إيطاليا تلغراف تحاور الدكتور نبيل فولي محمد أستاذ في كلية العلوم الإسلامية بجامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

حاورته لإيطاليا تلغراف : نزهة الضفضاعي*

 

نبيل فولي محمد منجي أستاذ في كلية العلوم الإسلامية بجامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية حاصل على :

****دكتوراه في الفلسفة الإسلامية في موضوع “المقولات العشر في الفكر الفلسفي الإسلامي حتى القرن السادس الهجري” (2004).
– ماجستير في الفلسفة الإسلامية في موضوع “منطق الموجهات عند المسلمين” (1998).
– ليسانس في العلوم العربية والإسلامية من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة (1991).****

 

1- هل يمكنكم أن تصفوا لنا باختصار الوضعية الحالية للمرأة المسلمة في المجتمعات العربية؟ وهل هي مطمئنة؟

بداية لابد من التأكيد على أن أوضاع الإنسان – رجلا كان أو امرأة أو حتى طفلا – في أي مجتمع هو نتيجة لنشاط هذا المجتمع ومواقفه الثقافية، حيث يُترجَم هذا النشاط والسلوك الناشئ عن الثقافة في صورة أوضاع حميدة أو ذميمة للإنسان. والمراقب لأحوال المجتمعات العربية خلال المرحلة التي نحياها يجد أنها تستمد سلوكها الاجتماعي من عدة روافد؛ أهمها: الثقافة الموروثة، ثم التقليد لسلوك المجتمعات المتفوقة حضاريا. أما الثقافة الموروثة فهي تجمع في تكوينها بين عناصر دينية وتقاليد اجتماعية، إلا أن الضعف يغلب على فهم الناس للدين في عالمنا العربي والإسلامي عموما، ليس فقط على مستوى عامة الناس، بل حتى في صفوف الوعاظ ومعلمي المدارس والباحثين المختصين في علوم الشريعة، وأما تقليد سلوك المجتمعات الأخرى – خاصة الغربية – فهو شريك قوي جدا في تحديد سلوك الإنسان العربي في شتى صوره.
ومن هنا لا يسود في عالمنا العربي التشدد في فهم قضايا المرأة – التي تهمنا في هذا السياق – كما يظن الناس، بل التناقض والتضارب والترقيع المشوه للمواقف، ففي حين يقبل أكثر الناس خروج ابنته مخالفة لأحكام اللباس الإسلامي، ويلحقها بتعليم مختلط لا ضوابط أخلاقية فيه، فإنه يقتلها إن وقعت في الحرام. ومثال آخر لهذا التناقض هو أن الرجل يبيح لنفسه في كثير من الأحيان تجاوز الضوابط الإسلامية في التعامل مع المرأة الغريبة، في حين يفرض رقابة لصيقة على ابنته وزوجته وأخته، وحين يتزوج يبحث بدقة في ماضي من يريد أن يتزوجها، في حين أنه ملوث الصفحات في هذا الباب.
لا أزعم مع هذا أن هذه هي كل صورة المرأة في عالمنا العربي كله، بل هناك أمثلة ليست قليلة للمرأة التي تعيش بقيم دينها في قلب المجتمع، فتعمل في مجالات التعليم والتربية والإعلام والتثقيف والطب محافظة – إلى حد كبير – على آداب الإسلام الأخلاقية وصورته الظاهرة معا. ولكن هذا الاتجاه تناقضه للأسف سياسات الحكومات واتجاهات الإعلام والفن الدرامي والسينمائي في بلادنا. ولعل المتابع يلاحظ أن شخصية هذه المرأة برزت بقوة أثناء ثورات الربيع العربي، وتصدرت في مواقف ومواقع كثيرة، إلا أنها تراجعت بصورة واضحة عقب موجة الثورات الاستبدادية المضادة.

2- هل أقر الإسلام فعلا حق المساواة بين المرأة والرجل؟ في نظركم كيف يمكن تفعيله؟

لو فهمنا المساواة على اعتبار التطابق الطبيعي بين المرأة والرجل، فليست هناك مساواة بهذا المعنى في المفهوم الإسلامي ولا في الواقع؛ أعني أن الله تعالى لم يخلق الرجل والمرأة متساويين طبيعيا، بل خلق الناس جميعا متفاوتين في الإمكانات والقدرات والمواهب النفسية والبدنية، وإذا كان هذا موجودا بين الرجل والرجل، وكذلك بين المرأة والمرأة، فهو أبرز وأوضح لا شك بين الرجل والمرأة، قال الله تعالى في القرآن: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ…)، وإنما المساواة التي يدعو إليها الإسلام هي المساواة في الإنسانية والمساواة أمام القانون، وقد قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن ابنته الحبيبة فاطمة: “لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها”.
فالرجل لا يساوي المرأة والمرأة لا تساوي الرجل من ناحية الخِلقة والطبيعة، وأي نظام للحياة يحاول أن يفرض على الجماعة الإنسانية تسوية إجبارية بينها وبينه هو نظام فاشل، أو سيؤول أمره إلى الفشل، وأما النظام الذي يفضل المرأة في الجوانب التي تناسب امتيازاتها التي فضلها الله بها، ويفضل الرجل في الجوانب التي فضله الله بها، فهو النظام الناجح، فمثلا الرجل بطبيعته أكثر تأهُّلا للكسب والعمل وتحمل المشاق في بحر الحياة الصعب، ومن هنا كان عليه العمل والإنفاق على أسرته، والمرأة أكثر تأهلا لرعاية الصغار وتربيتهم، ولا أعني بذلك أن المرأة لا تعمل على الإطلاق، ولا أن الرجل لا دور له في التربية، وإنما يغلب دور أحدهما في ناحية، ودور الآخر في ناحية أخرى، مع كون الحياة شركة تكاملية بينهما لا تنجح إلا بنجاح كل منهما في صيانة الآخر ومساعدته في مسئولياته التي يتحملها.

3- بعض النساء يعشن مأزقا مزدوجا بين الاقتناع بضرورة الحفاظ على ما هو ديني وضرورة مسايرة العصر عن طريق التحرر؛ بداية، ما مفهوم الحرية؟ وما التحرر؟ ومن هي المرأة المتحررة فعلا؟ وكيف يمكن للمرأة الخروج من المأزق المزدوج المذكور سابقا؟

لو شئنا أن نستعمل مصطلحات تقليدية قديمة في هذا السياق، فأرى أن نقابل بين المرأة المتحررة والمرأة المستعبدة، وأي بيئة تفقد فيها المرأة شخصيتها واعتبارها الإنساني وموقعها الاجتماعي كأم وأخت وزوجة وابنة، وتتحول إلى منفعل لا يفعل ومستجيب لا يؤثر، فهي مستعبدة مهما كانت هذه البيئة. وأما إذا كان لها احترامها ومشاركتها في الحياة وقناعتها بما تلقى من معاملة، فهذه هي المرأة الحرة وإن كانت في مجاهل العالم. لا ينبغي أن نقيس حرية المرأة في أي مكان من العالم بمقياس المرأة الغربية وكأنها هي النموذج الكامل والصورة المثالية لوضع المرأة في العالم، بل ينبغي أن يكون لنا مقياس إنساني عام يحترم الخصوصيات الثقافية ويراعي آدمية المرأة.
أنا أعلم أن وضع المرأة في العالم العربي والإسلامي ليس على ما يرام، ولكن وضع المرأة في أغلب دول العالم ليس على ما يرام كذلك، حتى في الغرب نفسه الذي ينتشر العنف ضد المرأة في بعض بلاده، والتفسخ الأسري في أكثر أقطاره، ولا أرى أن استقلال الفتاة عن أسرتها مبكرا كما يستقل الرجل هو خير لها ومساواة بالرجل، بل هو من تحميل ما لا تطيق، وتعريض لها للضياع.
ولكي تخرج المرأة في عالمنا العربي والإسلامي من المأزق المذكور والحيرة بين التقاليد والحداثة، فينبغي لها أن تتحرر أولا نفسيا من النظر إلى المرأة الغربية المسكينة المظلومة باعتبارها النموذج والمثال الذي يجب أن يُحتَذى، وعليها ثانيا أن تعرف حقوقها كما قررتها لها ثقافتنا الإسلامية الأصيلة لا ثقافة التخلف والتقاليد الاجتماعية الجائرة، ثم عليها ثالثا أن تقاتل دون حقوقها بمحاربة الجهل الديني في بلادنا، ومحاربة الاستبداد بكل صوره، فهو المصيبة الكبرى والكارثة الأعم – كما يرى عبد الرحمن الكواكبي السياسيَّ منه – التي يعشش في ظلها كل ضعف واضمحلال.

4- ما موقفكم من هؤلاء الذين يدعون أن الحجاب هو برهان على المذلة التي تعيشها المرأة المسلمة في المجتمعات العربية؟

هذا جزء من الصورة النمطية التي تكونت عن المرأة في الإسلام بسبب الهجمات الفكرية والإعلامية المنظمة على كل ما هو إسلامي، ولو شئنا أن نحتكم إلى الواقع سنجد أن نسبة تمثيل المرأة قياسا إلى الرجل في قطاع التعليم والثقافة والإبداع الأدبي مثلا في بلادنا – التي ما زالت تحتفظ بنسبة من التدين وتلبس الحجاب – لا تقل عن نسبة وجود المرأة في نفس هذه القطاعات في الدول المتقدمة، فما زال أكثر رجال الأعمال وأكثر الأطباء والمهندسين وكبار المديرين والرياضيين وأصحاب براءات الاختراع والسياسيين والأدباء في الغرب؛ ما زال أكثرهم من الرجال، وهذا يعني أن الحجاب لم يحل دون تعلم المرأة في بلادنا، وأنْ تكون أستاذة جامعية وشاعرة وروائية وصحفية، وبنسبة لا تقل كثيرا عن أختها في الغرب.
بل هناك إحصاءات تقول بأن في بلادنا العربية نسبة غير قليلة من حالات اضطهاد النساء للرجال وسيطرة الأنثى على القرار في البيت، فكيف يزعم من يعرف هذا أن المرأة في بلادنا ذليلة بسبب الحجاب؟! إن هناك عوامل معقدة تصنع أوضاع المرأة في عالمنا العربي، ومن السذاجة أن نحكم حكما سلبيا وخطأ ثم نرد هذا إلى الحجاب.

5- في نظركم، ما الأسباب الحقيقية وراء منع المرأة من حق المشاركة السياسية في بعض البلدان الإسلامية؟

هناك حسابات سياسية لدى بعض الدول في هذه الناحية، وهناك خطط لشغل الناس بقضايا صراعية فارغة في مجتمعات أخرى، وهناك أخيرا من يحرص على إرضاء بعض حلفائه السياسيين بإثارة هذه القضية أو الميل إلى موقف خاص فيها. أما ما يقال عن مجاملة رجال الدين المتشددين في هذه القضية، فهو أمر لم يعد له وجود ظاهر في الغالبية العظمى من البيئات الإسلامية.
وهذا كله من التفاعل بين الفكر والواقع الذي قد يقع في أي مجتمع، إلا أن الواقع إذا كان مريضًا فإنه لا ينتج مواقف فكرية صحيحة، والعكس بالعكس؛ فمثلا ظل الأوربيون والأمريكيون يتجادلون في حقوق المرأة السياسية عقودا من الزمن، وتشكل لديهم ما يسمى “بالتحالف الدولي لحقوق المرأة”، ونتج عن ذلك منح المرأة هذا الحق في خلال القرن العشرين على سنوات مختلفة، فكان نتيجة إيجابية في واقع يميل إلى الإيجابية. في حين أن عالمنا العربي يعاني من فساد عميق يأبى إلا توظيف مثل هذه القضايا في صراعات تُدار لحساب الفساد السياسي من وقت إلى آخر.

6- ما المهمة المنوطة بالمرأة المسلمة في المجتمعات غير الإسلامية؟

مهمة المرأة في هذه البيئة في رأيي هو أن تقدم صورة صحيحة للمرأة المسلمة سلوكا وثقافة، فهي مدعوة لاحترام المجتمعات التي تعيش فيها، وأن يكون لها عطاؤها لمجتمعها حسب مواهبها وقدراتها، وأن تضع يد مجتمعها على حقائق الإسلام الصحيحة. غير أن هويتها الإسلامية لا ينبغي أن تضيع في هذا الزحام.
ويمكن للمرأة المسلمة أن تؤدي هذه الوظائف من خلال الهيئات الإسلامية المحترمة التي تنشط في بلادها، وكذلك من خلال المنصات ومواقع التواصل المتاحة على شبكة الإنترنت. ولعل الالتفات إلى المرأة والطفل في هذه الناحية يكون مجالا جيدا للعطاء النسائي الإسلامي في المجتمعات غير المسلمة.

7- هل يمكن القول: إن قضية المرأة والإسلام تؤثر سلبا على التقييم الإجمالي أثناء محاولة قراءة الدين الإسلامي؟

إن التقييم الخطأ لأي منظومة يبدأ عادة من نقطتين سلبيتين: الأولى: تحديد النموذج المثالي الذي يقاس عليه وفقا لهوى المقيّم (الغرب مثلا)، والثانية: القراءة الجزئية للمنظومة محل التقييم (النظر إلى نقطة خلاف اجتماعي واحدة كتعدد الزوجات مثلا)، وقد حدث هذا وهذا عند قراءة كثير من الأقلام والعقول الغربية للإسلام، مع النظرة العدائية التي حملها بعض الغربيين ابتداء وهو يتعرف على الإسلام، إضافة إلى قراءتهم الواقع المتخلف للعالم الإسلامي باعتباره الأصل والصورة الدقيقة لأحكام الإسلام، وهذه كلها أخطاء بعضها فوق بعض.
ومن أمثلة النظرة التجزيئية في تقييم الإسلام: أنهم اعتبروا وضع المرأة في الإسلام نقطة ضعف فيه، وكأن أوضاع المرأة المسلمة الآن وموقف المجتمع منها هو تمثيل صحيح للإسلام، أو كأن إكثار الأغنياء والأمراء من الجواري في بعض مراحل التاريخ الإسلامي هو عنوان وترجمة للإسلام.
إني أدعو إلى قراءات علمية جامعية أمينة ودقيقة لمثل هذه القضايا، ولا شك أنها ستكون أصدق تعبيرا عن الحقيقة من الإثارة الإعلامية لها، وكذلك من دراسات مراكز البحوث المدعومة من جهات يهمها تثبيت صورة نمطية للمسلمين ترتبط بكل ما هو سلبي وشاذ.

8- في نظركم، ما القضية التي يجب على المرأة المسلمة النضال فعلا من أجلها؟

الحرية السياسية هي قضية القضايا للمرأة والرجل في عالمنا العربي والإسلامي الآن، فالاستبداد يمثل صخرة كبيرة في طريق مجتمعاتنا وتنميتها، فهذا الاستبداد يسرق الثروات الوطنية، ويرهن القرار السياسي للداعم الخارجي لبقائه في السلطة، ويقتل المعارضين أو يعتلقهم في ظروف لا إنسانية. إن آلاف النساء في مصر مثلا يعانين مرارة الحياة بدون أزواجهن المعتقلين سياسيا، أو الذين لقوا مصرعهم برصاص الشرطة، أو قضى عليهم الإهمال الطبي في ظلمات الزنازين.
إن المفكر – سواء أكان امرأة أم رجلا – يمكنه أن يقدم رؤى للمواجهة مع الاستبداد في كل مستوياته، إلا أن غرس قيم الحرية ورفض الاستبداد والظلم هو وظيفة تربوية تعليمية تقوم بها المرأة أولا ثم الرجل في نطاق المنزل والمسجد والمدرسة والصحيفة والموقع الاجتماعي والحزب السياسي.

مراسلة إيطاليا تلغراف *

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...