إستقالة الحكومة الفرنسية بين نتائج الانتخابات البلدية والتطورات الخارجية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

ذ. سعيد الغماز*

لم يكن منتظرا استقالة رئيس الوزراء الفرنسي إدوارد فيليب وحكومته بهذه السرعة وكأن الأمر له علاقة مباشرة بنتائج الدور الثاني من الانتخابات البلدية. الاستقالة جاءت متسرعة بل ومفاجئة حتى للمؤسسات الدستورية. فقد كان مقررا انعقاد مجلس للوزراء يوم الجمعة صباحا وتم إلغائه بشكل مفاجئ بعد إعلان الاستقالة، بل أكثر من ذلك كان هناك اجتماع في البرلمان لتدارس المشروع الثالث للميزانية المُعَدلة واضطر النواب لإيقاف الجلسة بعد إبلاغهم بخبر الاستقالة.

التعديل الحكومي كان على طاولة مكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منذ أبريل الماضي حيث صرح هذا الأخير لوسائل الاعلام نيته في تعديل حكومته دون توضيح مسألة احتفاظه برئيس وزرائه من عدمه، تاركا المجال واسعا للتكهنات. فالتعديل الحكومي كان إذا مُقررا ومُرتبا سلفا وهو ما يفسر سرعة تعيين جون كستيكس بدل إدوارد فيليب على الرغم من تداول الصحافة لإسم وزير الخارجية الحالي جون إيف لودريان رغم كونه محسوبا على الجناح الاشتراكي. السرعة التي تم بها تعيين خلف رئيس الوزراء المُستقيل، يوضح الكتمان التام الذي واكب التعديل الحكومي واستبعاد الصحافة عن أي تسريب ربما لإعطاء هذا التعديل زخما كبيرا لحلحلة الرأي العام الفرنسي بعد الهزيمة التي تلقاها الحزب الحاكم والتقدم الذي أحرزه حزب الخضر.

لم يبقى على نهاية ولاية ماكرون سوى عامين، وشعبية الحزب تعرف تراجعا كبيرا خاصة في الآونة الأخيرة بسبب أداء الحزب ووضعية البلاد داخليا. وقد زاد من تأزيم وضعية الحزب الحاكم الارتباك الذي ظهرت به فرنسا في الساحة الدولية وتضرر صورتها الخارجية. فالتعديل الحكومي لا يمكن فصله عن تراجع الديبلوماسية الفرنسية في الساحة الدولية خاصة أمام تركيا التي أحرجت الرئيس الفرنسي في أكثر من ملف دولي وأصبحت تتعامل معها بالند وتُطلق تصريحات أكثر جرأة من فرنسا الدولة العظمى والعضو الدائم في مجلس الأمن الدولي. لذلك يُجمع الكثير من المتتبعين للشأن الفرنسي على أن قيام الرئيس ماكرون بتغيير الحكومة بدل الاكتفاء بتعديلها له أسباب داخلية وأخرى خارجية.

على الصعيد الداخلي، تشهد البلاد حالة من الاحتقان الاجتماعي بفعل تردي أوضاع الطبقة المتوسطة التي خسرت الكثير من الامتيازات تسببت في تراجع قدرتها الشرائية. والفئة التي أصبح راتبها الشهري لا يكفيها لتلبية حتى حاجاتها الأساسية للثلاثين يوما في انتظار الشهر القادم، توسعت أكثر وتعمقت معاناتها. ولعل أبرز تعبير عما وصلت إليه تلك الفئة هو ما أصبح يُعرف باحتجاجات السُترات الصفراء.

أما على الصعيد الخارجي، فقد تضررت صورة فرنسا على أكثر من صعيد، بل أكثر من ذلك بدأ الكثير من المتتبعين للشأن الفرنسي يُلاحظون نوعا من الارتباك والتناقض في معالجة الرئيس الفرنسي لكثير من الملفات الدولية. وأبرز مثال على ذلك هو سياسة فرنسا في ليبيا. فبعد الضجة الإعلامية التي خلفتها تصريحات مقربين من النظام الليبي المُطاح به في ثورة شعبية، حول تمويل معمر القذافي لحملة ساركوزي الانتخابية، قام الرئيس الفرنسي ماكرون بدعم المشير خليفة حفتر في محاصرته للعاصمة طرابلس لإسقاط الحكومة المُعترف بها من قبل الأمم المتحدة. وبعد التدخل التركي الذي قلب المعادلة لصالح الحكومة التي تحظى بشرعية المنتظم الدولي، أصبحت الديبلوماسية الفرنسية شاردة وفي موقع الخارج عن القرارات الدولية، وهو ما دفعها لإدارة ظهرها لحليفها الليبي حفتر وشروعها في انتقاد ما تقوم به روسيا من جلب مرتزقة لدعم قوات حفتر عن طريق شركة فاغنر. المتتبعون للشأن الليبي فهموا من الخطوة الفرنسية محاولة من الرئيس ماكرون التقرب من الجانب الأمريكي لإنقاذ وضعية فرنسا في هذا الملف الذي أصبحت فيه تركيا اللاعب الأساسي. تضررت صورة فرنسا الخارجية بعد أن وصل التراشق الديبلوماسي مع تركيا لمستوى يَخرج عن الأعراف المعمول بها بين الدول. الضعف الذي اتسم به الموقف الفرنسي في الملف الليبي، جعل تركيا تُصَعد من لهجتها ضد فرنسا وضد الرئيس ماكرون وهو الأمر الذي أثر سلبا على صورة فرنسا وبالخصوص على رئيسها إيمانويل ماكرون.

على هذا الأساس يمكن القول إن استقالة رئيس الوزراء الفرنسي إيدوارد فيليب والذي سيتبعه لا محالة تغيير جذري للوزراء، ليس نتيجة لتراجع الحزب الحاكم في الانتخابات البلدية الأخيرة فحسب، وما يحمله من رسائل واضحة بخصوص الانتخابات الرئاسية المقبلة، وإنما نجد أسبابه كذلك في صورة فرنسا الخارجية التي تضررت بشكل كبير.

باحث في التنمية وتكنولوجيا المعلومات والاتصال*

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...