سعيد الغماز
كارثة بكل المقاييس هي ما تعرض له لبنان بانفجار مرفأ بيروت. الانفجار كان ضخما يفوق كل التوقعات، وآثاره امتدت للبنايات المجاورة من مستشفى ومنازل وشركات ومحلات تجارية، وتوقيته كان جد سيئ لتزامنه مع أزمة شاملة تمر بها البلاد لم تترك لا مجال السياسة ولا مجال الاقتصاد ولا مجال المال حيث بلغت الليرة اللبنانية مستويات قياسية في الانخفاض ولا المجال الاجتماعي حيث يُعاني معظم اللبنانيين من وضعية شبيهة بالفقر إن لم نقل هو الفقر بعينه. حدث الانفجار ولبنان يواجه التحرشات الإسرائيلية على حدوده الجنوبية وفي سمائه بانتهاك سيادته الجوية. حدث انفجار مرفأ بيروت وشوارع المدينة تشهد تظاهرات تطالب بالتغيير ومحاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين. بعيدا عن الصور المؤلمة التي تناولتها وسائل الاعلام الدولية والأشرطة التي ملأت وسائل التواصل الاجتماعي مبينة حجم الانفجار وحجم الدمار الذي خلفته الكارثة، بعيدا عن كل ذلك، يكفينا أن نعرف أن 2750 طن من مادة “نيترات الأمونيوم” الشديدة الانفجار متواجدة في ميناء بيروت منذ مصادرتها في 2014، لندرك قوة وحجم الدمار الذي يمكن أن يخلفه هذا الانفجار.
وبعيدا عن حجم الرقعة الأرضية التي شملها الدمار والتي تم تصويرها من السماء، يكفينا أن نعرف أن 70% من تجارة لبنان الخارجية تمر من هذا الميناء وأن جميع الاحتياطات الغذائية المُخَزنة في المرفأ على رأسها القمح أصبحت فاسدة وغير قابلة للاستهلاك، لندرك حجم الكارثة الاقتصادية التي حلت بالبلد، وندرك كذلك حجم الحقبة الزمانية التي سيتحملها اللبنانيون للتعافي من آثار هذه الكارثة. التقديرات الأولية لحجم الخسائر تتراوح بين 10 و15 مليار دولار وهي تقديرات قد تكون الخسائر الحقيقية أكبر منها بكثير، لكنها تبقى رقما تقديريا يُشكل حوالي 27% من الناتج الداخلي الخام للبلد، وهي نسبة تعكس مرة أخرى حجم الكارثة التي هزت البلد.
إذا أردنا تحديد المسؤول عن هذه الكارثة فإننا نقول بأنها مسؤولية ثنائية الأبعاد. المسؤولية الأولى تقع على عاتق الإهمال والتقصير الذي لم يبالي بتواجد مادة شديدة الانفجار بجانب مرافق حيوية للدولة اللبنانية وبجوار تجمعات سكانية كبيرة وسط المدينة وفي ظروف تخزين لا تُراعي مواصفات السلامة التي يجب اعتمادها في مثل هذه الحالات. كثير من التحليلات والتصريحات تسير نحو معرفة الشخص أو الأشخاص المسؤولين عن هذه الكارثة لمحاسبتهم ومحاكمتهم. لكن الإهمال ليس شخصا آدميا وإنما هي عقلية وفيروس ينتشر في مؤسسات ودواليب الكثير من الدول كما ينتشر فيروس كوفيد 19 في مجتمعاتنا.
المسؤولية الثانية، وهي ما يجب أن تُركز عليه التحقيقات، قد يكون لها طابع إجرامي لخلق واقع معين وخلط الأوراق في مجتمع لا تكاد تلمس جانبا منه إلا وتراه يَئن من شدة الألم.
في الختام نقول إن الإهمال موجود على نطاق واسع في عالمنا العربي، لأن عقلية المسيرين لشؤون شعوبهم والمدبرين لمصالح مواطنيهم لا يبرحون مكاتبهم المكيفة وسياراتهم الفاخرة، علما أن المجتمعات التي تبحث عن التنمية وتطوير شروط عيش المواطنين تُسْنِد المسؤوليات لمن يَخرج للميدان بنفسه ويُرسل اللجان المختصة، تُراقب وتُلاحظ وتقف على الثغرات وسوء التسيير ثم يقوم هو بعملية التقويم. وعلى كثير من دول العالم العربي أن تعرف أنها ليست في مأمن مما وقع في لبنان، وعليها أن تقوم بعملية افتحاص واسعة وشاملة والأكيد أنها ستجد عجبا وتقف على واقع لم يكن في الحسبان. أما الدول النامية فلسنا في حاجة للحديث عنها لأنها حاربت الإهمال في بداية نهضتها ووضعت آليات تحميها من عودته ولو بمقدار.
عندما نقرأ لمفكر الفلسفة السياسية جون جاك روسو الذي قال بضرورة تغيير “المسؤول” إذا قام بتغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، وكان ذلك في القرن الثامن عشر، نفهم لماذا يُراكم الغرب المنجزات التنموية ويراكم العالم العربي الكوارث والحروب والصراعات اللامتناهية.
لم أجد عزاء لضحايا انفجار مرفأ بيروت سواء من قضا نحبه أو من هو مصاب أو من أصبح بدون مأوى، سوى مقولة جون جاك روسو “القوانين الجيدة تؤدي لخلق قوانين أفضل، والقوانين السيئة تؤدي إلى قوانين أسوأ”





