ذ.طارق مرحوم : مراسيم الأزمة ورسومها…

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

ذ.طارق مرحوم

 

الأزمات لحظات مربكة، تجعل الحياة منوطة بسلم الأولويات، فبعد أن كانت عادية يستمرئ فيها الناس برمجتهم لأيامها، تأتي حوادث تلغي قوة آنتقائهم للحظات، وتنظيمهم وتخطيطهم لأنشطتهم اليومية، ليصيروا خاضعين لما هو مهم، مستدعين بذلك غريزة البقاء الغائرة في النفس والتي تنادي بضرورة التخلص من كل جالب لخطر حقيقي محدق أو متوهم مقلق، وإذا كان هذا ما ترخيه الأزمات على الأفراد فإن الدول ليست بمنأى عن ذلك، حيث إنها هي الأخرى تمحص في كفاءة الميزانيات المرصودة لتوجهها إلى قطاعات حياتية حاسمة في سلامة المواطنين، متخلية بذلك عما هو ثانوي أمام جسامة الخطر، لتسارع الحكومات بذلك إلى إعادة ترتيب صرف المال لتقصي إنفاقه فيما كان عاديا أيام الرخاء، وإن كان هذا وضع الأفراد والدول من الناحية الاقتصادية، فإن الأزمة لها فاعلية من حيث السياسة، حيث يعيد الساسة والسياسيون مراجعة مخطططاتهم و ما تعاقدوا عليه مع مواطنيهم لينسجم و الظرفية العصيبة.

إن الأزمة من منظور آخر فرصة سياسية سانحة لتنفيذ قرارات، أو تشكيل وعي سياسي معين، أمام ما تقدمه اللحظة العصيبة من فرصة ثمينة، وصيد نادر، عندما تربك الرأي العام، وتشغله بغطاء الإلهاء، حيث ينهمك الإعلام في تعداد حالات الإصابة، وأعداد الضحايا، وأخبار اللقاحات، ما يجعل الساسة منفردين بساحة فارغة لينفذوا ما كان مستعصيا خلال الأيام العادية، وفي هذا الاتجاه يمكن أن نضع تطبيع دول عربية مع إسرائيل، حيث تمت العملية بنجاح بعيدا عن ضوضاء الإعلام الغارق في رقمنة كورونا، وفي منأى عن صخب المظاهرات حيث فرغت من صرخة كل غاضب بسبب ما يفرضه قانون الطوارئ من عدم التجمهر ويجرم من قام بذلك، وبالتالي كان التباعد الجسمي الذي ألغى المظاهرات، فرصة سانحة للتقارب العضوي بين إسرائيل وحلفائها العرب.

لقد فرضت جائحة كورونا سلما عالميا من حيث تراجع حوادث الإرهاب، وهنا يطرح أكثر من سؤال حاسم، لماذا هذا التراجع؟ هل لأن جهات آنشغلت بالضيف الكوروني الثقيل كانت تشرف في الخفاء على عمليات إرهابية لتقطف ثمارها ونتائجها الفكرية والسياسية وتوفير الحشد والحماس لمخططاتها بعد ذلك، أم لأن الإرهابين أكثر آنضباطا بالإجراءات التي طالبت بها الصحة العالمية؟ أم إن الإرهاب مصاب بهذا الڤيروس ويرقد في مشفى مستعينا بتنفس آصطناعي؟!

يظهر أن فرنسا بقيادة ماكرون منزعجة كثيرا أمام تواري العمليات الإرهابية عن المشهد الإعلامي، وربما هذا ما يفسر آستفزاز ماكرون للجاليات المسلمة عندما صرح بأن الإسلام خطر مهدد قادم، وعندما لم يرد المسلمون بعمل مشين ولم يسجل أي فعل طائش، هاهي فرنسا ثلاثية الأبعاد القيمية: العدل، الإخاء، المساواة، تنشر رسما مسيئا للرسول عليه السلام، علها تجد في المسلمين طائشا يرد بفعل إجرامي لتقتنص الفرصة وتمهد الطريق لتشريع قوانين للهجرة، وأنظمة للحماية.أكثر تشددا.

إن الأزمة بلغة الملاكمة هي تلك اللكمة التي تدخل الخصم في غيبوبة ليفيق على قرار آنهزامه و تسلم خصمه لحزام البطولة، مشاركا في حفل توزيع الجوائز وهمه الوحيد أن يسترجع نبضات قلبه العادية، وأنفاسه المنتظمة، هكذا تستيقظ الشعوب بعد الأزمات، على تشريعات و قوانين و تكتلات جديدة، ووضع جديد، يلوكه بعد ذلك الإعلام وينشره ليصير واقعا بعد أحلام اليقظة.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...