د. سعيد الغماز : فرنسا…والدرس التركي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

د. سعيد الغماز (*)

قبل عام 2000 كانت تركيا تعاني من أوضاع اقتصادية واجتماعية جد متردية، بل كانت البلاد على حافة الإفلاس. منذ ذلك الوقت شرعت تركيا في بناء ذاتها ووضعت من أجل ذلك العديد من البرامج لإصلاح الاختلالات وتطوير البنيات سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو تلك المرتبطة مباشرة ببناء الانسان وتجويد الموارد البشرية. كانت تركيا تراهن على الانضمام للاتحاد الأوروبي وهي في غاية الحماس لهذا المشروع الذي يحمل في نظرها جميع مقومات النجاح لأنه سيخدم مصالح تركيا كما سيخدم مصالح الاتحاد الأوروبي. ربما كان مصدر هذا الحماس هو انضمام دول من أوروبا الشرقية لهذا الاتحاد رغم أن وضعيتها الاقتصادية والاجتماعية كانت تتطلب استثمارا إضافيا لتستجيب هذه الدول لمعايير السوق الأوروبية. رغم تلك العوائق، تحمل الاتحاد الأوروبي فاتورة تأهيل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لتلك الدول ووافق على انضمامها لاتحاد القارة العجوز.

بالنسبة لتركيا الوضع مختلف، لأن ما قام به الاتحاد الأوروبي لتيسير انضمام بعض دول أوروبا الشرقية، قامت به تركيا اعتمادا على ذاتها، وبلغت من التطور والتأهيل الاقتصادي والاجتماعي ما يمكنها من الانضمام بسلاسة لهذا الاتحاد. كان انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي سيعود بالنفع على هذا الأخير دون تحمل أي أعباء مالية لتأهيل الاقتصاد التركي، وستستفيد كذلك تركيا من سوق تجارية كبيرة مما سيضمن لها موقعا جغرافيا لتوسيع نشاطها التجاري.
لكن المشروع التركي بالانضمام للاتحاد الأوروبي لم يكن بالبساطة التي كانت تتصورها تركيا الصاعدة. فإذا كانت ألمانيا أبدت مرونة كبيرة في تعاملها مع الطلب التركي، فإن فرنسا جندت كل ما في وسعها لعرقلت هذا الانضمام وسَعَت بكل قواها لإفشاله.

تَعَثر تركيا في الانضمام للاتحاد الأوروبي، وإن كان في صلب مشروعها النهضوي، لم يُثني من عزيمتها، بل استثمرت تركيا في أسواق أخرى فتحت لها المجال للتواجد في مناطق من العالم كانت بعيدة عنها جغرافيا واقتصاديا وسياسيا كل البعد، نخص بالذكر أسواق الشمال الافريقي ومنطقة الخليج وشرق آسيا. هذه الأسواق الجديدة جعلت تركيا تحقق نهضة تنموية شاملة ربما ما كانت لتحققها لو سارت في مشروعها القائم على أساس الانضمام للسوق الأوروبية.
الآن أصبحت تركيا قوة إقليمية بلغت من التطور الاقتصادي ما جعلها تكون لها مصالح تُدافع عنها على غرار ما تقوم به الدول الصناعية في أوروبا على رأسها فرنسا. تركيا تعرف جيدا أن تسريع نموها الاقتصادي والصناعي يمر عبر تخفيض فاتورة الطاقة وذلك بالبحث عن مصادر البترول والغاز الطبيعي. توسع تركيا في الأسواق العالمية بدل الاكتفاء بالسوق الأوروبية مكنها من إقامة علاقات مع العديد من الدول، وهي الآن تحاول استثمار هذه العلاقات في مشروعها الجديد للبحث عن مصادر الطاقة.

ما كانت تخطط له فرنسا بقيامها بعرقلة انضمام تركيا للسوق الأوروبية المشتركة، لم يُحقق النتائج المرجوة، بل عكس ذلك وجدت فرنسا أمامها دولة تتعامل معها بندية كبيرة بل وتستغل الأخطاء الفرنسية لتتعامل معها باستعلاء يحمل نبرة التفوق. فعلى سبيل المثال قامت تركيا بعقد اتفاقية مع الحكومة الشرعية في ليبيا المعترف بها دوليا، وصادق برلمان الدولتين على بنود الاتفاقية قبل دخولها حيز التنفيذ، مما أضفى عليها الشرعية الدولية. في المقابل ساندت فرنسا الجنرال العسكري خليفة حفتر ودعمته بالسلاح لاعتقادها أنه قادر على محاصرة طرابلس والاطاحة بالحكومة الشرعية. تدخلت تركيا وسلمت لقوات حكومة طرابلس طائراتها بدون طيار وساعدتها بالخبرة العسكرية. هذه الخطوات أعلنت عنها تركيا أمام المنتظم الدولي عكس فرنسا التي كانت تُخفي دعمها للإنقلاب العسكري في ليبيا. في أقل من شهر، استطاعت تركيا أن تقلب موازين القوى وتجعل الجنرال الانقلابي خارج اللعبة بضغط أمريكي، وهو ما جعل فرنسا في موقف حرج ولا تستطيع أن تتحدث عن الشرعية الدولية وهي بمواقفها تتواجد خارج هذه الشرعية. تُريد الآن فرنسا تصحيح أخطائها فوجهت دعوة لرئيس حكومة الوفاق الوطني لزيارة فرنسا.

الواقع الليبي جعل تركيا تثق في ذاتها بعد تفوقها على الخطة الفرنسية وتستغل الأخطاء الفرنسية الخارجة في مجملها عن الشرعية الدولية، لتسير قدما في مشروعها للبحث عن مصادر الطاقة.
سيناريو ليبيا قد يُعيد نفسه في شرق البحر المتوسط الذي تُنقب فيه تركيا على مصادر الطاقة اعتمادا على امكانياتها الذاتية. كعادتها قامت فرنسا بدعم اليونان وأعلنت عن القيام بمناورات بحرية مع اليونان وقبرص، لكنها لم تكن تأخذ بالحسبان قدرة تركيا على استغلال الصراعات الدولية واتقانها لكيفية التعامل مع التوازنات الدولية، وأعلنت بشكل مفاجئ عن إجراء مناورات بحرية مع الولايات المتحدة الأمريكية كرد قوي على الموقف الفرنسي. تركيا مصرة على مشروعها الطاقي في البحر المتوسط، وفرنسا أصبحت في موقف العاجز أمام المشروع التركي الذي يستمد قوته من الاتفاقيات الدولية، وهو ما جعل ألمانيا تتحلى بنوع من المرونة اتجاه تركيا وإن أبدت مساندتها لليونان بحكم عضويتها في الاتحاد الأوروبي. هذه المرونة الألمانية أضعفت أكثر الموقف الفرنسي.

نستفيد من الدرس التركي أن العالم لا يمكن أن يبقى مقسما بين دول متقدمة تستبيح خيرات الآخرين، ودول متخلفة تبيع خيراتها الطبيعية في شكلها الخام من أجل مواد مصنعة. فحركة التاريخ تتطور وليست مستقرة على حال واحد وهي سنة من سنن الكون. فالعالم يشهد صعود العديد من الدول التي نجحت في نموذجها التنموي ومن حقها الطبيعي البحث عن مصادر الطاقة كما فعلت في الماضي الدول المتقدمة ولا زالت تقوم بذلك، وإن كان الأسلوب مختلفا. فالدول الصاعدة ومن ضمنها تركيا، تبحث عن مصادر الطاقة في إطار الشرعية الدولية، عكس ما تقوم به الدول المتقدمة من تدخل سافر في شؤون الكثير من الدول. وما قامت به فرنسا من دعمها للانقلاب العسكري في ليبيا وما تقوم به في دولة مالي إلا نموذجا لهذا الاختلاف في التعامل مع البحث عن مصادر الطاقة، بين منطق يتعامل بروح التعاون جنوب-جنوب وفق مبدأ رابح-رابح، ومنطق لا زال يحن للعهد الاستعماري الاستبدادي.

باحث في التنمية وتكنولوجيا المعلومات والإتصال (*)

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...