دعونا نحلم…

إيطاليا تلغراف

 

 

 

د. حسن أوريد*

انعقد المؤتمر العاشر للولايات المتحدة لشمال افريقيا الأسبوع المنصرم من سنة 2031، بمدينة سيوة بمصر، وكانت قمة ناجحة بكل المقاييس. وقد استقبل رئيس جمهورية مصر السيد مرقس مكرم، رفقة نائبة الرئيس السيدة زينب السوهاجي بمطار مطروح كلا من الرئيس الجزائري إيدير لونيسي قادما من وارغلة، مقر برلمان الولايات المتحدة لشمال افريقيا، رفقة كل من رئيسة الحكومة المغربية المتحدة تازيري أوبلا مع رئيس جمهورية الكونفدرالية الموريتانية فال ولد لامين التكروري، في الطائرة نفسها.

ومباشرة بعد نزول الضيوف مطار مطروح الدولي، انتقل الوفد في اتجاه غرب مرسى مطروح، للوقوف على أكبر مشروع لتحلية مياه البحر في حوض بحر الأبيض المتوسط، الذي يسقي كلا من الصحراء الغربية وفرفرة، اللتين أضحتا أهم مصدر زراعي تجاوز منذ سنة 2028 الدلتا. بعدها استقل مسؤولو الولايات المتحدة لشمال افريقيا القطار السريع من مرسى مطروح إلى سيوة، وكانت مناسبة أطلع فيها الرئيس مرقس مكرم نظراءه على نتائج اتحاد وحدة النيل، الذي يضم كلا من مصر والسودان وإثيوبيا، وعلى النتائج المثمرة التي انتهى لها اللقاء، بعد الاجتماع الفني لوزراء الماء في البلدان الثلاثة، من أجل تدبير مشترك لمياه النيل، على اعتبار أن الهيئة العليا للوادي هي المخولة وحدها باتخاذ أي قرار بشأن مياه النيل، لا يترتب عليه أي ضرر بأي طرف.

وفور وصول الوفود إلى سيوة استقبلت ساكنة المدينة ضيوف مصر بلافتات مكتوبة بالعربية والأمازيغية، وانتقل الوفد مباشرة إلى منتجع كليوباترا، على بحيرة جوبا للاستراحة، في تلك الأثناء أسرعت نائبة الرئيس السيدة زينب السوهاجي لاستقبال كلا من رئيسي تونس السيد باهي لقبلّي، ورئيس فيدرالية ليبيا المتحدة السيد مرزوق الفزاني قادمَين كليها من جغبوب عبر الطريق السيار عابر الصحراء، حيث أعطيا الانطلاقة إلى مشروع ضخم للطاقة الشمسية، سيغطي الحاجات الكهربائية، لكل من تشاد والنيجر ومالي. وبدأت أشغال القمة بقصر المؤتمرات المحاذي لمعبد أمون مع تلاوة نشيد الاتحاد بالعربية والأمازيغية. وأعلن السيد الرئيس مرقس مكرم ابتداء أشغال المؤتمر بخطاب الافتتاح، وذكّر في مستهل كلمته بالتحديات الكبرى التي تقع على الاتحاد، باعتباره أكبر قوة اقتصادية في حوض البحر الأبيض المتوسط له مسؤوليات في استتباب الأمن في العالم. ولم يفت السيد الرئيس التذكير بالملابسات التي كانت وراء إنشاء اتحاد الولايات المتحدة لشمال افريقيا، في أعقاب ما عرفته المنطقة سنة 2021، من تطورات كادت تعصف بها، حيث كانت على شفا حرب مدمرة، بعد أن أضحت المنطقة ساحة لتسابق قوى أجنبية حول ليبيا، قبل قيام فيدرالية ليبيا المتحدة. عرفت حينها المنطقة تقاطبا بين كل من تركيا من جهة، مدعومة من الولايات المتحدة، وفرنسا مدعومة من طرف فيدرالية روسيا. وكاد هذا التقاطب أن يجهز على الحلف الأطلسي، ما عجل باجتماع عاجل للحلف بصقلية، تقرر فيه رفع كل من فرنسا وتركيا يديهما عن ليبيا، واعتبار القضية الليبية شأنا افريقيا يهم الأفارقة.

وفي أعقاب اجتماع حلف الأطلسي، عقدت الأطراف الليبية المتنازعة اجتماعا براس لانوف، رعته كل من مصر ودول افريقيا الصغرى (كانت تُعرف سابقا بالدول المغاربية)، تمخض عن قيام الفيدرالية الليبية، ويعتبر ذلك الاجتماع نواة إنشاء الولايات المتحدة لشمال افريقيا. وذكّرالسيد الرئيس مرقس مكرم بالتوتر الذي كان حينها ما بين المغرب والجزائر، جراء مناورات عسكرية قام بها البلدان، على الحدود وكادت تؤدي إلى مواجهة بينهما. وأشاد السيد الرئيس مرقس مكرم بحركية المجتمع المدني في البلدين، ما أحبط التوتر بين البلدين، إذ كسر الشباب في كل من مدينة العقيد لطفي والسعدية الحدود الوهمية بين القطرين، وتوالت منذ ذلك الحين حركات الشباب بين بوكانون وأحفير، ومغنية ووجدة، وبني ونيف وفيكيك، قبل أن ينتقل الحراك إلى البلدين ويرفع الناشطون في تيزي وزو شعار افريقيا للأفارقة، الذي انتقل بسرعة البرق في كل من الجزائر العاصمة والدار البيضاء، ثم بعدها في تونس وطرابلس وبرقة ومرسى مطروح والإسكندرية، وكل ربوع الولايات المتحدة لشمال افريقيا. ولم يفت السيد الرئيس أن ينوه بالعلاقات المتميزة بين اتحاد الولايات المتحدة لشمال افريقيا وتركيا، وعلى التنسيق المستمر في القضايا التي تهم أمن حوض البحر الأبيض المتوسط.

وتناول الكلمة رئيس فيدرالية ليبيا المتحدة السيد مرزوق الفزاني، ليشكر رئيس الدورة السيد مرقس مكرم على انعقاد القمة في سياق تعرف فيه المنطقة نموا اقتصاديا غير مسبوق، يجعل منها أكبر قوة اقتصادية في حوض البحر الأبيض المتوسط، وذكر بالوشائج العميقة التي تربط مصر وليبيا، وعلى ما أبدته مصر في فترة مفصلية من تاريخ ليبيا، قبل عشر سنوات من حرص شديد على وحدتها الترابية واحترام اختيار إرادة شعبها، فضلا عن الدعم الفني الذي قدمته مصر عقب إنشاء الفيدرالية، في مشاريع إعادة التعمير، كما يظهر جليا في القطب الصناعي لسلوم، الذي يعتبر حظيرة صناعية متميزة في حوض البحر الأبيض المتوسط، بفضل رفع حرية نقل البضائع والأشخاص ورؤوس الأموال عقب إنشاء الاتحاد. علاوة على الإشعاع العلمي لجامعة أفلوطين بتاجورا، التي تصنف من عشر جامعات العالمية الأولى في العالم، متقدمة على جامعة هارفارد..

وتناول الكلمة رئيس موريتانيا السيد فال ولد لامين التكروري، الذي تستضيف بلاده القمة المقبلة للولايات المتحدة لشمال افريقيا بروسو على ضفاف نهر السنغال. وأشار البيان الختامي للقمة عن قلقه المتزايد من انتهاكات حقوق الإنسان في أوروبا، وأدان الاتحاد الأوضاع المزرية التي تعرفها حرية التعبير في العديد من البلدان الغربية، وهدد بفرض عقوبات اقتصادية على الدول الأوروبية، التي تعرف سجلا سيئا لحقوق الإنسان، تطبيقا لتوصية المجلس الأعلى لحقوق الإنسان للولايات المتحدة لشمال افريقيا بالحسيمة، ولقرار مفوضية الاتحاد بتوزر. وفي ختام المؤتمر، عبّرت رئيسة مفوضية الاتحاد السالكة منت مامي عن انشغال الاتحاد بالتوتر المستمر بين فرنسا وإيطاليا، واتهام فرنسا بدعم إيطاليا للحركة الانفصالية لكورسيكا. وأعرب الاتحاد عن استعداده بذل المساعي الحميدة لحل النزاع بين البلدين، ما يشكل تهديدا لأمن حوض البحر الأبيض المتوسط، ودعت رئيسة المفوضية إلى سياسة منسجمة في ما يخص الهجرة مع ازدياد أعداد قوارب المهاجرين من الضفة الشمالية إلى الضفة الجنوبية ورفع غلاف المساعدات لصردينيا حيث ارتفعت حوادث الغرق.

كاتب و مفكر مغربي*

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...