الدكتور عبدالله شـنـفـار : التفكير الإستراتيجي التوقعي من خلال التموقع لفائدة المستقبل 2/2

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 
بقلم الباحث الدكتور عبدالله شـنـفـار (*)

نتساءل لماذا تقع لدينا الإعاقة في تصريف وتنزيل فكرة مشروع استثماري نحمله بين طيات أفكارنا في اطار التخطيط الاستراتيجي؟ منذ الإعداد للمشروع؛ مرورا بالمصادفة عليه ووصولا إلى التنفيذ؛ وانتهاء بالمراقبة والتقييم والتصحيح؛ المشروع الاستثماري يتطلب الاجابة على عدة اسئلة يمكن اختزالها فيما يلي؛ حيث لابد أن نعرف: ما هي طبيعة هذا المشروع؟ وما هي مجالاته؟ وما هي واقعيته؟ وما هي حدوده؟ ماذا لدينا من الموارد المالية والبشرية والمتطلبات والمشاكل والمعيقات والاكراهات…؟ ماذا نريد أن نفعل؟ ماذا نقدر على فعله؟ كيف ومتى نفعل او نتبنى هذا المشروع او ذاك، حتى نستطيع إنتاج وخلق وتحقيق الثروة والربح؟ ماذا عن مختلف عوامل الانتاج المتدخلة في المشروع؟
لقد بدأ الجدل الفكري حول نهاية “مقاولة” الدولة بمناسبة محاضرة ألقاها فرنسيس “فوكو ياما” عام 1989 بجامعة شيكاغو تحت عنوان: “نهاية التاريخ”، تناقلتها وسائل الإعلام من مجلات وجرائد، حين دافع عن نظرية الدولة الليبرالية التي اعتبرها الحد الأقصى الذي بلغ أوجه والسوق للجميع.

فهل يمكن الحديث عن نهاية التأمين الاجتماعي؟ أي التخلي لفائدة الجهوي والإقليمي والمحلي لتدبير شؤونه بنفسه دون تدخل من الدولة؟ هل مختلف جوانب التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والإداري وغيرها تحيل إلى نهاية “مقاولة” الدولة، أم ما تزال هناك حتمية الدولة؟

فالحرب لم تعد بالسلاح، بل أصبح الأمر يتطلب التحكم بهندسة الفكر لخدمة سلاح التبعية بكل أنواعها. فهناك عدة نماذج في تأمين الحياة الفردية والجماعية، كالنموذج الأوروبي، النموذج الأسيوي، النموذج الأمريكي، النموذج الإسلامي، وحتى النموذج الدكتاتوري… إلى غير ذلك من النماذج المتبعة. وقد احتد الصراع على أشده بين النموذج الرأسمالي والنموذج الاشتراكي، الذي انتهى بتلاشي هذا الأخير، وربما يأتي مقال “فوكو ياما” تتويجا أو إعلانا لهذا التفوق أو التلاشي، وإقرارا بامتياز النمط الديمقراطي الليبرالي الأمريكي والحد الأقصى وقوانين السوق، وبالتالي فصل مجال السياسة عن مجال الاقتصاد.
لكن هل يمكن الحديث عن نهاية الدولة كآخر مقاولة وتطلع وأفق وصل إليه الإنسان؟ إن أزمة الدولة في أوروبا الغربية والشرقية تجلت في تفكك الدول السوفيتية، واليوغسلافية والتشيكوسلوفاكية، مما أدى بالعديد من الباحثين إلى التساؤل حول حتمية الدولة من عدمها، أو اعتبار المرحلة مجرد انتقال إلى اللا-دولة، أي مدى غياب أو حضور الدولة بحكم تنامي السياسات العمومية المحلية والجهوية، في ظل العولمة.

فقوانين السوق وإدارة الاقتصاد وتنامي وسائط التواصل الاجتماعي جعلت من العالم ككل مجرد قرية صغيرة جدا، بينما المجال السياسي والاجتماعي والثقافي أصبح ينحصر في الدولة، سواء كانت متجانسة أو غير متجانسة. لذا أصبحت الدولة تفتقد لفعاليتها، بحيث فقدت الانسجام الذي كان بين مجال إدارة الاقتصاد وإدارة الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية. وهنا كانت تجد شرعيتها، أي من خلال عملية التنسيق الذي تتولاه. إلا أنها فقدت هذا التواؤم بين هذين العنصرين.
فقد حصل تناقض كبير، حيث إن الدولة التي قامت سابقا على أسس ونظم بورجوازية وطنية قد أنجزت فعلا اقتصادا برجوازيا رأسماليا متمركزا على الذات. لكن هذه النظم الإنتاجية الوطنية والجهوية والإقليمية والمحلية قد تفككت في الوقت الحالي وأعيد تركيبها في إطار منظومة إنتاجية معولمة، مما أدى إلى أزمة في مفهوم الدولة، وذلك ما نلاحظه في بعض الدول الأوروبية، بحيث سواء تعلق الأمر باليمين أو باليسار لا يستطيع اتخاذ أي قرار لا يتماشى ومنطق قوانين السوق الأوروبية المشتركة، بينما الوعي السياسي والثقافي والاجتماعي لا يسمح بإقامة دولة أوروبية موحدة وفرض إدارة سياسية موحدة بشكل أو بآخر، وبالتالي ما تزال مستقلة بعضها عن بعض على المستوى السياسي، بينما على المستوى الاقتصادي تمثل أجزاء من منظومة اقتصادية أوروبية مندمجة.

فقد شاهدنا كيف بنائب رئيس مجلس النواب الإيطالي يزيل العلم الأوروبي بسبب عدم مساعدة الاتحاد الأوروبي لإيطاليا في محنة جائحة كورونا. وكيف انسحبت بريطانيا. وكيف أدرجت إسبانيا نقطة بجدول أعمال دراسة ما بعد كورونا تتعلق بالموقف من الاتحاد الأوروبي أو موقع إسبانيا داخل الاتحاد.
وهذا ما يفسر بأنه ليس هناك نمط وحيد للديمقراطية، بل هناك أنماط عديدة من الديمقراطيات الغربية.

صحيح أن الغرب يتمتع بديمقراطية سياسية، احترام حقيقي لحقوق الإنسان وحتى الحيوانات، وممارسة ديمقراطية في المجال السياسي، وتعددية حزبية، وحرية الرأي، وحرية التعبير، وانتخابات غير مزورة على الأقل، وكذا الحرية في الاختيار وإرادة غير معيبة عن طريق شراء الأصوات… إلى غير ذلك.

فهل ينطبق الأمر على المغرب، بحيث سواء تعلق الأمر بحكومة التكنوقراط أو الكتلة أو الوسط أو الوفاق أو حتى في إطار الائتلاف، لا يكون بالإمكان اتخاذ أي قرار يهم الحياة الاقتصادية خارج إطار قوانين السوق والمؤسسات المالية الدولية والبنكية، حيث سياسة التقويم الهيكلي، وفي انتظار الشراكة مع المجموعة الأوروبية، في حين يبقى اتخاذ القرارات التي تهم الحياة السياسية والاجتماعية من اختصاص المجالس تتمتع فيه بالحرية الكاملة؟ هل يمكن التمييز بين قرارات تهم الحياة السياسية والاجتماعية وأخرى تهم الحياة الاقتصادية؟

من خلال استنتاجات أولية، يمكن القول إن هناك تلازما وتداخلا وجدلية اعتماد متبادل بين القرار السياسي والاجتماعي والقرار الاقتصادي، كيف ذلك؟ لنأخذ على سبيل المثال خيار الخوصصة الذي اتبعه المغرب. فهو قرار سياسي، حيث يحيل إلى تخلي الدولة عن تغطية بعض المجالات والتواجد في كل شيء كما هو في السابق، وفتح المجال للمبادرة الفردية، وبالتالي نهاية إيديولوجية الصالح العام. كما أنه قرار اجتماعي، بحيث نهاية وسيلة قانونية كانت تسمح بالوصول إلى المرفق العام، وهي المجانية وحماية الدولة الاجتماعية من خلال توظيف العائدات الضريبية في مجالات اجتماعية أخرى، والاكتفاء بدور المنسق في هذا الاتجاه. وهو أيضا قرار اقتصادي من خلال التأثير على السياسة المالية والنقدية وتعبئة المتاح من والمزيد من الموارد.

المغرب من خلال مصادقته على اتفاقية المنظمة العالمية للتجارة، ومن خلال العمل على تطوير سياسة اللامركزية والإنتاجية المحلية والجهوية، يكون يعيش حالة أو مرحلة انتقالية لتجاوز تلك الدولة الرؤوم، إلى تفويت وسيلة أداء في يد المحلي والجهوي لخدمة متطلبات التنمية بنفسه.
لكن ما هو الدور الذي سيبقى معترفا به للدولة في ظل هذه التحولات؟ يمكن تصور لعب دور المنسق، وهنا فقط يمكن تصور شرعية ومشروعية وجود الدولة، أي التنسيق بين عمل عدة قوى تعمل داخل المجمع، ولكن هذا التصور يبقى على المدى الطويل، بعد أن تكون قد قامت فعلا بمختلف الإصلاحات الشمولية.

لكن حينما نتحدث عن الإصلاح والتغيير، فهل بالضرورة يفترض طرح فكرة غياب أو حضور الدولة؟ هل تغيير الإدارة رهين بتغيير الدولة نفسها من خلال إدخال قيم ومثل جديدة؟ هل الإدارة الترابية من خلال النخب الجهوية والإقليمية والمحلية، وبحكم ثقافتها وقدراتها وإمكاناتها، قادرة على الاندماج في محيطها والتحكم وضبط المجال الترابي؟ كيف يمكن إعادة تحديد العلاقة بين الدولة وهذا الترابي؟ هل بقيام الدولة بما لا يستطيع الخواص القيام به، من تنمية ثقافة الصالح العام والسهر على مختلف التوازنات الاجتماعية والاستمرارية الترابية والوحدة والتضامن، أو من خلال لعب دور الضابط للنسق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي؟

هنا يمكن رسم صورة لهذه الحالة التي تعيشها الدولة في المغرب في علاقتها بالجماعات الترابية، من خلال ثلاثة سيناريوهات: إما قبول المجازفة بالتخلي لفائدة الجهوي والإقليمي والمحلي عن الاختصاصات في تدبير شؤونه بنفسه، أو اتباع سياسة التقويم الهيكلي أو القطاعي، وذلك من خلال إعادة النظر في علاقة المركز بالمحيط، أو القطيعة مع كل هذه السياسات المتبعة والتخلي عن التدخل، وذلك بإقرار سياسة جهوية ولامركزية حقيقية موسعة لفائدة الإقليمي والمحلي والجهوي.

فإذن هناك مخاض تعيشه الدولة من خلال تحديد الدور الذي يجب أن تلعبه الإدارة والجماعات الترابية في المجتمع وفي إطار المتاح من الإمكانيات وملاءمتها حتى تلعب دورها التنموي، من خلال إرادة القوى الفاعلة وأطراف اللعبة السياسية، بمن في ذلك المحاورون الاقتصاديون والمواطن. لكن هل يمكن الحديث عن استقلالية الدولة عن المجال الاقتصادي؟
إن تطور الدول الأكثر تقدما في جميع المجالات أصبح يفرض عليها فقط البحث عن التوازنات التنموية، بحيث وصلت إلى درجة من التضخم والاشباع في كل شيء، في الإنتاج، في التكنولوجيا، في مختلف الخدمات، وأيضا حتى في أزمة الوعي السياسي والثقافي… إلى غير ذلك، أي إنها أصبحت تحتضن مجتمعات متعايشة سياسيا واجتماعيا مقابل أخرى تنافسية اقتصاديا.
وعلى الرغم من كونها مهيأة من خلال بناها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لاستيعاب قوانين السوق، وبالتالي فاللحاق بها من طرف الدول الأكثر تخلفا يبقى مجرد لغة دبلوماسية، ستبحث لها على مزيد من الاستقطاب لهذه الأخيرة، ويتبين ذلك من خلال سياساتها المتبعة في المجال الاقتصادي.

فالولايات المتحدة الأمريكية تلجأ إلى البند 301 من مدونة التجارة للعام 1974، الذي يخول لوزير التجارة الأمريكي ردع كل ما من شأنه المس بالمصالح الاقتصادية والمنتجات والسلع لأمريكا. وقد شاهدنا الحرب الطاحنة حول منافسة منتوج التكنولوجيا “هواوي” ومنتوج التكنولوجيا “آبل”، وقبل ذلك مع منتوج التكنولوجيا “سامسونغ”.
اما “اليابان” فتعتبر النموذج الفعلي لحماية أسواقها، وذلك من خلال فرض مساطير وإجراءات إدارية جد معقدة، كاشتراط نسبة معينة في الجانب التقني والصحي في السلع والمنتجات المراد بيعها بالسوق اليابانية، وهذه الإجراءات والمساطير تتغير بسرعة فائقة يصعب ضبطها من قبل المستثمر الأجنبي، وكذا اشتراط بيع هذه السلع الأجنبية في محلات تجارية خاصة، بل وتمون في ملكية مواطن ياباني، مما يؤدي إلى ارتفاع التكلفة، وبالتالي الانسحاب بمحض الإرادة من السوق اليابانية.
أيضا من الأسواق المغلقة في وجه السلع الأجنبية، على الرغم من حرية التجارة العالمية، أسواق دول أوروبا الموحدة على الرغم من مصادقتها على قوانين المنظمة العالمية للتجارة، إلا أنها مع ذلك تلجأ إلى طرق حمائية لحماية اقتصاداتها وسلعها، من خلال السياسات الموحدة لحماية منتجاتها من المنافسة، وكذا سياسة الدعم والاحتكار… إلى غير ذلك من الإجراءات الحمائية المتخذة.

إن الرأسمالية العالمية لا تسمح باللحاق بهذه المراكز من لدن دول العالم الأكثر تخلفا التي لم تدخل بعد مرحلة الإنتاج التنافسي، وبالتالي فصناعتها غير قادرة على المنافسة على المستوى العالمي. فالعلاقات في إطار الاعتماد المتبادل تبقى غير ممكنة، لأن روح الرأسمالية وقوانين السوق تقوم ويحكمها الاستقطاب، فالسيطرة المجهولة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا على العالم، وجعله تحت نسق واحد، حسب توماس فريدمان الذي يرى أن العولمة الحالية ما هي إلا نوع من الهيمنة التي تقوم على الاستقطاب، بحيث إن لها تأثيرا كبيرا على حياتنا الاجتماعية والدينية والثقافية والاقتصادية والسياسية. وهذا ما يساعد في تشتيت وطمس المبادئ والقيم التي بنيت عليها الدولة. فبدلا من تطويرها، تعمل العولمة على تشتيتها من أجل سهولة استغلال الدول وخلق تبعيتها من خلال تغييب دور المجتمع داخل الدولة. وبالتالي فمشروع العولمة وانفتاح الأسواق سيؤدي إلى مزيد من تفاقم الأزمة الاقتصادية ومزيد من التهميش للحالة الاجتماعية في الدول المتخلفة.

فكيف نلبي الالتزام بالاتفاق الدولي ونوفق بين متطلبات الجانب الاجتماعي إذن؟ هناك عدة إصلاحات قامت بها الدولة من أجل تجاوز الأزمة وخلق حركية في مجال السياسات العامة، شملت ميادين عدة يمكن حصرها في متغيرات عديدة، كالعمل على تشجيع الاستثمارات الداخلية والخارجية، من خلال الدعوة إلى تبسيط المساطير والإجراءات الإدارية التي وإن كانت مهمة إلا أنها تؤدي إلى نزوع المستثمر وتثبيط هممه، وصدور مدونة الاستثمارات، وإحداث المحاكم التجارية التي جاءت بدل مشروع محاكم الأعمال. كما تم خلق منطقة للتبادل الحر بميناء طنجة المتوسط، وكذا التأثير على السياسة الضريبية كإلغاء الضريبة الازدواجية والاتفاق بين الأطراف حول ضمان الاستثمار. وبالموازاة مع ذلك قبل المغرب خضوعه للمادة 8 من مدونة صندوق النقد الدولي حول تحويل وتعويم الدرهم والمعاملات الجارية في التسديد والاستمرار في نهج سياسة الخوصصة وفتح المجال أمام المبادرة الحرة. وكذا تشجيع سياسة الجهوية واللامركزية، وذلك بإبعاد القرار المركزي شيئا فشيئا.

وهنا نتساءل هل هناك ما يخسره هذا المحلي أو الجهوي من خلال هذا الإبعاد أم لا بد من استراتيجية هذا القرار المركزي؟ وبعبارة أدق نقول هل وصلنا فعلا إلى مرحلة عدم تدخل الدولة؟ دولة أقل تدخلا أم دولة أكثر تدخلا؟

إن شرعية ومشروعية الدولة في تنمية المجتمع والأفراد وخدمة الصالح العام تبقى محل نقاش وتساؤل، بحيث إن سياسة الجهوية واللامركزية تحيل إلى الاقتصاد غير المتمركز، ويعني المنافسة واقتصاد السوق، بحيث يطرح التساؤل حول الاختيارات والبرامج وخطط العمل وعلاقة الجهوية واللامركزية ونوع التنمية الاقتصادية المراد الوصول إليها؛ إذ كيف تستطيع أن تراهن على نماذج تنموية تمكنها من امتياز الدخول إلى السوق العالمية؟ وما هو المعيار المعتمد أو الذي يجب اعتماده في توزيع الاختصاص؟ على أي مبدأ وأساس سيحدد الدور الجديد الذي ستلعبه الدولة؟ هل دولة وصية أم دولة مراقبة أم دولة منسقة أم دولة استراتيجية؟ وكيف سيتم الحسم في التقطيعات الإدارية، هل على أساس تجانس البنيات الاقتصادية والاجتماعية أم على أسس ديمغرافية وعرقية تتنافى بطبيعة الحال والمعطى الاقتصادي؟
إن المحلي والإقليمي والجهوي ينتظر دائما من الدولة أن تقدم له الوصفات الجاهزة حول برامج ومخططات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مع أن إدارة اليومي الجهوي والإقليمي والمحلي تعني المشاركة، وتحيل إلى المنشط الاقتصادي القادر على توجيه الاستثمارات ووضع الخطط التي تتلاءم وواقعه الاجتماعي والاقتصادي والجهوي والإقليمي والمحلي، وبالتالي فالذي يتوصل بالرسالة هو الذي عليه تحديد صندوق البريد.

إن العالم يعيش مرحلة انتقالية حول فصل مجال السياسة عن مجال الاقتصاد، إلا أن ذلك ينطبق على الدول الأكثر تقدما، أما الدول الأكثر تخلفا، ومن ضمنها المغرب، فالاستقلالية ممكنة، لكن مع وقف التنفيذ إلى إشعار آخر، بحيث مازلنا نحتاج إلى مزيد من تطوير الفرد والمجتمع والحماية الاقتصادية والاجتماعية للدولة. فإذا كانت ندوة “بريتن وودس” سنة 1944 انبثق عنها ميلاد مؤسسات مالية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وقابلية الدولار للتعويم سنة 1971، فإن الحرب الاقتصادية للتسعينات تتجاوز بكثير حرب العشرينات والثلاثينات، وبالتالي أصبح التساؤل يفرض نفسه بحده حول مدى مرونة اقتصاديات البلدان الأكثر تخلفا لما بعد هذه الجائحة؟

فإذا كانت دول جنوب شرق آسيا استطاعت اللحاق بالمراكز العالمية الاقتصادية الضخمة، فإن العديد من البلدان الأكثر تخلفا مازالت التنمية فيها متعثرة، ومن ضمنها المغرب، حيث لم تستطع الدولة تعبئة مواردها المادية والبشرية، رغم المحاولات المحتشمة، من خلال إنتاج يعتمد على الذات، لكن ليس اقتصاد الكمامات.
إن متطلبات التنمية تستدعي التحكم في السياسة المالية والنقدية، وذلك بالتأثير على مجموعة من المتغيرات، وعملية مفاضلة بين خيارات عدة، كسياسة الاقتراض الأجنبي أو الداخلي أو بنوعيه، السياسة الضريبية، سياسة التمويل بالعجز، الإصدار النقدي، سياسة الادخار الإجباري أو الاختياري، سياسة الخوصصة، سياسة اللامركزية والجهوية، والتحكم يفترض أيضا طرح التساؤل عن سبب اتباع هذا الخيار، ما هي نتائجه؟ وما هي آثاره على وفي تعبئة المتاح من الموارد؟

على مستوى النظريات والأدبيات الاقتصادية، والنقاشات التي تخللت التحليل والتطور الاقتصادي، نجد النموذج الكينزي الذي يعطي الأهمية لمحدد الصادرات لمضاعفة الإنتاج من خلال مؤشر الطلب، في حين النموذج التطوري للاقتصاديين الجدد يركز على شروط العرض والتكويم الرأسمالي ومؤشرات التوزيع والإتقان والتقدم التقني.
أما النظريات الحديثة فتدخل عنصر الرأسمال البشري من خلال تراكم وحشد المعرفة في وظائف الإنتاج على مستوى الاستراتيجية الصناعية، والتحكم في السياسة المالية والنقدية، ونوع وطبيعة الاستثمارات وقوتها من خلال التطور المنسجم والمتوازي، وكذلك طبيعة الأسواق والتوجهات والتخصص من خلال التصنيع وإنعاش الصادرات.
فإذا كانت الدول الأكثر تقدما تبحث الآن فقط عن التوازن التنموي، فإن الدول الأكثر تخلفا ما يزال أمامها تحدي الوصول إلى أحسن حال، أي أن تبلغ الأفضل وتعرف أكثر وأن يكون لها وجود أحسن.

وإجمالا، فإن متطلبات التنمية تبقى مسار تحولات في البنيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ونسق منسجم من الإحصائيات الاقتصادية والاجتماعية كأساس في كل خطة منظمة لعمليات التنمية في الدولة، من خلال الجماعات الترابية والمقاولات العمومية وشبه العمومية أو الخاصة، وذلك بإرادة نخبة سياسية، واقتصادية واجتماعية، وتكنقراطيه شجاعة، وفوضوية وجريئة، تحرك عمليات الإنتاج ورأس المال وتضبط السياسات المالية والنقدية وتواجه تحديات الظرفية العالمية المتغيرة باستمرار، في إطار جهاز إداري فعال.

ولعل الندرة والتخلف التنموي ليسا هيكليين في المغرب، وقد تكون متطلبات المنافسة حافزا على تحريك بعض الأنشطة غير المستخدمة، ولعل البديل يكمن في الجماعات الترابية في قيادة مسار التنمية في البلاد. فرهان السوق والمنافسة للمراكز الاقتصادية العالمية يتنافى كليا وسوء توزيع الاستثمارات والاختلالات الإدارية وسخف المؤسسات والفوضى في الشؤون المالية للدولة والإدارة وغياب سياسة مالية ونقدية ناجعة ومحكمة.

صحيح أن المنافسة وحرية المبادرة الفردية تتنافى والتوجيه، لكن يمكن تصور ذلك في البلدان الأكثر تقدما، أما في البلدان الأكثر تخلفا فالمبادرة الفردية وحرية المنافسة تبقى مشروطة بالخطة التنموية العامة ومستويات الرخاء في البلاد.
فتراجع الاهتمام بدور المرافق العامة يدخل ضمن استراتيجية تسعى إلى تقوية الرأسمالية، وحرية المبادرة، وبالتالي تراجع الدور المعترف به للدولة في العديد من الأنشطة الاقتصادية على الخصوص، على أن تحتفظ بدور الحماية الاجتماعية، لكن كيف تستطيع القيام بهذا الدور؟ أي دور المنسق الاقتصادي وتطوير الفرد والمجتمع في الوقت نفسه.

فالتطور السريع الذي تعرفه الظرفية الاقتصادية على المستوى العالمي والتغييرات الداخلية، منذ عقد الثمانينات وسياسة التقويم الهيكلي، لم يقف فقط عند حدود مس الأسس التقليدية لبنيات الدولة، بل تجاوز ذلك إلى تعرية الوجه المقنع للبنيات والهياكل التحتية التقليدية والهشة للاقتصاد الوطني، الذي كانت وراءه بطبيعة الحال السياسات العامة المنتهجة كأساس تقوم عليه هذه البني. فالاقتصاد العائلي أصبح متلاشيا أمام قوة المراكز العالمية وغير قادر على اللحاق بها.
فكيف يمكن مواجهة استقطاب هذه المراكز الضخمة؟ إن تشجيع الاستثمارات رهين بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، ووجود قوانين وأنظمة قضائية تؤمن أموال المستثمرين، وأيضا إصلاح وإعادة النظر في القوانين المنظمة للبنية العقارية في المغرب.

صحيح أن الإجراءات والمساطر الإدارية مرتبطة أحيانا بمشكل البنية العقارية بالمغرب، حيث تنوعها وتعددها وخضوعها للعديد من المتدخلين، لكن أيضا تبقى ضرورة تواجد جهاز قضائي فعال يضمن حقوق وحريات الأفراد، من خلال نظام قانوني ونظام قضائي منسجم من أجل تحقيق الأمن القضائي والقانوني.
وآنذاك تجد الدولة مشروعيتها، في توجيه وتوزيع الاستثمارات عبر التراب الوطني، بحيث إن معظم الاستثمارات لا تتجاوز المنطقة الصناعية الساحلية، التي تضم أزيد من 75% من الاستثمارات، مما أدى إلى تهميش باقي المناطق التي تعاني من ضعف البنيات التحتية والبطالة والهجرة نحو المدن الكبرى الصناعية. وعلى الرغم من محاولات الإدارة العمل على تشجيع الاستثمارات بالمناطق النائية، من خلال التسهيلات الضريبية، إلا أن غياب الوجود الفعلي للرقابة أدى بالمستثمرين إلى إحداث المقر بالمنطقة النائية للتحايل على دفع الضريبة، في حين الوحدة الإنتاجية يوجد مقرها بالمنطقة الصناعية. وأيضا غياب توجيه الاستثمارات أدى إلى تنامي مجتمع استهلاكي، حيث اقتصر الاستثمار على المنتوجات الغذائية الاستهلاكية.
في اتجاه آخر، عملت الإدارة على محاولة امتصاص البطالة في صفوف الشباب من خلال مقاولات الشباب أو الشباب المقاولين، إلا أن هذه التجربة على الرغم من أهميتها، إلا أنها تعاني من مشاكل تتمثل بالأساس في عدم القدرة على مواجهة المقاولات القديمة التي تستطيع أمام غياب مراقبة الإدارة أن تتملص من الضريبة من خلال الإنتاج غير المنظم والمعاملة في التهريب، فكيف يتساوى من يعمل في إطار القانون والذي يعمل في إطار الفوضى؟ فالمنافسة من المفروض أن تكون مشروعة، أما أن يسمح لهذا بما يمنع على ذاك، فتلك مفارقة كبرى!

إن التكويم الرأسمالي أمام ضعف الدولة في توجيه وحصر الالتزام بالقطاع العام وضعف الخوصصة التي يبقى لها أثر هامشي على مجموع النشاط الاقتصادي، يتعارض وخلق سوق كبيرة لجلب الرساميل من خلال الاستثمارات. فمقولة المغرب “التنين” المقبل، يقابلها أيضا “المستهلك المتوحش وليبراليته المتوحشة” الذي يجعل من المقولة مجرد لغة دبلوماسية أو شعار التفاهة في غياب إصلاح وتغيير اقتصادي واحتكار تنظيمي للمجالات والأنشطة الاقتصادية من خلال التحكم في السياسة المالية والنقدية.

نستنتج أن المشهد الغربي للديمقراطية يفصل بين نمط الديمقراطية السياسية وقوانين السوق التي لا علاقة لها بالديمقراطية والسياسة والحماية والعدالة الاجتماعية. لكن نحن في البلدان المتخلفة نحتاج إلى ديمقراطية تكون وسيلة أداء في يد المواطن من خلال النظم الجهوية والإقليمية والمحلية والإنتاجية للقيام بالإصلاحات اللازمة والضرورية، وبالتالي الاستجابة لمتطلبات التنمية المحلية.

باحث ومفكر مغربي (*)

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...