(*) ذ. سعيد الغماز
مما لا شك فيه أن جائحة كورونا أثرت على جميع مناحي العالم بشكل كبير. تأثير يمتد من المساس بحرية الأفراد في الحركة والتنقل، مرورا بإيقاف عجلة الاقتصاد كلية أو بشكل جزئي وتأثيرات مجتمعية وحتى سياسية، وينتهي إلى التداعيات النفسية بسبب الحجر الصحي التي قد تدوم مدة طويلة. هذه الوضعية أثرت كذلك على النظام العالمي وجعلت الكثير من المتخصصين والمحللين يطرحون العديد من الأسئلة قد تصل إلى نقد الأسس التي يقوم عليها هذا النظام العالمي.
ففي المجال الاجتماعي بدأت العديد من الأصوات ترتفع لتصحيح الأولويات التي تجعل من النمو عقيدة مترسخة في جميع القرارات والبرامج وإن أدى ذلك إلى إهمال المنظومة الصحية وجعل الشروط المجتمعية بعيدة عن أي اهتمام. وفي المجال الاقتصادي بدأت تظهر ملامح مدرسة اقتصادية جديدة تقلب رأسا على عقب المنطق الاقتصادي السائد حاليا. فإذا كان هذا الأخير يقوم على أساس تحديد الربح المنشود من الاستثمار أولا ثم يأتي فيما بعد تعبئة الموارد الطبيعية والبشرية اللازمة لتحقيق الهدف الربحي، فإن المقاربة الجديدة تقلب هذا المنطق وتنطلق من الموارد البشرية بخلق الظروف المواتية للإنسان (المُستخدم والعامل) في العيش الكريم والراحة النفسية والأجر المناسب، والموارد الطبيعية التي تسمح لنا بها الطبيعة في تعبئتها أخذا بعين الاعتبار عدم المساس بالمنظومة البيئية وفي حدود ما تسمح به البيئة لإعادة بناء ما تم تدميره، ثم تأتي قيمة الأرباح في آخر المطاف وهي قيمة مرتبطة بما تسمح لنا به الطبيعة وليس بما يحدده جشع صاحب الرأسمال كما هو معمول به حاليا.
أمام هذه الأفكار الجديدة التي أنتجتها بيئة كورونا، بدأت العديد من الأسئلة تُطرح على النظام العالمي الجديد من قبيل: هل سنشهد نظاما عالميا جديدا بعد كورونا؟ أم أن النظام العالمي الحالي سيشهد بعض التغييرات فقط، دون المساس بميزان القوى الحالي. تحاليل كثيرة عرفتها الساحة الدولية يمكن تلخيصها في طرحين حسب المنطق المعتمد:
-1- طرح يرجع إلى تاريخ الأوبئة الذي عرفته البشرية ونتائجه على ميزان القوى السائد. ففي القرن الثاني الميلادي شهدت البشرية “الوباء الأنطوني” الذي قضى على حوالي خمسة ملايين من البشر حسب تقدير المؤرخين في علوم الأوبئة. وقد ضرب هذا الوباء مركز قوة الإمبراطورية الرومانية التي كانت تقود العالم آنذاك، حيث أصاب عددا هائلا من الجنود الرومان مما أدى إلى إضعاف الإمبراطورية وسقوطها في القرن الخمس ليتحول النظام العالمي من نظام العبودية إلى النظام الإقطاعي.
وفي القرن الرابع عشر ميلادي، عرفت البشرية موجة أخرى من الوباء تُعرف بالطاعون الأسود. وقد أتى هذا الطاعون على أكثر من 200 مليون حسب تقديرات المؤرخين على رأسهم فيليب دايلير. وأوروبا التي كان يسودها النظام الاقطاعي أخذت النصيب الأوفر من الضحايا حيث فقدت أكثر من ثلث سكانها. وبذلك يكون النظام الاقطاعي فقد أحد أهم ركائزه المتمثل في اليد العاملة والتي تقلصت بشكل مهول بسبب انتشار الوباء الأسود. وكانت نتيجة ضعف النظام الاقطاع ظهور نظام جديد يتجلى في النظام الرأسمالي.
واعتمادا على السيرورة التاريخية التي يؤمن بها أصحاب هذا الطرح، وبناء على الصعوبات التي تجدها القوة العالمية الأولى في مواجهة وباء كورونا في مقابل تمكن القوة الثانية من حصر انتشار الوباء وإطلاق العنان لآلتها الاقتصادية، فإن أصحاب هذا الطرح يعتقدون بأن العالم بعد كورونا سيشهد نظاما عالميا جديدا تختل فيه موازين القوة لتصبح الصين هي القوة العالمية الأولى وبذلك يكون العالم مقبلا على تغييرات جذرية وبأسس أخرى مغايرة للأسس السائدة حاليا.
-2- طرح آخر يقوم على أساس كيفية تعامل النظام العالمي الجديد مع الأزمات. فإذا كان أب النظام الرأسمالي، العالِم الاقتصادي آدم سميث في كتابه “ثروة الأمم” الصادر في 1776، قد حدد معالم النظام الرأسمالي على أساس عدم تدخل الدولة في الاقتصاد وجعل الأثمان تتحد بشكل تلقائي في السوق وفق معادلة العرض والطلب، فإن أزمة 1929 أظهرت ضعف هذا النظام ونواقصه. لكن هذه الأزمة لم تكن نتيجتها قيام نظام عالمي جديد، وإنما ساهمت في تطور منظومة هذا النظام الذي تبنى الحلول الكنزية التي ترتكز على دور تدخل الدولة في الاقتصاد واعتماد العمالة الكاملة (Le plein emploi) كحل للخروج من الأزمة. وبالفعل خرج النظام العالمي من أزمة 1929 دون قيام نظام عالمي جديد حيث استمر نفس النظام مع تعديلات وتطورات في الأسس التي يقوم عليها.
بناء على هذين الطرحين، يمكن أن نقول إن العالم بعد كورونا لن يكون هو العالم قبل كورونا. فإن لم نشهد قيام نظام عالمي جديد، فإننا بالتأكيد سنكون أمام نفس النظام الحالي لكن بتغيير في الأسس وفي الأولويات حيث أن موقع الإنسان الاجتماعي وأهمية البيئة المستدامة ستكون في سلم هذه الأولويات، وستشكل أبرز التغييرات التي ستطرأ على النظام العالمي.
(*) باحث في التنمية وتكنولوجيا المعلومات والاتصال





