الحبيب ناصري
عشت حتى كنت شاهدا على نفسي، أن النادل قال لي حينما دخلت إلى المقهى: أستاذ تريد الجرائد ؟. قلت له وبسرعة : لا . شكرا الله يرحم والديك. من يصدق أنني كنت في أواخر السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، أتردد على المقاهي، خصيصا لقراءة الجرائد. بل كنت”أفليها”، وأنسى في كثير من الحالات تناول قهوتي أو براد الشاي المنعنع. بكل تأكيد عصر آخر نعيشه. كل شيء أصبح في هواتفنا المحمولة . عشت حتى رأيت أن عدد من يقرأ و”يفلي” صفحتي الفايسبوكية، أكثر من عدد قراء جريدة ورقية. في المقهى، كانت الجرائد تدور وتتداول بين الأيدي، كما تدور الكأس بين الندامى في الحانة. لا أخرج من المقهى إلا بعد قراءة جرائدنا التي تمثلنا. طبعا في ذاك الزمن كنت لا أقترب من جرائد، كنا، نعتقد أنها يمينية وتروج لأصحاب الحال والمال والمآل!!. كنا نركز على تلك ذات البعد اليساري التاريخي..!. ها أنا حي أرزق.. وأشهد على نفسي أن يسار”نا” لم يبق منه غير القليل من القليل .. بينما ما كان يسمى في زمنه يسارا.. أصبح في مربع اللا يسار .. اختلطت الأوراق..!. سقط جدار برلين .. ومات ماركس وستالين ولينين وماو وعبد الرحيم بوعبيد وبن سعيد إيدر وعبدالرحمان اليوسفي وعلي يعتة، وغيرهم الذين كانوا رموزا تاريخية “رهيبة”!. سألت ذات يوم طلبتي، في دردشة خفيفة، خارج حصة الدرس ، عن أحزابنا السياسية، وعن تاريخها، ورموزها الوطنية، وكتابها .. وجدتهم خارج معرفة العديد من التفاصيل .. نحن اليوم، في عولمة تعولم الحياة و”تقولب” الذوق والذاكرة .. لكن التاريخ يبقى شاهدا على تفاصيل تاريخية عديدة غنية وخصبة وتغني وتبهج الروح..!. طبعا ليس من السهل أن نبقى ضمن دائرة حلم زمن الرفاق!. فمرجعياتنا الغربية السوفياتية وغيرها فككت.. وبدورها دخلت إلى زمن الرقميات وغيرها.. لكن على الأقل على الأجيال الجديدة أن تعرف أن وطنها معطاء، ودافع العديد من رموزه الوطنية عن حدوده وتاريخه وثقافته.. بل فيهم من ارتدى حلة السجن .. وراح وفي حسابه البنكي بضعة دريهمات.. لم يكن قط قصده من السياسة جمع الثروة.. بل كان همه أن يدافع عن وطن ليعيش فيه أبناء هذا الوطن.. رحم الله ش@هداء هذا الوطن من طنجة حتى لكويرة.. هم اليوم في ذاكرتنا .. أسماؤهم منحوتة في العديد من الشوارع والأزقة والمؤسسات التعليمية والثقافية وغيرها.. بكل تأكيد ففي عنقنا دين كبير وجب تأديته بصيغ ثقافية وسياسية متعددة .. علينا المزيد من التعريف بهم، وبأعمالهم، وتخصيص جوائز فكرية وإبداعية للتعريف بهم خصوصا لدى الأجيال الجديدة التي ولدت وفي فمها ملعقة من الرقميات والذكاء الاصطناعي.. رحم الله زمن الرفاق!. وكل التوفيق لعزيزي النادل الذي كان سببا في كتابة هذا المقال .





