المسلمون اليوم بين الانفتاح على الحوار الخارجي والانغلاق على الحوار الداخلي.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

 

(*)محمد الهاشمي.

 

كلما زاد اتصال العالم ببعضه وتقاربت أطرافه ألحت الحاجة إلى الحديث عن التعايش والحوار بين مختلف الأطراف لكونه الوسيلة الوحيدة ليواكب الإنسان بروحه التقدم المادي والتقني، وإلا يكون الأمر كمن يسير بساقين إحداهما طويلة والأخرى قصيرة ولنا أن نتخيل مشيته، فعندما ننظر إلى الجانب المادي نراه مرتفعا مستويا على ساقه، لكن عندما يرتكز على قدم الجانب الإنساني نرى أن العالم لم يتقدم كثيرا عما مضى.

وفي هذا المقال أتحدث بصفة خاصة عن العالم الإسلامي ،لأسباب كثيرة – ليس هذا موضع ذكرها- أضحى حديث الحوار والتعايش “موضة” الساعة فكتب الكتاب وصرح المصرحون ودعا الدعاة وحاضر المحاضرون وناقش المناقشون و أذاع المذيعون وصور المصورون واجتمع الكل على مائدة عشاء على هامش المؤتمر في قاعة الفندق وأخذ الجميع شهادة مشاركة ليعزز بها سيرته وانتهت النسخة في انتظار نسخة أخرى، ويا للأسف! فهذا حال كثير من الملتقيات التي يمكن كتابة نتائجها وتوصياتها حتى قبل انعقادها، إن التقوت والاسترزاق بقضايا الأمة والإنسانية أضحى أمرا معروفا للعيان سواء كان الأمر من جهة الأفراد أو المؤسسات، وهذه الطريق عقيم لم ولن تنتج.

لكن الأمر الذي أود طرحه ليس هذه الآفة ولكنه متعلق بمسألة الحوار والتعايش؛ فالتركيز في الغالب الأعم على سؤال كيف نتعايش مع الآخر؟ كيف نقبل الاختلاف؟ كيف نتحد على أرضية المشترك الإنساني؟ وهي طبعا مواضيع مهمة ، لكن ألا نحتاج أولا إلى النظر حوالينا وإلى وسطنا الداخلي أولا ؟؟
يعد من النادر أو يعدم سماع انعقاد مؤتمر أو ملتقى عن الحوار الداخلي و التعايش بين طوائف المسلمين بمختلف توجهاتهم، ربما السبب يعرف بالإجابة عن سؤال ” من سيستفيد منها وما مقدار الدعم المتحصل منها؟؟ فحين الحديث عن الأزمة التي يكون الأجنبي طرفا فيها نسمع الحديث عن الحوار والسلم والحل السياسي و الشرعية الدولية… لكن في الأزمات الداخلية لا نسمع إلا “محاربة” و “حلف عسكري” و القضاء على الإرهاب و التطرف واللوائح السوداء …
وتسلل هذا الأمر إلى الوسط العلمي وإلى داخل أروقة الجامعات فنجد كثيرا من الأساتذة والباحثين يحملون معهم قالب تصنيف موحد يلتزمون به، فعند أول نقاش تجده يحاول تصنيفك ووضعك في خانة من خانات هذا القالب مركزا في ذلك على شخصك لاعلى أفكارك ومدى علميتها ومنطقيتها، علما أن كثيرا منهم يحملون قوالب تصنيف من خانتين فقط : معي إذن محق ووسطي… أو مخالف إذن متطرف، وهذا ما يصعب أمر فتح أي حوار أو نقاش مع هذه الأصناف.

إن من لم يتعايش مع نفسه لن يتعايش مع غيره إلا إن أجبر على ذلك بقوة الحديد وحينئذ يكون ذلك خنوعا واستسلاما وليس تعايشا بين ندين ونظيرين، وهو مانراه اليوم؛ فتجد المسلم يحاول التبرؤ من تهم لم يرتكبها ويحاول تصحيح صورة ليست له لكنه سلم بالمقدمات فألزم بتبرير ما بني عليها ولم يسعه الانسلاخ منها بعدها اشتهر بها وفشا بين الخلق التصادقها به.
نجد الدول الغربية تتعامل مع أكثر الكيانات التي توصف وتصنف عندها بالإرهاب وتجلس معها إلى طاولة الحوار،وأتحدث هنا عن إرهاب المنظمات دون إرهاب الدول وهو سرداب آخر ، فمن كان يتصور أن تجلس الولايات المتحدة إلى طاولة الحوار مع حركة طالبان مثلا، وهذا هومنطق السياسة وليس منطق الهنجعية القبلية والحمية الذي ينتهجه المسلمون فيما بينهم حين يعمدون إلى محاولة التصفية المادية للمتطرف أو للمخالف عموما من منطق محاربة الأفراد والأعيان لامحاربة الأفكار،وهو حل أثبت فشله فيلتجئون بعد ذلك إلى الاستعانة بالأجنبي وهو ما يعطي ذريعة لمزيد من العنف وإراقة الدماء كما حدث في الشرق الأوسط حيث كانت بداية جحيم لا يزال مشتعلا إلى اليوم.

إن العنف لا يولد إلا المزيد من العنف ،و أظن أنه آن أوان تجربة حل آخر أساسه الحوار و وضع الفكر مقابل الفكر لنشر الوسطية والاعتدال دون الاقصاء المسبق لأي طرف.
إن كان هناك مجتمع في العالم يحتاج إلى الحوار والحديث عن التعايش فهو المجتمع الإسلامي،وهذا لا ينعقد إلا بمن كان لديهم الرغبة الصادقة في إحلال السلم ووقف نزيف الدم وإحياء روح الإنسانية، وفضلوا ذلك على مصالحهم الشخصية وزهدوا في الربح المادي من وراء بيع الذمم والأقلام لأي جهة كانت.

(*) باحث في الفكر الإسلامي والعلوم الاجتماعية.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...