عبد العزيز اغراز-المغرب
أدى إنتشار فيروس كورونا، كوفيد-19، إلى إيقاف الأنشطة الدينية والثقافية في أغلب دول العالم، لكن هذا الوضع لم يمنع الطريقة القادرية البودشيشية من إقامة فعالياتها الدينية، حيث نظمت مشيختها، بتعاون مع مؤسسة الملتقى العالمي للتصوف ومؤسسة الجمال للسماع والمديح والفن العريق، “ليالي الوصال” الإفتراضية بتوظيف تقنية البث المباشر على موقع الفيسبوك، بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، تحت عنوان “ليالي الوصال في زمن كورونا، ذكر وفكر”، بمشاركة مدير مؤسسة الملتقى، الدكتور منير القادري بودشيش ، وثلة من العلماء والمفكرين، إضافة إلى عدد من المنشدين والمادحين، والقراء.
سلط الدكتور منير القادري بودشيش مدير مؤسسة الملتقى العالمي للتصوف، في مداخلته الضوء على التحول الحاصل على مستوى منظومة القيم بفعل جائحة كورونا، كوفيد-19، من خلال العودة القوية للمعتقد الديني، وحذر من بعض الإنزلاقات التي عزاها إلى غياب وعي ديني مستنير، كإصرار بعض المسلمين على عدم ترك صلاة الجماعة والجمعة، وأوضح أن تركهما من جوهر الدين لأن حفظ النفس مقدم على حفظ الدين، وندد ببعض الأفكار المغلوطة لدى بعض المسلمين الذين اعتبروا هذا الوباء عقابا من الله تعالى سُلّط على المذنبين، مشيرا إلى أن الابتلاءات تصيب الانبياء والصالحين أيضا، كما حدث زمن وقوع طاعون عامواس الذي مات فيه بعض المسلمين من الجيل القريب من العهد النبوي.
وأكد أن الرؤية الصوفية الإحسانية ترى في هذا الوضع فرصة للتطهر الروحي والنفسي والفكري والسلوكي. والتسليم المطلق لقضاء الله تعالى، مع الأخذ بالأسباب الإيمانية باللجوء إلى الله تعالى لكشف هذا الوباء، والأسباب المادية كاتباع التعليمات الصادرة عن السلطات الصحية، ولفت الأنظار إلى دور التصوف في ترسيخ قيم التضامن والتكافل، والتآزر، مستدلا بالعمل الخيري والإجتماعي الذي رسخه التصوف، وقد أعطى مثالا على ذلك بمواقف مجموعة من الشيوخ، ومنهم الشيخ أبو العباس السبتي، وأشار أيضا إلى إنخراط الطرق الصوفية اليوم بما فيها الطريقة القادرية البودشيشية، في التخفيف من آثار هذه الأزمة، من خلال المبادرات التضامنية التي يتم إنجازها داخل المغرب وفي مختلف دول العالم، مما يعكس صورة إيجابية عن التصوف بخلاف الصور النمطية التي يروجها البعض بكونه انعزال وانزواء، وإغراق في السلبية والعدمية.
كما أبرز كذلك فضائل العبادات، بما فيها الصوم التي تسبر أغوار النفوس وترفعها عن سفاسف الأمور، ليرتقي الفرد إلى أعلى درجات التقوى وذلك بإستحضار رقابة الله تعالى سرا وعلنا، مؤكدا على أن التصوف يقوم على تزكية النفس وتطهير القلب، وتأهيل الإنسان لبلوغ مقام الرضا بقضاء الله تعالى و جميع تدابيره الكونية.
وبين دور التربية الروحية في بناء الإنسان، وتجاوز الأزمات الأخلاقية والإقتصادية التي تعاني منها المجتمعات المعاصرة، مشيرا إلى أن التنمية الناجحة هي التي تنطلق من الإنسان وتراعي جميع حاجاته؛ الجسدية، والفكرية، والروحية أيضا.
كما أشاد بالجهود الإستباقية الكبيرة التي قام بها الملك محمد السادس والتي بفعل حكمته جنبت المغرب كارثة حقيقية، وقد ثمن كذلك مبادرات مختلف فعاليات المجتمع المغربي في هذه الأزمة والتي أبانت عن روح عالية من التعاون والتضامن والتآزر، الذي يتوافق مع الأخلاق والشيم التي لطالما زرعها الصالحون والعارفون من أهل التصوف، في هذا البلد.
تجدر الإشارة إلى أن برنامج ليالي الوصال عرف مداخلات لثلة من العلماء والأساتذة من داخل المغرب وخارجه، حيث شارك الدكتور فوزي الصقلي مدير مهرجان الثقافة الصوفية، والدكتور إسماعيل راضي عميد كلية العلوم بمدينة وجدة، والدكتور حكيم فضيل الإدريسي أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، والدكتور عبد الرزاق الترابي أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط، والدكتور عبد الوهاب الفلالي استاذ التعليم العالي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، والدكتورة سعاد كعب أستاذة التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط، والدكتور رشيد اكديرة، وآخرين.
وقد تميز البرنامج بوصلات من المديح والسماع قدمها أعضاء من مجموعة السماع والمديح للطريقة القادرية البودشيشية بالمغرب وفرنسا، إضافة إلى مشاركة منشدين من داخل المغرب وخارجه.
واختتم السمر الروحي بتقديم شهادات لبعض من مريدي الطريقة عبر العالم، من المكسيك،والولايات المتحدة الأمريكية، واوروبا، واليابان، ومصر، اكدت هذه الشهادات دور الطريقة في نشر القيم الروحية للإسلام في نفوسهم.





