الدكتور شنفار عبدالله (*)
هل الإطار الكفؤ داخل الادارة العمومية المغربية يبقى عدوا محتملا في نظر القدامى والسابقين عليه؟ هل نحن في حاجة إلى كفاءات وأطر كفأه؟
للإجابة عن هذا السؤال في نظري؛ لا يمكن إنكار ثقل التاريخ على العقليات الإدارية المغربية. فقد خرج الاستعمار المغرب وترك فراغا إداريا مهولا وكبيرا جراء ذهاب المؤطر الإداري الأجنبي، وقد تم سد هذا الفراغ بأي شكل من الأشكال. فبدأ قطار التنمية متعثرا، يتحرك تارة ويتوقف تارة أخرى. وذلك لكون الأطر التي تولت الإدارة والإشراف وتدبير الشأن العام؛ لم تكن مؤهلة تاريخيا للقيادة والدفع بهذا القطار؛ حيث تم ملأ المناصب الفارغة أو الشاغرة بالأشخاص كيفما كان المستوى الثقافي والعلمي والشهادة المحصل عليها.
بعد عقود متتالية عرفت الأمور تطورات وتحولات مهمة، فاستطاع العديد من الأفراد ولوج الجامعات والحصول على مستويات عليا في التحصيل والدراسة. وبالتالي ولوج الإدارة، فبدأ الصراع بين جيل قديم تقليدي في ثقافته وطرق وأساليب عمله التي ورثها عن المستعمر أو تقليد معمول به وسار به العمل، وحتى في قدرته على العطاء، والذي رغم ذلك يتشبث بأقدميته ويستعملها كورقة ضغط، لا يلبت أن يشهرها كلما حاولت جهة معينة توجيهه أو ترشيده إلى مسايرة التطور.
وهكذا يفتح المجال للعديد من المرافعات غير ما مرة، عن الكيفية التي درسوا بها هؤلاء، وكونهم درسوا وتعلموا على ايدي أجانب، و”أنتم” الأطر الشابة، درستم وتعلمتم فقط، على أيدي مغاربة، ويذهبون أبعد من ذلك في كون الشواهد المحصل عليها قديما، لو افترضنا مثلا الشهادة الابتدائية القديمة: “Brevet”، يخيل إليهم أنها تعادل دكتوراه الدولة الحالية، ولما لا قد تفوقها بقليل
وبين جيل حديث متشبع بالثقافة والأساليب الحديثة، والذي بالرغم من انعدام التجربة لديه، ونزوعه أحيانا إلى الاندفاع؛ اندفاع العنصر الشاب، وتناقضاته أحيانا أخرى، حيث سيادة التقليد المجتمعي للناس، إلا أنه مع ذلك، يبقى قادرا على التكيف بسرعة ومرونة كبيرتين، وإمكانية التجاوز نحو خلق فضاء متطور وطرق عمل مغايرة. نضرب مثلا في القدرة على استعمال التكنولوجيا الحديثة وتوظيفها في العمل الاداري؛ ونقارنها بالمراسلات الإدارية في شكلها القديم، التي تحمل عدة صفحات للتعبير أو إيصال كلمة أو حملة واحدة، فلنتصور ما في ذلك من ضياع للأموال والوقت.
وبمجيء هذا العدو القادر أو المحتمل، يحصل ويقع ضرب من السلوك يتجه نحو إحاطته بهالة من القداسة والترحيب والمدح والتملق، فيشكل تمثلات ومخيالا إداري يغالط هذا المسؤول الشاب الجديد مما يؤدي إلى عدم تفاعله مع الواقع.
وهذا السلوك ناتج عن تصور القدامى والسابقين في الإدارة لهذا الإطار الشاب، القادر على زعزعة مصالحها والذي قد يذهب بعيدا في فضح حتى تصرفاتها السابقة. وهكذا نسمع في عالم الإدارة كيف أن المسؤول الجديد قام بثورة في الإدارة وتغيير وتصحيح وإصلاح كبير؛ والذي لا يلبث بعد مدة أن يأخذ ثلاث مسارات:
1. إما أن هذا الاطار الشاب، يكيف سلوكه ويتفاعل مع “جماعات الضغط” هاته أو “جماعات المنتفعين” وبالتالي عوض أن يعطي، يقف عند حدود التوفيق بين مصالح هؤلاء ومتطلبات الصالح العام،
2. أو يقف موقف المتصالح والمتفاعل مع، وفي ظل ظروف عمل تتسم بطابع العنف فيتضرر الصالح العام وتتم تلبية مصالح جماعات الضغط القوية بالمناورات والدسائس ومختلف صور الغدر والخيانة،
3. أو أن يلجأ إلى تطبيق القانون بصرامة، وهنا يوصف تصرفه من لدن هؤلاء بالعصا الغليظة أو القبضة الحديدية، كأن يلجأ إلى اتباع سياسة أو برنامج وخطة عمل أو خيار أو بديل آخر مغاير في العمل، فيخالف بذلك سابقيه، مما يروق الأقلية ويغضب الأكثرية والعكس صحيح، فيتعرض بالتالي للانتقاد أو أن يتصف القرار من لدن آخرين بالرشد والكمال.
هذا الوضع يمكن مقاربته من خلال ما اسماه ابن خلدون بدوران الطبقات، ويعتبر عبد الرحمان ابن خلدون اول من بلور الفكرة حول دوران الطبقات، وكيف أن أبناء الهوامش والدراويش استطاعوا بفضل الدراسة الوصول إلى المناصب العليا، في حين أبناء الأعيان بسوء تدبيرهم وإسرافهم يتراجعون إلى الدونية. في مقدمة ابن خلدون، الفصل 17 في أطوار الدولة واختلاف أحوالها وخلق أهلها باختلاف الأطوار. حيث تزاحم العديد من الشرعيات والمشروعيات، ويظهر ذلك من خلال اللجوء إلى الخبرات والدراسات الأجنبية والاعتماد على ما تقدمه من تقارير حول الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية والتقنية في المغرب، وبالتالي عدم الثقة في الأطر المغربية، وعدم استشارتها، والتدرع أحيانا بالسر المهني والإداري لإبعادها من المشاركة في التنمية الإدارية. وهنا نستحضر مقولة: (مطرب الحي لا يؤنس).
وهكذا تعثرت التنمية وأصبح يتطلب الأمر ملهبا، هذا الملهب يبقى الضمائر الحية ذات الحس الوطني، والذي لن يكون إلا العنصر الشاب، طرحنا السؤال في إطار بحث ميداني: هل تتمنى أن يتغير القدامى في الإدارة؟ فجاءت نسبة (26,5%) تؤيد ذهاب هؤلاء وفتحهم المجال للأطر الشابة. الذي يبقى معولا عليه كبديل وكوسيط للتغيير الحضاري في مواجهة هذا المجهول، خصوصا مع قلة المعلومات والدراسات وندرة الموارد وضعف مستوى العاملين، وذلك تحت ضغط رواسب وسلبيات التجارب الإدارية السابقة؛ فأزيد من 35 سنة من الخدمة الفعلية تؤدي إلى التراجع في المردودية والقدرة على العطاء في انطلاقة التنمية. على أن يتخلى هؤلاء القدامى لتتم إحالتهم على التقاعد؛ ويبقوا رهن إشارة هؤلاء الشباب قصد الاستشارة وإبداء النصح والاستفادة من أخطاء الماضي في خدمة التنمية.
ففي علاقة الرئيس بمرؤوسيه؛ تبقى متطلبات التنمية في الدول الحديثة، مرتبطة بتكوين جسم من العاملين المثقفين والمتخصصين، يتمتعون باستقلالية واستقرار، وتبقى الوظيفة العمومية كإطار منظم لمبدأ تقسيم العمل هذا. وهكذا يتخلى الرئيس عن مهامه إلى مرؤوسيه الخبيرين بأدق الأمور والأشياء، وحسب “كأولبرايت”؛ تتركز السلطة في المجتمعات الحديثة في يد هياكل تقنية، تجمع مجموعة من المتخصصين، يتوفر كل منهم على جزء من المعلومات الضرورية لإنجاز النشاط الإداري؛ وعلى عكس ذلك “جرار تمسيت” الذي يرى أن الدولة الإدارية الأفريقية تميل إلى البيروقراطية أكثر من ميلها للتكنوقراطية. مما يؤدي إلى تقليص سلطة اتخاذ القرار من لدن السلطة السياسية، وذلك بحكم تواجدها وتوزيعها الجغرافي، حيث تتولى مهمة التحضير والتنفيذ والإعلام. وبحكم دورها كاستراتيجية في تنفيذ وتحضير القرار تسود علاقات تسلط وإقصاء بين العقليات. وهنا نميز بين عقلية الرئيس وعقلية المرؤوس.
فوضعية الرئيس تأخذ شكلا هرميا في التسلسل الإداري أي من الوزير كرئيس أعلى وعلى المرفق، تدريجيا إلى الرئيس الأدنى في السلم في إطار علاقة جدلية. لو افترضنا في إطار هذا التسلسل أن هناك حكومة منبثقة عن البرلمان أفرزتها أغلبية أو اكتناف معين، أو لنفرض حتى البرلمان نفسه في إطار لجان تقصي الحقائق، من يستطيع أن يقرر ويتحكم أكثر، الوزير، العنصر المنتخب، أم الموظف السامي او التقني؟ في مقال لها تحت عنوان: “من يقرر الوزير أم الموظف المرتشي ؟” ذهبت جريدة “مغرب اليوم” إلى أن الموظف المرتشي يعمل على إجهاض وعرقلة كل عمل أو محاولة تستهدف إنجاز المشروع، إصلاحي او تغييري، وبالتالي يبقى الوزير مكتوف الأيدي أمام تنامي هذا السلوك او ذاك مهما بلغ منه العزم والإرادة. مغرب اليوم، العدد 2 بتاريخ 15 و 21 يناير 1996.
وحتى لو افترضنا سلطة التقرير من لدن الوزير كرئيس أعلى في السلم على مرفقه، فإن أبسط صورة للتواطؤ والتآمر والمناورة والاتحاد في تعطيل العمل؛ سيشكل لا محالة جبهة ضده، لن يستطيع إلا أن يقف معها إما موقف العاجز أو المتكيف والمتفاعل معها رغما عنه. وتقليص سلطة القرار هذه يمكن النظر إليها أيضا من خلال تقنية العمل المتخصص، التي تجعل منه صعوبة في فهم حقائق الأمور ومعرفة مسبباتها.
وأيضا وفي اتجاه آخر يمكن مقاربة وضعية الرئيس من خلال مدى إشراكه مرؤوسيه في بلورة القرارات، حيث يكون مدير الإدارة أو الرئيس الأعلى للموظف مسئول عن توجيه مرؤوسيه وتنبيهه وتقديم النصح والإرشاد والدعـم اللازم له لمجابهـة أي تقصير في الأداء الوظيفي لمهامه.بحيث في العديد من الأحيان تستأثر العقليات الإدارية الرئيسة في المبادرة واتخاذ القرار، مما يؤدي إلى مفارقة عند محاولة تنفيذه أو نتيجة فرض حلول من فوق دون إشراك جميع الفاعلين والمحاورين.
وهكذا يتم العمل الإداري في عالم مغلق ومنطو على نفسه. فالعقلية الكبرى في أعلى السلم تتحكم في الصغرى في أدنى السلم، يغديها أسلوب السلطوية والإقصاء، وبالتالي هناك تغييب للعمل الجماعي، مما يولد عدم الرضى والاقتناع بأهمية العمل، الذي يتولد من خلال المشاركة في اتخاذ القرار. فتقييم السير الداخلي للإدارة بخصوص المسؤولين الكبار تراتبيا، يعطي 47,4% كونهم سلطويون وفق البحث الوطني حول الشباب والإدارة الذي انجز العام فبراير 1998 من طرف المجلس الوطني للشباب والمستقبل.
فغياب المشاركة والحوار والتشاور يؤدي في أقل الأحيان إلى النشوز فيفقد التسلسل الإداري معناه على حد تعبير العالم دانييل لوشاك DANIEL LOCHAKمما يؤدي إلى التساؤل حول مدى الانسجام والتعاون والتنسيق بين مختلف هذه العقليات الادارية؟
تعتمد الإدارة الفعالة الأداء للموظفين، على تفعيل وتشجيع الاتصال المستمر والإيجابي والشراكة فيما بين الرئيس ومرؤوسيه، والاهتمام بمساعدتهم على تحقيق أحسن وأفضل النتائج في عملهم من أجل استيعاب جميع المتناقضات في المرفق. وبالتالي على الرئيس توجيه الموظف وتقديم الدعـم والمساندة له بكافة الطرق والأشكـال الممكنة والمناسبـة، واستمرار وتشجيع التواصل الإيجابي فيما بين الرئيس ومرؤوسيه.
أما وضعية المرؤوس، وهنا حيث السلسلة يطالها التفكك وعدم الانسجام، فيكتفي باليومي أو الروتيني وليس له أي فضاء للخلق والإبداع، وحتى إذا توفرت لديه هذه القدرة فإنها تصادر أمام وجود عقلية متحجرة. وهكذا وحتى يضمن الحفاظ على منصبه، هو الآخر يكيف سلوكه وسلوك رئيسه من خلال التملق أو الاستعطاف، وبالتالي يستطيع التأثير على رئيسه من خلال إحاطته بهالة من المدح والأبهة، كسلوك يترجى من ورائه امتيازا معينا، كالترقية أو التغاضي عن بعض سلوكياته، كالتغيب والكسل في العمل أو الارتشاء، أو التظاهر بكونه اليد اليمنى للرئيس إلى غير ذلك من صور التملق والاحتيال. والغريب في الأمر أنه بمجرد مجيء هذه العقلية أو تلك، أو بمناسبة اتخاذ هذا القرار او ذاك، تبدأ المجاملات، وكون الرئيس الجديد أحسن بكثير من سابقيه والقرار المتخذ هو الرشيد (…)، وهو نفس الشيء الذي قيل وعومل به سابقوه.
ومن خلال الاطار القانوني المعمول به لتنقيط وتقييم الفعل الاداري لموظفي الدولة؛ نجد أن عملية التقييم تقوم على مجموعة معايير ومستويات موضوعية لتقييم أداء الموظفين على ضوء أهداف ومهام محددة سلفا، وقابلة للقياس والتحقق خلال فترة زمنية معقولة. وعملية تقييم أداء الموظفين ليست غاية في حد ذاتها؛ وإنما هي وسيلة لتمكين الموظفين من التعرف بدقة على أهداف وتوقعات الإدارة، وعلى مســتوى أدائهم ومساهمة الموظـف في أدائه للمهـام المنوطة به في تحقيق الأهداف المرسومة بأقصى فاعلية وبأقل تكلفة ممكنة. مما يمكن من تحديد معوقات الأداء والعمل على إزالتها، ومجالات وطرق تحسين الأداء الفردي والمؤسساتي التي ينبغي التركيز عليها. حالا واستقبالا مع وتوفير بنك معلومات لنتائج تقييم الأداء الوظيفي أساسـاً موضوعياً لكثير من الحاجيات الغير مشبعة المتعلقة بالموارد البشرية مثل منح الترقيات والمنح والعلاوات الدورية والأوسمة، ومختلف امتيازات المرفق العام مثل النقل، والتدريب والتطوير في المهارات وغيرها.
من أجل المقارنة نورد كيف يتم تنقيط وتقييم عمل الموظفين في دول متقدمة؛ حيث تعتمد اجراءات عملية لتقييم اداء موظفيها يقوم على تقييم عمل الموظف من خلال المهارات والسلوكيات العامة على الشكل الموالي:
المستوى الأول لتقييم الأداء من خلال المهارات والسلوكيات العامة وإدارة الوقت وترتيب الأولويات ويقوم على المبادئ والمؤشرات التالية:
• المحافظة على سرية وأمن المعلومات وعدم الإدلاء بآراء سلبية تلحق الضرر بالإدارة.
• مدى استقلالية الموظف في القيام بمهامه الوظيفية وفق معايير الجودة والدقة المطلوبة.
• مدى الالتزام بالزي الرسمي والمحافظة على المظهر العام.
• مدى الالتزام بالمعايير الأخلاقية والتقيد بالسلوك السليم في معاملة كافة الزملاء والرؤساء والمتعاملين.
• مدى التميز في خدمة العملاء.
• مدى الفاعلية في العمل الجماعي وفرق العمل.
• مدى القدرة على استخدام الأنظمة المتخصصة في مجال العمل.
• مدى المعرفة بمتطلبات الصحة والسلامة المهنية.
• هل الموظف صاحب كفاءة عالية وملم بجميع متطلبات العمل ويشارك في تحقيق أهداف الإدارة.
• نسبة مساهمة الموظف غي تحقيق أهداف خطة العمل للقسم – المصلحة – القطاع – الذي يشتغل فيه.
• مدى الفاعلية في العمل الجماعي وفرق العمل.
• مدى القدرة على استخدام الأنظمة المتخصصة في مجال العمل.
• مدى المعرفة بمتطلبات الصحة والسلامة المهنية.
• هل الموظف صاحب كفاءة عالية وملم بجميع متطلبات العمل ويشارك في تحقيق أهداف الإدارة.
• نسبة مساهمة الموظف غي تحقيق أهداف خطة العمل للقسم – المصلحة – القطاع – الذي يشتغل فيه.
وتقوم علامة التقييم على منح علامة: ../20
أما المستوى الثاني لتقييم الأداء من خلال المهارات والسلوكيات العامة فتقوم على المؤشرات والمعايير التالية:
الامتثال للأوامر و إتباع التعليمات.
الانضباط والامتثال للوائح المعمول بها.
الحدس والإبداع في العمل.
الدقة والالتزام بمهام العمل.
العمل بروح الفريق والتعاون.
وقوم معدل الأداء الرئيسي على منح مؤشر تحديد المستوى علامة من: 1 إلى 5.
هذا، ويهدف التقييم بالأساس تحقيق الاهداف التالية:
1. تحقيق الاستخدام الأمثل للموارد البشرية بأقصى درجة من الفعالية على ضوء الأهداف والرؤية المستقبلية في اطار السياسة العامة للحكومة.
2. بيـان وتوضيح توجهات وتوقعات الإدارة المتعلقـة بأداء كل موظـف.
3. مشاركة الموظفين في تحديد الأهداف وتطوير معايير الأداء والمناقشة الإيجابية أثناء عملية التقييم المستمر لنتائج الأداء، ووضع الخطوات المحددة للارتقاء بمستوى أدائهم الوظيفي.
4. المتابعة المستمرة والتوجيه من قبل الرئيس لمرؤوسيـه في أدائهم وسلوكهم في العمـل، وبيـان الجوانب الإيجابية التي يجب تشجيعها، والجوانب السلبية التي يجـب تحسينهـا.
5. تحديد الاحتياجـات التدريبيـة والتطويرية لمهارات كل موظف.
6. توفيـر قاعـدة معلومات ضرورية لترشيـد عملية اتخـاذ القرارات المتعلقة بإدارة الموارد البشريـة.
وفي اطار عملية التقييم يتم توظيف عدة آليات منها: التقييـم متعدد المصـادر الذي يعرف بما يسمى 360 درجة او التغذية العكسية او الراجعة: ويهدف تعظيم الجوانب والمهارات التطويرية للأداء الوظيفي من خلال تقييم وتوقعات أطراف أخرى مثل الزملاء في العمل والمتعاملين مع الادارة او المرفق الموردين والمقاولين والسلطات الموازية في النشاط المرفقي.
بالإضافة الى المراجعـة المستمرة للأداء؛ حيث يتم اســــتكمال عملية إدارة الأداء بالتركيز على مجالات الأعمال التي تـم إنجازهـا، والمجالات التي ينبغي تطويرهـا، وبيان الأهداف المتوقعة للفترة القـادمـة.
أما نظام التنقيط في المغرب؛ فيشير الى نقطة عددية سنوية لكل موظف يباشر وظيفته أو ملحق لذى الإدارة. “ترجع سلطة التنقيط فيه إلى رئيس الإدارة الذي يعطي سنويا لكل موظف يباشر وظيفته أو ملحق بإدارة أخرى نقطة عددية مشفوعة بنظرة عامة يعبر فيها عن قيمته المهنية ويسوغ لرؤساء المصالح القيام بهذا التنقيط بموجب تفويض”. وفق مقتضيات نظام تنقيط وتقييم أداء موظفي الإدارات العمومية الذي يخضع لمرسوم رقم 1367-05-2 بتاريخ 2 دجنبر 2005 والذي دخل حيز التطبيق ابتداء يناير 2006 بعد نسخ بعض الفصول منه (3-4-5- الفقرة الثانية من الفصل 6 – 7-14-15-16) من المرسوم الملكي رقم 68-988 الذي يحدد تنقيط وترقي موظفي الدولة بعد التحول الذي عرفته الإدارة المغربية. والمرسوم الملكي رقم 68-988 الصادر بتاريخ 17 ماي 1968 بتحديد مسطرة التنقيط وترقي موظفي الإدارات العمومية في الرتبة والدرجة.
كما خول المشرع المغربي رئيس او مدير الإدارة أو السلطة المخول له ذلك بموجب تفويض طبقا لمقتضيات الفصل الثاني من المرسوم رقم: 1367-05-2 وكذا الفصل الثاني من المرسوم الملكي رقم: 68-988 ؛ سلطة تقديرية لإقرار نقطة عددية سنوية لكل موظف يباشر وظيفته أو ملحق لذى الإدارة يعمل تحت اشرافه او امرته.
وقد وسع المرسوم الجديد من سلم التنقيط وعناصره فجعل النقطة متراوحة ما بين النقطة: 0 و20 بدل النقطة الممنوحة: 0 و3؛ موزعة على خمسة عناصر وهي:
1. إنجاز الأعمال المرتبطة بالوظيفة (من0 إلى5)،
2. المردودية (من0إلى5)،
3. القدرة على التنظيم (من0 إلى3)،
4. السلوك المهني (من0 إلى4)،
5. البحث والابتكار(من0 إلى3)،
وفقا للمادة 2 من مرسوم رقم 1367-05-2)، مع إمكانية تغيير النقطة المحدد لكل عنصر من العناصر المذكورة شريطة الاحتفاظ بمجموع النقط الجزئية الذي هو علامة: 20؛ وذلك اعتبارا لخصوصيات المهام المسندة لبعض الفئات من الموظفين شريطة عرض هذا التغيير على وزارة تحديث القطاعات العامة للتأشير عليه طبقا لمقتضيات المادة الرابعة من المرسوم السالف الذكر.
كما قام المشرع المغربي في هذا المرسوم الجديد بتوسيع مجال مستويات أداء الموظفين ورتبها عبر خمسة مميزات تمنح حسب النقطة المحصل عليها وهو ما سيمكن من اعطاء مجالا أوسع وأدق لقياس أداء الموظف وهذه المميزات تتمثل في الميزات التالية:
1. علامة ممتاز: (النقطة ما بين 18و20)،
2. علامة جيد جدا: (النقطة تساوي أو تتجاوز 16 وتقل عن 18)،
3. علامة جيد: (النقطة تساوي أو تتجاوز 14 و تقل عن 16)،
4. علامة متوسط: (النقطة تساوي أو تتجاوز 10 وتقل عن 14)،
5. علامة ضعيف: (النقطة تقل عن 10)،
وذلك وفقا لمقتضيات المادة 5 من مرسوم رقم 1367-05-2، مع الاخذ بعين الاعتبار نسق الترقي في الرتبة بحسب معدل النقط المحصل عليها في السنوات المطلوبة والتي تخول للموظف نسق ترقي على شاكلة:
1. نسق ترقي سريع: (معدل يساوي أو يفوق 16 نقطة)،
2. نسق ترقي متوسط: (معدل يساوي أو يفوق10 و يقل عن 16 نقطة)،
3. نسق ترقي بالأقدمية (معدل يقل عن 10 نقطة).
وتضمن هذه النقطة في بطاقة سنوية تسلم لكل موظف موجود في وضعية القيام بمهامه قبل فاتح أكتوبر من كل سنة.
أما الموظف الملحق فتوجه بطاقة تنقيطه من طرف إدارته الأصلية، إلى الإدارة الملحق بها قبل فاتح شتنبر من كل سنة لتعبئتها وإرجاعها إلى الإدارة الأصلية بعد القيام بالمطلوب.
أما إذا وضع حد لحالة الإلحاق للموظف خلال السنة، فإن رئيس الإدارة الملحق لديها يوجه إلى الإدارة الأصلية فور نهاية الإلحاق تقريرا عن نشاط المعني بالأمر خلال المدة المنصرمة، وتحتوي بطاقة التنقيط على هوية الموظف والنقط والميزات الممنوحة له، معدل النقطة المحصل عليها، نسق الترقية في الرتبة وتوقيع رئيس الإدارة و تدرج هذه البطاقة في الملف الإداري للموظف.
وقد أعطى المشرع المغربي الحق للموظف بالاطلاع على النقطة الممنوحة له، كما أعطى للجنة الإدارية المتساوية الأعضاء نفس الحق (الفصل 28 من الظهير الشريف رقم 1.58.008) مع تمكينها من الاطلاع على الملاحظات المهنية والخاصة المدرجة في تقرير التقييم وعند الاقتضاء طلب إعادة النظر من جديد في النقطة العددية الممنوحة لأحد الموظفين أثناء النظر في جدول الترقي (الفقرة 2 و4 من الفصل 10 من المرسوم الملكي رقم 68-988).
لكن هذا يبقى مجرد تنصيص لا اساس له من التطبيق على ارضية الواقع.
وهكذا بمجيء عقلية إدارية جديدة وبمجرد توليها المنصب تعمد إلى عقد اجتماع على مستوى مديرياتها أو أقسامها أو مصالحها أو مكاتبها، غالبا ما تقتصر على رؤساء هذه المديريات أو الأقسام أو المصالح أو المكاتب، وإن كانت على مستوى الوزير تقف عند مستوى المفتش العام والكاتب العام ورؤساء الدواوين دون الباقين، فيأخذ الكلمة في شكل “خطاب” أو “محاضرة” يتكلم باسم الجمع : نحن: سنعمل على تغيير، إصلاح … سنقوم بـ …. سنتولى …. سنتعاون … أو يأخذ الخطاب شكل العنف والثورة الاندفاعية المشفوعة بالوعد والوعيد، حيث تبدي العقليات الإدارية الجديدة إلمامها بكل ما يجري بالمرفق، كونه سمع أو يعرف ذلك ولو لم يسبق له أن شغل ذلك المنصب أو حتى جهله بقواعد اللعبة، إلى غير ذلك من المغالطات المنطقية؛ لا يلبث أن ينتهي بعرقلة عمل المرفق مستقبلا: وذلك نتيجة ضعف هذا النوع من العقليات الإدارية كما وكيفا.
وفي الغالب يلجؤون إلى نهج أسلوب اللجان للتهرب من المسؤولية أو تقاسمها مع الآخرين؛ وهذا فيه نوه من انعدام الشجاعة والجرأة في اتخاذ القرار؛ وليس عملية إشراك الكل في اتخاذ القرار. وقد أدان جلالة الملك هذا الاسلوب من اللجان في الادارة من خلال هذا المقتطف من خطاب جلالة الملك محمد السادس: “إنني في الحقيقة، لا أميل شخصيا لإحداث اللجان الخاصة؛ لأنها أحسن طريقة لدى البعض، لدفن الملفات والمشاكل.
وبقدر ما يبعث ذلك على الارتياح، للثقة التي يحظى بها المغرب، فإن القيود التي تفرضها بعض القوانين الوطنية، والخوف والتردد، الذي يسيطر على عقلية بعض المسؤولين؛ كلها عوامل تجعل المغرب أحيانا، في وضعية انغلاق وتحفظ سلبي.
فالذين يرفضون انفتاح بعض القطاعات، التي لا أريد تسميتها هنا، بدعوى أن ذلك يتسبب في فقدان مناصب الشغل، فإنهم لا يفكرون في المغاربة، وإنما يخافون على مصالحهم الشخصية”. انتهى كلام جلالة الملك.
وهذه العقليات غالبا ما تقتصر بمناسبة تسليمها للسلط عن استفسار سابقتها عن مواطن الاغتناء في المرفق، أو عن الأشخاص الثوريين المتمردين في المرفق أو الزبناء، ولم تسأل، ولن تسأل أبدا عن مواطن الضعف في المرفق، والصعوبات ووجهة النظر في الحلول المقترحة بحكم التجربة السابقة على الأقل، كإرادة ورغبة في الإصلاح والتغيير.
ونتيجة هذا التواتر في السلوك والعقليات أصبحت الإدارة تشمل عدة أصناف من العقليات على الشكل التالي:
1. إطار كفء: يبقى عدوا قادرا على زعزعة مصالح وتغيير عقليات،
2. إطار غير كفء، لكن هناك من يدعمه، يبقى أمامه كل الاحتمالات في الاستفادة من امتيازات الإدارة.
3. إطار كفء بالإضافة إلى تواجد من يدعمه، يتوفر على كامل الحظوظ في الترقية والامتيازات التي تمنحها الإدارة.
4. إطار غير كفء وليس هناك من يدعمه، يبقى مهمشا عبر العلاقات السائدة، وسيط التملق والمحاباة، رهن إشارة الكل. أو مع عدم كفاءته، ورغم ذلك يقاوم من أجل البقاء والحفاظ على منصبه.
5. ظاهرة “الإخوانية” أو “الأكثر تدينا” الذي يبقى في انعزالية داخل الإدارة.
6. العنصر النسوي في الإدارة بسلبياته بإيجابياته.
في خضم هذه العلاقات السائدة لهذه الفسيفساء من العقليات الإدارية، عوض أن يسود جو التعاون والتنسيق فيما بينها يفتح المجال للتسلط والإقصاء وابعاد العديد من الفعاليات والكوادر الإدارية، وعدم الاستفادة من خبراتها وطاقاتها وإمكاناتها في العطاء والتنمية الإدارية.
فهناك إذن وضعية بسيكولوجية، حيث إن العديد يعيش وضعية مزرية مع عقلية الزملاء في العمل، النفاق، الحسد، الوشاية، التملق، الغيرة، الخداع وما إلى ذلك، داخل منطق الحماقة في المكاتب، حيث يحس أن بإمكانه أن يعمل أكثر ويعطي أحسن، وحتى من رئيسه، لأنه يقع على عاتقه فعلا كل العمل الإداري، أما رئيسه فيبقى هو المستفيد من مواهبه، إنها سرقات موصوفة للعمل الذهني.
وبتوالي القهر والإقصاء الممنهج وتهميش الكفاءات وإبعادها ودفنها تحت أطنان من الضغط المعنوي والتهميش والنسيان وخلق المناورات والاشاعات والشكايات المجهولة والوشايات… وغيرها بين العقليات حيث تسود لغة الصمت، و”تلك أخطر مؤامرة تعيق الأمم والشعوب عن التطور وبناء تاريخها الحضاري، ويزداد هذا الأمر صعوبة إذا علمنا أن جل المسؤولين الإداريين الساميين ببلادنا لم يتجاوزوا عتبة الصمت” على حد تعبير “هايدجر”.
وهنا نطرح السؤال حول مدى مصداقية التقييم المتعدد المصادر لأداء الموظف؟ ومن يقوم بتقييم اداء الموظف؟ هناك عدة مصادر لتقييم الأداء الوظيفي على سبيل الحصر: المشرفون، الزملاء، الموظف المراد تقييم أدائه وكدا مرؤوسي الموظف وأشخاص من خارج الادارة كالمتعاملين مع المؤسسة او السلطات الموازية. لكن هل الرئيس المباشر هو المصدر الوحيد المؤهل لتقييم أداء مرؤوسيه؟
هناك رؤية طرح ترى أن الرئيس المباشر هو الوحيد القادر على تقييم أداء وأفعال العاملين تحت إمرته، وذلك للمبررات التالية:
1. هو الأكثر معرفة بقدرات الشخص المراد تقييمه بحكم احتكاكه اليومي به.
2. امتلاك معرفة واسعة عن متطلبات أداء الوظيفة.
3. توافر الفرصة للملاحظة المستمرة لأداء الموظف وسلوكه أثناء العمل.
هل الزملاء يعتبرون مؤشرا او معيارا او مصدرا لتقييم أداء زميلهم في العمل؟
من خلال العمل المشترك الذي يجمع الموظف بزملائه في العمل؛ فهم يعرفون نقاط ضعف الموظف ونقاط قوته. وبالتالي يعتبر زملاء الموظف من احدى المصادر للمعلومات عن أداءه.
هنا يجب استحضار العوامـل الموضوعيــة لتقييـم الأداء الوظيفــي :
أن يتم التقييـم على أســــاس الحقائـق التي يتم تســـجيلهـا بانتظـام خلال فترة التقييـم، وليس على خلفيـة حالة أو واقعة معينـة.
تجنب التأثر بالمشاعر الشخصية، قدر الإمكان، أثناء عملية التقييـم.
أن يكون هدف التقييـم لصالح العمل، دون إغفـال احتياجـــــات وتوقعــات الموظف ومســــــاعدته على تطوير أدائه وسلوكه من خلال النقد البناء والنقاش والتواصل المستمر.
إعطاء الوقت الكافي لإعداد تقرير الكفاءة.
أن يتم تقييم الأداء بناء على الأهداف والمهام المنوطة بالموظف، وليس اســـتناداً إلى مقارنتـه بغيره من الموظفين الآخريـن.
هل المرؤوسين مصدر موضوعي لتقييم اداء رئيسهم؟ هل يستطيع هؤلاء المرؤوسين إعطاء معلومات غير مغلوطة عن مدى نجاح وكفاءة الرئيس في قيادتهم وتوجيههم؟ لكن ماهي العوامل التي تؤدي إلى لغة الصمت والخوف وإغماض العينين؟
– هناك الخوف من فقدان المنصب، في ظل الوضع الحالي للقضائي يجعل كلا من الرئيس والمرؤوس على قدم المساواة.
– ليس هناك بديل عن التوظيف كوسيلة ارتزاق.
– وحتى لو افترضنا وجود عناصر تسبح ضد التيار؛ وفقا للقول: “لو أن سلالة القنافد ماتت أو حتى انقرضت، من يقف أمام المتسلط ويستطيع أن يقول له أنت ظالم، تبدر المال العام وتتعسف في السلطة ومرتشي وفاسد…”. يبقى وضعها المستقبلي والاجتماعي غير مضمون، تحت ضغط الانتقادات التي تتهمهم بالفوضى وأبسط اتهام يوجه لها: عبارة الإخلال بواجب التحفظ، وأن الوضع هو دائما هكذا ومتعارف عليه ويتوسلون بعظمة مسؤول سابق عمل على وضع هذا التقليد؛ أو الاستشهاد كون الاغلبية أو الكثرة تقبل بذلك، أو هذا هو آخر ما يوجد أو تعمل به المرافق في الدولة، أو يواجهون باجتهاد إداري سابق، مع أنه قد يكون خاطئا… لتأتي جهة معينة اليوم او غدا وتعمل على تغييره!
– أو لربما عقلية توسط لها في ولوج الوظيفة أو تولي المنصب، وبالتالي لا تستطيع الخروج من جوف النقيض أو تشكل الابن العاق لمن توسط لها.
وأمام هذا الوضع الشاد يتولد الشعور بالخوف فيؤدي إلى الصمت والنسيان والتخلي وترك “حليمة تتمادى في عاداتها”.
وهكذا فمشكل الإدارة المغربية في المقام الأول هو مشكل عقليات وأشخاص مشخصين، أي مشكل له ارتباط بالطابع الإنساني للإدارة والحلول بطبيعتها لن تكون إلا حلولا إنسانية واجتماعية ونفسية بالأساس، وذلك بالتأثير على عدة متغيرات، كالكفاءة والحيوية والاختيار والحوافز وتوجيه سلوك وعقليات الأفراد، لكن أيضا في إطار الديمقراطية التي تبقى مشروطة بنوع من العزم وقليل من الصرامة لمعرفة مدى تأثير ذلك على النشاط والعمل الإداريين في أفق القضاء على علاقات أكثر خطورة من هذه والتي تتجلى في العلاقات الفجائية الما بين أشخاص؛ حيث أن البحث المعمق في العلاقات الفجائية يقود إلى حقيقة مفادها أن السبب الرئيسي في انحطاط وتخلف المغرب يكمن في تنامي هذه العلاقات الفوجوية بين العقليات الإدارية فيما بينها من جهة، وبين باقي الأشخاص من جهة ثانية.
كيف تنامت وتتنامى هذه العلاقات؟ وماهي مكانيزمات استمراريتها؟ وهل يمكن الحديث عن قطيعة تؤدي إلى تفتت هذه العلاقات، في إطار الشفافية والموضوعية وبعيدا عن التناحر والحزازات التي يمكن أن تخلفها هذه القطيعة؟ من هي هذه الفئة التي ستكون مؤهلة لتخرج من جوف النقيض؟ وبالتالي تجاوز عقلية التواطؤ؟
تتولد العلاقات الفجائية عن طريق الصدفة، فهي مجرد سلوك لا يخضع لأي منطق أو تنظيم قانوني في الإدارة، التي يخضع عملها، نظريا، للشرعية والمشروعية بعيدا عن محاباة الأقارب والأصهار. أو الوساطة في تقديم الخدمة للغير.
فجانب القرابة والمصاهرة في الفعل الاداري المغربي؛ يمكن فهمه نظريا العمل والنشاط الإداريان يتمان في إطار الموضوعية، أي في إطار القانون وفي إطار الحياد كمميزات ومبادئ أساسية تقوم عليها القاعدة القانونية التي هي عامة ومجردة، واجتماعية وضابطة للسلوك وأيضا المساواة، والاستمرارية “والمجانية”، كمبادئ تحكم نشاط المرافق العامة في الدولة. إلا أنه يحصل وتتخذ السلوكيات غير ذلك فنجد “… النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم ضيم … إذ نعرة كل أحد على أهل ولائه وحلفه للألفة التي تلحق النفس من اهتضام جارها أو قريبها أو نسيبها بوجه من وجوه النسب، وذلك لأجل اللحمة الحاصلة من الولاء مثل لحمة النسب أو قريبا منها …”
وهكذا فكثيرا ما نجد المصاهرة كانت آلية لضبط النسق، كزواج من يتكلم إحدى اللهجات المخالفة للهجته (زواج من يتكلم الأمازيغية أو الشلحة بمن تتكلم العربية …) وهي حقيقة في كثير من الأحيان أدت إلى التعايش الاجتماعي والسياسي بين أطراف فئات المجتمع خاصة قبائل الأرياف والجبال أو كما يقول ابن خلدون في مقدمته : “أهل الأمصار كثير منهم ملتحمون بالصهر يجدب بعضهم بعضا”.
إلا أن الحياد المطلوب في العقليات الإدارية يتنافى وهذا الوضع وحتى ابن خلدون نفسه يقول: “النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر والنسب أو الصهر يبقى أمر وهمي لا حقيقة له”.
إذن ما معنى الميل للأقارب والأصهار وحمايتهم؟
فمنذ حصل المغرب على استقلاله تشكلت العديد من النخب في شكل تكتلات، متناقضة غدتها الانقسامات السياسية والثقافية والاجتماعية أي فسيفساء من الفاعلين وأطراف اللعبة، حيث هناك أصدقاء “التحرير والمقاومة” وبداخلهم انقسامات، هناك أجيال من نفس الفوج درسوا جميعا إما بالداخل أو الخارج ” هناك التقارب العائلي، أو الانتماء لنفس الجسم الإداري ثم هناك فئة أخرى استطاعت الاندماج إما لولائها أو توسط لها وبالتالي لا تستطيع الخروج والتنكر للجهة التي توسطت لها؛ وهنا نميز بين “الوساطة” بمعنى التدخل لدى … والوساطة الإدارية بمعنى التحكيم، أي مؤسسة الوسيط التي تعني التدخل بين بعض الوحدات الإدارية من قبل وحدة إدارية ثالثة في شكل تحكيم ينتج عنه قرار إلزامي، أو موقف استشاري، كما هو الشأن بالنسبة للوسيط في السويد Ombudsman وفرنسا le médiateur.
وهكذا تشكلت فئة تابعة، وهناك علاقات بين هذا الجسم الإداري وذاك في إطار المجاملة أو في قضاء المصالح كدين في عنقك اليوم، وستسدي لي خدمة ربما مستقبلا.
فعنصر جانب الوساطة في الفعل الاداري المغربي؛ يقود إلى مجموعة من العلاقات تمر عبر قنوات، إما عبر خلية من الطفيليين السماسرة أو عبر الهاتف أو الاتصال المباشر.
فعبر الهاتف يتم الاتصال بين العقليات الإدارية؛ ولقضاء المصالح يمهدون لذلك باستحضار مرحلة الدراسة واللعب عندما كانوا أطفالا -وفي الحقيقة هم لازالوا كذلك -أو الحديث عن إحدى جلسات القمار… إلى غير ذلك، بعد هذا التمهيد من هذه العقلية أو تلك تبادر احداها بطرح السؤال المألوف: “هل هناك حاجة نقضيها؟”
أما السماسرة الطفيليين فهم دائما متواجدين بقرب تلك العقليات الإدارية التي يقصدها المواطن، والتي يعاني للحصول على هذه الوثيقة أو الرخصة أو تقديم تلك الشكاية أو القرض…، من شتى صور العنف، وهنا حدث ولا حرج عن ظاهرة الارتشاء وبكل ما في الكلمة من معنى.
القاعدة القانونية في ظل هذه السلوكيات تبقى موقوفة التنفيذ، فإما أنك ترفض دفع “الإتاوة” غير القانونية، آنذاك عليك أن تتحمل توابع القاعدة القانونية التي في الحقيقة تتم عرقلتها من خلال المساطر والإجراءات الإدارية، أو العكس قبول دفع الإتاوة غير القانونية، آنذاك تعرف سيرا طبيعيا أو حتى قطع المراحل وتجاوز القانون.
فلماذا لا يذهب المواطن مباشرة فتقدم له الخدمات، دونما هذه الوساطات وسيلته الوحيدة هي القانون، والعمل الإداري نظريا يجب أن يتم في إطار المشروعية ما يطلق عليه دولة الحق والقانون؟
هناك تفسيرين لهذا الوضع:
الأول: سلوك وعقلية الإدارة في تعقيد والإجراءات الإدارية.
الثاني: تحايل المواطن على القانون، وذلك إما لكونه يريد استفادة أو امتيازا أكبر أو لعدم قدرته على تحمل تبعات القاعدة القانونية، والتي في الغالب غير منبثقة من الواقع السوسيولوجي، أو لم تكن وليدة اكتناف معين أو لجهله بها. حتى مبدأ “لا يعذر أحد بجهله القانون”، مبدأ يعمل به في المنظومة القانونية، صحيح، ولكن كيف يمكن تصور المبدأ في مجتمع نسبة الأمية فيه تفوق 62%؟
هناك إذن تواطؤ. في ظل هذه العلاقات والسلوكيات والعقليات تعرقلت التنمية، وعلى جميع المستويات:
– على المستوى السياسي: نجد دور هذه العلاقات في الانتخابات، وتولي المناصب العليا، الامتيازات والمصالح المتبادلة …
على المستوى الاقتصادي نجدها حاضرة في الصفقات العمومية، في الضريبة. حيث إغماض العين عن هذا وإعفاء ذاك وتطبيق المسطرة على الآخر وأيضا في التهريب، في الاستفادة من القروض إلى غيرها.
على المستوى الاجتماعي، وهنا الحضور المكثف للعلاقات الفجائية، في التوظيف في الحصول على الرخص والشواهد الإدارية، التطبيب، القضاء، … إلى غيرها.
والعلاقات الفوجوية تتغدى في استمراريتها بالإضافة إلى “نشاطها الاقتصادي غير المنظم”، من سلوك الأشخاص، بحيث كل عقلية إدارية إما تتولى المناصب ولها اقتناع مسبق في الاغتناء [نجد هذا السلوك بكثرة لذى المنتخبين] أو فعلا تريد الاصلاح والتغيير، لكن تصادف واقعا معينا فتكون مضطرة لتكييف سلوكها معه دون أن تغيره أو تصلحه.
إذن هناك قوى وراء هذه الاستمرارية، لكن هل يمكن الحديث عن التجاوز أو خلق قطيعة مع هذه الأساليب السائدة؟
هناك إمكانية التجاوز، تجاوز التواطؤ، بوجود فعاليات وكفاءات، لو سمح لها أن تتولى مهمة الإشراف والتدبير ومن موقع المسؤولية في اتخاذ القرار، ستخرج فعلا من جوف النقيض، يساعدها في ذلك قلة المتاح من الموارد الذي أصبح لا يقدر على تحمل المزيد من التدبير، ولكن فقط العقلنة والترشيد. وهنا سؤال يفرض نفسه: كيف ذلك؟ النشاط الإداري من سياسات، خيارات وبدائل لا يمكن تصوره في إطار العمل الانفرادي، ولكن في إطار إرادة الجميع، على أن تتحول هذه العلاقات الفجائية بين العقليات إلى مراقبة ومساءلة ديمقراطية فيما بينها، على ألا تتحول إلى حزازات وتناحر وتشكيل جبهة للإطاحة بهذه الجهة أو تلك، كالبحث في ماضيها أو نصب شرك لها، لا لشيء، فقط، لمجرد مشاكل شخصية أو عدائية.
صحيح ان هناك بنية الاختلاف في التوجهات، لكن هناك الحد الأدنى للتوافق، وتنازل هذه الجهة أو تلك تحت ضغط خدمة المصالح العليا للجميع.
إمكانية التجاوز ممكنة والأمثلة كثيرة في هذا القطاع او ذاك، بحيث إذا أريد التغيير والإصلاح، فلا أحد يستطيع أن يمانع، اللهم الأخطاء في التنفيذ التي قد تحول دون الاستمرارية.
كما أن التجاوز الشامل لا يمكن تصوره من منظور استعجالي، ولكن يمكن أن يتمفصل؛ فعلى المدى القصير، حيث يتم القضاء على أسلوب التواطؤ في الصفقات والضريبة والتوظيفات، وعلاقة الإدارة بالمواطن. أو على المدى المتوسط والمدى البعيد حيث تحقيق التنمية الإدارية ومعها الاكتفاء الذاتي وتحقيق المصالحة بين الدولة / الإدارة ومحيطها الاقتصادي والاجتماعي.
وإذا كانت هذه هي العلاقات داخل نفس الجسم الإداري، فكيف هو يا ترى الوضع بين مختلف هذه الإدارات؟
باحث (*)





