوصرت وحل بك الوباء أو المصيبة، وبعد الأخذ بالأسباب – اعقلها وتوكل – فلا ملجأ لك إلا الله، وهو القائل جل في علاه في الفرقان في أكثر من موضع:

“وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ” سورة الأعراف (94)، وكذلك في سورة الأنعام حين قال”وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42)فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُون”. (43)، وفي سورة المؤمنون قال سبحانه وتعالى:” وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76).

إن الحل الذي أوصانا خالق الكون بما فيه إنسهم وجنهم عندما يحل الوباء فهو الاستكانة إلى الله، والخضوع لطاعته، فربنا قريب يجيب دعوة الداع إذا دعاه. الكرونا عندما حل بهذا العالم أكيد له أسباب عديدة يمكن القول إجمالا أنها تتجلى في البعد عن المنهج الرباني السمح في الحياة كلها.

إن حال المسلمين مبكي ومحزن في آن، ظلم، حكرة، قهر، فساد إداري وأخلاقي وسياسي، جهل، ربا، غش في الميزان والسلع، انتهاك أعراض…. كل أنواع المساوئ المذكورة في كتاب الله وسنة رسوله تنخر المجتمعات الإسلامية إلا من رحم الله.

إن الخروج من ضيق البأساء والضراء الذي نعيشه اليوم سيرفعه الله بإذنه إن شاء وحين يشاء بعد أن نتضرع ونتوب وندعو الله ليل نهار ليرفع البلاء، فكرونا مفعول ضرها للإنسان بيد الله كما كان مفعول السكين التي لم تذبح سيدنا إسماعيل بيد الله، ولا النار أحرقت سيدنا إبراهيم لأن مفعولها كان بيد الله إذ قال: “قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ” سورة الأنبياء 69

خلاصة الخلاصات، لنثق في ربنا عز وجل ونعود إليه، نادمين، متضرعين، تائبين مستغفرين، ثم أكيد أن الفرج سيكون من عنده قريب إن شاء الله وسيزيح الله الغمة التي جعلت الناس في العالم سواسي لأول مرة في التاريخ على ما أعتقد داخل ما يسمى بالحجر الصحي الذي تحدث عنه سيد الخلق أكثر من 1441 سنة.

عودوا إلى ربكم توبوا إليه وإن بعد العسر يسرا.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...
Global site tag (gtag.js) - Google Analytics