تفكيك لغز الدعم وثراء اللوبيات بناءً على أرقام مجلة ملفات: تحقيق في ميزان الحكامة والمحاسبة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.

 

 

اعتماداً على الأرقام الدقيقة والمعطيات الصادمة التي أزاح عنها الستار التحقيق الاستقصائي الأخير لمجلة ملفات المغربية لم يعد ملف تدبير الدعم العمومي مجرد إجراء اقتصادي ظرفي أو عابر بل تحول إلى قضية رأي عام وطني تمس مباشرة جيوب المواطنين وحرمة المال العام. إن القراءة المتأنية في سلسلة القيمة وكشوفات التجارة الخارجية وقواعد بيانات مكتب الصرف تضعنا أمام تساؤل أخلاقي ومهني حارق: كيف تحول دعم الدولة الموجه لتخفيف العبء عن الأسر المغربية إلى وقود يغذي أرباح شبكات المصالح والوسطاء؟ وكيف تتبخر آلاف المليارات من السنتيمات دون أثر ملموس على الأسواق؟

وفي هذا السياق وبصفتي صحفياً مغربياً مقيماً في إيطاليا يتابع عن كثب وبعمق مسارات الشأن السياسي والاقتصادي الوطني أجدني مدفوعاً بالمسؤولية المهنية والواجب الأخلاقي لتقديم هذه القراءة التحليلية في تفاصيل تحقيق مجلة ملفات وهو التحقيق الذي يستحق صناعه كل التحية والتقدير على جرأتهم المهنية في تعرية الواقع. إن هذه القراءة هي رسالة واضحة تؤكد أن مغاربة العالم رغم البعد الجغرافي وسياسات الحيف والإقصاء والتهميش الممنهج التي تحاول بعض الجهات فرضها عليهم لم ولن يكونوا يوماً بعيدين عن هموم المواطن داخل أرض الوطن. إننا نتابع بقوة ونرصد بوعي لنكون صوتاً للحقيقة في مواجهة من يتبنون سياسات دعم المطبلين ودعاة قولوا العام زين والذين يحاولون حجب شمس الواقع بغربال التضليل مؤكدين أن روح المواطنة الحقة لا تلغيها المسافات ولا تطمسها محاولات الإقصاء.

تُظهر البيانات الرسمية وفواتير الشحن اللوجستي الصادرة عن مكتب الصرف المغربي والتي وثقها تحقيق مجلة ملفات أن تكلفة نقل رأس الغنم الواحد من إسبانيا إلى الأسواق المغربية تراوحت بدقة بين 300 و400 درهم. وعند إخضاع هذه العملية لمعادلة الحساب الاقتصادية البسيطة: خصم قيمة الدعم الحكومي المباشر البالغ 500 درهم للرأس والممول بالكامل من جيوب المغاربة دافعي الضرائب وإضافة مصاريف النقل واللوجستيك نجد أن السعر الحقيقي والمنطقي لرأس الغنم المستورد في الرحبة كان يجب ألا يتجاوز حدود 1300 إلى 1700 درهم كحد أقصى.

إلا أن الواقع الميداني كشف عن مفارقة صارخة وصادمة إذ بيعت هذه الأغنام الإسبانية للمواطنين المغاربة بأسعار خيالية تراوحت ما بين 2100 و4500 درهم للرأس بل إن الصنف المتوسط 55 كيلوغراماً بلغ سعره 5200 درهم وفق مؤشرات وزارة الفلاحة ذاتها. هذا الفارق الشاسع يعري بوضوح كيف تم جرف أثر الدعم الاجتماعي بالكامل لتستقر تلك الملايين في حسابات اللوبيات كأرباح صافية بدلاً من أن تنعكس كانخفاض ملموس يحمي القدرة الشرائية للمستهلك المغربي البسيط في لحظة دينية واجتماعية حرجة كعيد الأضحى. وتكشف بيانات مكتب الصرف لشهري يناير وفبراير أن الخروف الإسباني كان يلج الجمارك بمتوسط ثمن 52 درهماً للكيلوغرام حوالي 1400 درهم للرأس بينما كان يخرج من المذابح بـ 96 درهماً ليصل للمواطن بـ 134.6 دراهم مسجلاً فارقاً سعرياً غير مبرر يتجاوز 64 درهماً للكيلوغرام الواحد ابتعلته اللوبيات المستوردة.

الجانب الأكثر إثارة للقلق في تشريح مجلة ملفات يكمن في تتبع النزيف المالي الإجمالي الموجه للاستيراد والدعم وتعليق الرسوم الجمركية. فبينما تحاول الحكومة حصر التكلفة في أرقام الدعم المباشر تكشف وثائق التحقيق المستندة إلى وثائق إدارة الجمارك ومكتب الصرف عن أرقام فلكية تنازلت عنها ميزانية الدولة وتكبدتها الخزينة العمومية كخسائر ضريبية وجمركية مباشرة حتى نهاية سنة 2025:

قطاع الأغنام: 6.4 مليارات درهم (642 مليار سنتيم) جراء وقف استيفاء رسم استيراد الأغنام منذ أكتوبر 2022 وحتى سبتمبر 2025.

قطاع الأبقار: 22.3 مليار درهم (2230 مليار سنتيم) جراء وقف استيفاء رسم استيراد الأبقار وعجول التسمين (تحت البند الجمركي المعياري 0102.29 الذي كان يخضع تاريخياً لتعرفة حمائية تصل إلى 200% وضريبة قيمة مضافة بـ 20%).

المجموع الكلي الفلكي: 28.7 مليار درهم (ما يناهز 3 آلاف مليار سنتيم) هو حجم النزيف المالي الفعلي الذي ضاع على الخزينة العامة طيلة السنوات الثلاث الماضية وحتى نهاية سنة 2025 لصالح كارتيلات الاستيراد دون أي أثر ملموس على المعيش اليومي للمواطنين.

وتتبدى الفضيحة التدبيرية والتناقض الصارخ عند مقارنة هذه الأرقام بما قدمته وزارة الاقتصاد والمالية في جوابها الرسمي على الفرق البرلمانية خلال إعداد مشروع قانون المالية حيث ادعت الوزارة أن وقف استيفاء الرسوم قد كلف الدولة 2.12 مليار درهم فقط حتى أكتوبر 2024 في حين تكشف إعادة تركيب البيانات الفعلية للواردات أن سنة 2023 وحدها كبدت الخزينة خسارة ناهزت 5 مليارات درهم مما يوضح زيف السردية الحكومية التي تحاول الاختباء خلف أزمة التضخم المستورد.

لكي نفهم كيف يتبخر الدعم فكك تحقيق مجلة ملفات ظاهرة اقتصادية خطيرة تُعرف بالاندماج والتركيز العمودي الحاد داخل القطاع الفلاحي. إننا لا نتحدث عن سوق حر يخضع لقانون المنافسة الشريفة بل عن بنية ريعية تحتكر فيها مجموعات اقتصادية محدودة ونافذة جل مفاصل سلسلة الإنتاج والتوريد. نفس المجموعات هي التي تستورد الماشية والقمح وهي التي تدير المطاحن وصناعة الأعلاف التي تمثل وحدها 65% إلى 70% من كلفة الإنتاج وهي التي تقود عمليات التوزيع النهائي من الموانئ إلى المجازر مباشرة متجاوزة الأسواق المحلية لتعظيم أرباحها.

لكن الصدمة الأكبر التي حملها تقرير مجلة ملفات تكمن في هندسة هذا الريع سياسياً حيث كشف تفريغ اللائحة الجمركية لـ 178 مستورداً لعام 2024 عن وجود 96 شركة تأسست بصيغة المساهم الوحيد أي شركات الشخص الواحد المعفى من الشركاء والمعقدات القانونية SARLAU وهو ما يمثل 53.9% من إجمالي المستفيدين. والمثير للريبة السياسية أن 88 شركة من هذه الشركات تم تفريخها وتسجيلها في السجل التجاري فوراً وفي غضون أيام معدودة من صدور القرار الحكومي بوقف استيفاء الرسوم في 19 أكتوبر 2022 وشكلت شركات الشخص الواحد هذه حوالي 68% منها (بواقع 60 شركة).

هذا التناسل السريع لشركات الورق والواجهات القانونية التي عُدلت أنظمتها الأساسية فجأة لإضافة بند استيراد الماشية يكشف أن الأمر يتعلق باقتناص كعكة إعفاءات مضمونة الربح تسيطر عليها أسماء ذات امتدادات سياسية وحزبية معلومة داخل أحزاب التحالف الحكومي التجمع الوطني للأحرار الأصالة والمعاصرة الاستقلال والاتحاد الدستوري مستغلين نفوذهم البرلماني والمؤسساتي في غرف التجارة والجماعات لفرض احتكار مطلق أدى عملياً إلى اغتيال المنافسة الحرة.

إن الخطورة الحقيقية التي تكشفها القراءة المتقاطعة للتقارير الاقتصادية تتجلى في أن هذه الهيمنة لا تقتصر على قطاع الماشية وحده بل تمتد لتشمل قطاع اللحوم البيضاء الدواجن والأعلاف المركبة الذي يعيش تحت وطأة افتراس اقتصادي هادئ تقوده الفيدرالية البيمهنية لقطاع الدواجن وتكشف معطيات تحقيق مجلة ملفات عن تداخل مصلحي فج حيث تنضوي تحت نفس المظلة جمعية مصنعي الأعلاف وجمعية المحاضن مما يجعل المستورد والمنتج والمسمِّن خصماً وحكماً في آن واحد.

ورغم تراجع أسعار الحبوب الذرة الصويا والقمح في بورصة شيكاغو العالمية خلال سنتي 2024 و2025 وعودتها لمستويات ما قبل الأزمة وتراجع كلفة الشحن الدولي رفضت الكارتيلات المحلية خفض الأسعار وحافظت على سعر العلف في حدود 4.5 دراهم للكيلوغرام. وبحسبة علمية بيولوجية فإن الدجاجة تستهلك 4 كلغ من العلف لتزن 2 كلغ وباحتساب كلفة العلف 17 درهماً واللقاحات 2 درهم والمصاريف التقنية والنفوق 2 درهم فإن كلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد من الدجاج لا تتعدى 17 إلى 18 درهماً غير أن تواطؤ المحاضن الكبرى عبر اللجوء إلى الوسطاء والسماسرة والشناقة طبعا لتعطيش السوق وتخفيض العرض ضداً على القانون رقم 49.99 قفز بأسعار الكتاكيت الفولس من 3 دراهم تاريخياً إلى 14 درهماً ليدفع المستهلك والمربي الصغير الفاتورة مضاعفة بينما ابتلعت الشركات الكبرى الملايين المستوردة من سلالات الأمهات أكثر من 7 ملايين كتكوت أمهات استوردت في 2024-2025 من فرنسا وإسبانيا وأمريكا تحت غطاء الإعفاءات الضريبية دون أي انعكاس على المواطن المغربي.

إن هذا التغول المالي يتشابك أيضاً مع قطاعات استراتيجية أخرى كالمحروقات والطاقة حيث تسيطر شركات محدودة جداً على حصص وازنة تتجاوز 46% من السوق الوطنية تتقدمها شركة رئيس الحكومة وشركات قيادات حزبية أخرى مما يوضح أن منظومة النفوذ تمتد كحلقات مترابطة حيث يضخ الدعم العمومي 7.9 مليارات درهم كدعم لقطاع النقل استفادت منه كبار شركات النقل المنضوية تحت لواء CGEM في حسابات الكارتيلات بينما يؤثر غلاء الغازوال تلقائياً على كلفة الإنتاج الفلاحي ليدفع المستهلك النهائي الفاتورة مضاعفة.

ويحيل هذا الوضع على نقاشات سابقة أثارتها التقارير الرقابية للمؤسسات الوطنية مثل تقارير المجلس الأعلى للحسابات ومجلس المنافسة والتي نبهت في محطات مختلفة إلى خطورة الممارسات الاحتكارية وتضارب المصالح وغياب المنافسة الحقيقية في الأسواق الحيوية بل ووصل التغول إلى حد ممارسة فيتو سياسي لمنع تشكيل لجنة لتقص تقصي الحقائق في البرلمان حول تبديد أموال دعم المواشي والتعتيم على قرارات بنك المغرب في واقعة الثلاثاء الغامض 21 مارس 2023 عندما حاول والي البنك عبد اللطيف الجواهري رفع سعر الفائدة إلى 3% لكبح التضخم البنيوي والمحلي الذي ضرب البلاد وكسر حاجز 10.1% فواجه ضغوطاً سياسية شرسة من الباطرونا والحكومة لحماية مصالحهم الحصرية.

ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقررة في 23 سبتمبر 2026 تكتسب هذه المعطيات والفضائح المالية بعداً مصيرياً يضع الوعي السياسي للمواطن المغربي على محك الاختبار. إن مواجهة ممارسات الفساد والريع لا تتم فقط عبر رصد الاختلالات بل من خلال صناديق الاقتراع وفرز نخب قادرة على تحمل المسؤولية الوطنية بنزاهة. إن المرحلة القادمة تتطلب نضجاً مجتمعياً يقطع الطريق أمام خطابات التضليل ويجعل من حماية المال العام والقدرة الشرائية للشعب المعيار الأساسي لاختيار من يستحق قيادة الحكومة المقبلة بعيداً عن تغول المصالح الضيقة لبعض الكيانات الحزبية التي اغتنى أصحابها على حساب المعيش اليومي للمغاربة وهو الاحتقان الذي تجسد ميدانياً ورقمياً عبر منصات التواصل الاجتماعي من خلال الأرقام القياسية التي سجلها وسم أخنوش_ارحل معيداً إلى الأذهان ذكريات حملة المقاطعة لسنة 2018.

من جهة أخرى تحمل هذه التجاوزات الموثقة في تحقيق مجلة ملفات إشارات تحذيرية بالغة الأهمية تستدعي تدخلاً حازماً من مؤسسات الدولة السيادية والرقابية إذ إن استمرار مثل هذه الاختلالات في تدبير الدعم العمومي لا يقتصر أثره على الجانب الاقتصادي والاجتماعي الداخلي فحسب بل يسيء بشكل مباشر إلى سمعة المملكة المغربية وصورتها كمواكبة لمبادئ الشفافية والحكامة الجيدة أمام الشركاء الدوليين والمؤسسات المالية العالمية إن تحصين المكتسبات الوطنية وإعلاء سيادة القانون يقتضيان تفكيك هذه اللوبيات كخطوة أساسية لتعزيز الثقة في المؤسسات وصون الاستقرار المجتمعي.

إن القيمة الحقيقية للصحافة الاستقصائية الرصينة لا تقف عند حدود التشخيص بل هي بمثابة مادة تشخيصية معروضة أمام الأجهزة الرقابية والقضائية وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات ومجلس المنافسة. إن حماية القدرة الشرائية للمغاربة وصون حرمة المال العام تقتضي اليوم الانتقال الفوري من مرحلة الرصد إلى مرحلة المحاسبة والمتابعة الصارمة والعقاب. لم يعد مقبولاً أن تظل دفاتر التحملات مرنة وغير خاضعة للمراقبة البعدية أو أن يلوذ المسؤولون بالصمت كما فعل الكاتب العام لوزارة الفلاحة الذي تملص من الإجابة عن مراسلات الصحافة حول لغز اختفاء 250 ألف رأس من الأغنام كفارق بين أرقام الوزارة 386 ألف رأس والأرقام الفعلية لمكتب الصرف الجمركي 136 ألف رأس في عيد سنة 2023.

إن المرحلة تتطلب تدخلاً حازماً لفرض الشفافية المطلقة ونشر لوائح الشركات المستفيدة وتحديد سقوف ربحية صارمة لكل مادة تحظى بالدعم العمومي. وبدون تفعيل حقيقي ومقدس لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ستظل السياسات العمومية تفتقر للأثر الاجتماعي المطلوب وستبقى المصالح الضيقة للحيتان الكبرى هي الحاكم الفعلي للأسواق.

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا من حراس الأمانة وصوت الصدق في كل وقت وحين واحفظ بلادنا من كل سوء ومن شر الفاسدين ومن والاهم.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...