رحم الله سيد قطب كان ظاهرة لافتة في الفكر الإسلامي الحديث.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

إدريس الكنبوري (*)

 

في مثل هذا اليوم تم قتل سيد قطب رحمه الله عام 1966 بأمر من الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر. لم ينصت عبد الناصر لجميع الوساطات التي قام بها ملوك ورؤساء وعلماء من العالم الإسلامي قاطبة من أجل التراجع عن الحكم الظالم، بل زاده ذلك حنقا لأنه فهم من تلك الوساطات أهمية سيد قطب والتقدير الذي يحظى بها عند الجميع.
المهم مات قطب ومات عبد الناصر ومات ذلك الجيل وانقرض ولم تبق سوى الأعمال.

سيد قطب كان ظاهرة لافتة في الفكر الإسلامي الحديث، فهو أول من أنزل النص الديني من معجم الفقهاء المتخصص إلى معجم العموم، وحول الخطاب الشرعي إلى خطاب أدبي يدخل قلوب الناس بسهولة دون تمنع، وحول المفاهيم القرآنية المجردة إلى مفاهيم سياسية متحركة في الواقع اليومي، وصاغ التكليف الشرعي برنامجا.
ولكن الرجل كان أقرب إلى الفيلسوف منه إلى الداعية المجند. فلم يكن يدافع عن تنظيم بل عن أطروحة قرآنية. ويمكنني القول دون مجازفة من موقعي كواحد من الذين درسوا سيد قطب مبكرا وعاشوا مع ظلاله، أن التصور السياسي الذي وضعه كان أكبر من جماعة الإخوان المسلمين ومن الضباط الأحرار الذين اقتربوا منه ثم حقدوا عليه لأن أطروحته كانت تتناقض وحاجاتهم.

هذا هو سيد قطب حقيقة. أما الإصرار على ربطه بالإخوان المسلمين فهو تقزيم له، وأعتقد لو أن الإخوان وصلوا السلطة آنذاك لربما كانوا خاصموه أو عزلوه أو سجنوه.
دليل ذلك أن فكره صدر عنه الكثيرون وغرف منه الجميع، وهذا لم يحصل مع أحد من الإخوان في ثمانين عاما، وعلى رأسهم البنا نفسه. غرف منه الإخوان بشتى تلاوينهم وخلافاتهم، فقد اختلفوا بينهم لكن اتفقوا على سيد قطب. وغرف منه السلفيون الجهاديون، وغرف منه المفكرون المسلمون، والدعاة، ومؤرخو الفكر، ورجال التفسير، والأدباء، وأصحاب التأصيل. فهو مدرسة لها أكثر من مستوى.
وقد اتهم سيد قطب بأنه كان متشددا، وتلك تهمة يمكن أن تفهم بطرق مختلفة. فما من مفكر إلا وهو حاسم في أمور متساهل في أمور وتلك طبيعة البشر. وسيد قطب كان حاسما في المفاهيم لكن كان متساهلا في التنزيل، لا يرى أن المفاهيم صلبة بل يعتبرها قابلة للمرونة.

الميزة الكبرى لسيد قطب أنه كان رجلا حالما يعيش داخل “طوبا القرآن” إن جاز التعبير، أي التصور القرآني للعالم الذي لا يمكن أن يتحقق لأنه السقف الأعلى للنموذجية، ولكن يتفاوت الناس فيه، الأدنى فالأدنى والأبعد فالأبعد، فهي نسبيات بشرية داخل المطلق القرآني.
وقد ضمن قطب هذا الحلم في “في ظلال القرآن”. وهذا ليس كتاب تفسير كما يظن البعض، أولا من حيث البنية لأن كتب التفسير تتبع الآية بعد الآية وتلاحقها بالتفسير والبيان، وقطب لم يصنع هذا الصنيع بل تعامل مع كل سورة بما يراه مناسبا لموضوعه فيقفز على آية أو أكثر، مؤسسا لما سوف يسمى التفسير الموضوعي. وثانيا لأن كتابه يطغى عليه الجانب الأدبي والفلسفي أكثر من الجانب العلمي، فلا يشغل نفسه بالآراء الفقهية إلا لماما، ولا يدخل في الخلافيات، بل يركز على الجوانب الفكرية والروحية، وهذا ما جعل المستوى العقدي أوضح فيه.
رحم الله سيد قطب.

كاتب مغربي (*)

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...