المؤسسة الملكية بالمغرب كضابط للنسق السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي المغربي المعاصر:دراسة في جدلية الاعتماد المتبادلة في معادلة التطبيع والتضبيع

 

إيطاليا تلغراف

 

 

 

الدكتور شنفار عبد الله (*)

 

فرحة اليهود المغاربة بعد الانفراج في العلاقات بين المغرب وإسرائيل؛ كشف لنا تاريخا مغلوطًا تمَّ ولايزال يتم التصرف فيه حتى الآن؛ بالحذف والحجب والزيادة والنقصان. لذلك كثر الحديث عن التطبيع الى درجة حد التضبيع. لذلك لا بد من إزالة بعض الالغام من مساحة وفضاءات التفكير التي يروج لها بعض الأشخاص الذين لا يستوعبون متناقضات وآليات الحكم والنظام في المغرب.
ففي الحقل العلمي المتعلق بعلم السياسة والقانون الدستوري؛ تحيل المؤسسة الملكية إلى فهم عام وعميق يمكن تلخيصه فيما يلي:

المؤسسة الملكية تتولى رسم استراتيجيات وتوجهات وتسهر على تأمين عمل عدة قوى تعمل داخل المجتمع المغربي؛ من خلال آليات، أهمها: الخطاب الملكي السامي الذي يتضمن عدة إحالات؛ والتوجهات الملكية والتعليمات السامية؛ ومن خلال آلية الظهير الشريف؛ ونحن نقرأ إلى جانب هذه الإحالات والتوجهات. ومختلف هذه القوى في سعيها لتلبية مختلف الطلبات والقضايا المجتمعية؛ تعمل على إعداد وبلورة وتنفيذ هذه التوجهات والخطابات السامية عبر؛ سياسات عامة وعمومية وقطاعية وخيارات وبدائل وبرامج وخطط عمل. وهنا يمكن الحديث عن كل ما هو تكتيكي وروتيني بإيجابياته وبسلبياته في خدمة متطلبات التنمية وتصريف أمور الدولة.

فالخلل ادن في التغذية الراجعة (feed-back) يقف عند حدود ومستوى السلط الثلاث أو الحكومة التي خولت الاختصاص في تنزيل هذه الخطب والتوجهات الملكية على ارض الواقع؛ عبر مدخلات وعمليات ومخرجات ونظام ضبط وتحكم؛ التي تتولد عنها بطبيعة الحال مواقف تتراوح بين المؤيد والمعارض لها وألاّ مبالِ بها. وهذا ما نجده في كل نسق سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي وفي كل الأنظمة العالمية.

إن تزاحم النسق القيمي العائلي والقبلي القائم على العِرْض؛ ومن خلال دراسة في المآلات الاستراتيجية للنزاعات الانقسامية بالمغرب؛ يمكن اعتبار المؤسسة الملكية؛ كضابط للنسق السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي المغربي المعاصر. Régulateur du système من خلال عدة تمظهرات ومنها الظهير الشريف كآلية لتصريف تدبير الشؤون العامة في البلد:

ظل السلطان يمارس اختصاصات في جميع المجالات سواء قبل الحماية أو إبانها، تشريعية، تنظيمية، قضائية، إدارية، وكان الظهير هو المظهر الرئيسي للفعل أو العمل السياسي والإداري. فما هي طبيعة القرارات الملكية من رؤية طرح العلوم الإدارية؟
يصدر ويوقع عن صاحب الجلالة بصفته سلطة عليا وممثلا أسمى للأمة في البلد. ويوقع الظهير بالعطف من لدن رئيس الحكومة ماعدا بعض الظهائر المتعلقة مثلا ب: تعيين رئيس الحكومة والوزراء وإعفاؤهم ومجلس الوصاية وحالة الاستثناء والاستفتاء وحل البرلمان ومناصب حساسة أخرى؛ كالقضاة والولاة والعمال…
الظهير الشريف التنفيذي: يصدره ويوقعه صاحب الجلالة ويتميز بالمواصفات نفسها التي يتميز بها الظهير؛ غير أن الظهير التنفيذي يقصد به إعطاء الشرعية التنفيذية لقانون صادر عن البرلمان إذ بدون صدور هذا الظهير في الجريدة الرسمية ﻻ يمكن للقانون المصادق عليه من لدن البرلمان أن يدخل حيز التنفيذ.
– غير قابل للطعن أمام القضاء:

على المستوى الفقهي:

الموقف الفقهي: تأرجح بين من اعتبر القرارات الملكية في المجال الإداري بمثابة قرارات إدارية محضة تماما كرؤساء الدول الأجنبية وهناك من حدا حدو أبا حنيني، وآخرون اعتبروا القرارات الملكية قرارات إدارية من نوع خاص على اعتبار أن فكرة فصل السلط لا تنطبق على مستوى المؤسسة الملكية.
لكن ما هي المآلات الاستراتيجية للنزاعات الانقسامية في المجتمعات التنضيدية التقليدية بالمغرب؟
تتميز المجتمعات التقليدية بالتنضيد والانقسامية وبانطوائها على هرمية متدرجة حسب الحجم والقوة، حيث لا يمكن الحديث عن فكرة التمازج والوحدة والتكامل في ظل هذا الوضع المجتمعي، مما ولد فكرة الاستقلالية عن المركز، حيث التبعية للسلطة الروحية والدينية رغم حالات التأزم التي كانت تسود في العلاقة من خلال التمرد أو الاعتراف بالسلطان. إلا ان توظيف آليات التحالف والتضامن الجماعي والولاء المحلي والجهوي سمحت بتقليص الانقسامية وإقرار نوع من التمازج والتعايش.

فالتحالف أو الترابط العائلي والقبلي القائم على قاعدة الزواج أو المصاهرة، أي ما يمكن أن يطلق عليه سوسيولوجيا بالاستعمال الاجتماعي للقرابة من خلال الوظائف التي تتم تعبئة الجماعات من أجلها بالفعل، فالزواج ببنت العم يفرض نفسه في الواقع، بحيث ينظر إلى الزواج بأجنبية أو أجنبي بأنه خطر يهدد ميراث الجماعة. كما أنه كثيرا ما نجد المصاهرة كانت آلية لضبط النسق القبلي وتجاوز الخلاف بين عدة قبائل، مما أدى إلى التعايش الاجتماعي بينها، وكما يقول ابن خلدون في مقدمته: “أهل الأمصار كثير منهم ملتحمون بالصهر يجذب بعضهم بعضا”.
إلا أن هذا الوضع لا ينطبق على الجماعات النسبية التي كانت تمارس الرعي المترحل في المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية، حيث يتميز نمط عيشها بالتنقل المستمر بحثا عن نقط الماء أو الطرق والقوافل التجارية بالنسبة لممارسي التجارة.

أصبح الاستقرار سواء عن طريق التحضر أو الإقامة في الأراضي الزراعية، يحطم النسق القبلي، حيث ارتفاع الاختلاط والتبادل، وانحلال الروابط بين العائلات والقبائل وتجاوز الخاصية العدوانية والحربية، حيث أصبحت نوعا من والأمجاد يمكن أن تحيي أو تشتعل من جديد أو تستعمل في إطارات أخرى، إذ تعيد إنتاج نشاطات سياسية اقتصادية وعلاقات اجتماعية مشابهة لتلك في “الماضي المجيد” حيث بدأت تتكيف مع حياة الاستقرار الحضرية والزراعية، مما أدى إلى تفكك النسق القيمي العائلي والقبلي التقليدي. “فالعرض” كمحدد للعلاقات الاجتماعية له عدة تمظهرات، حيث يشمل المجالات المحرمة كالأرض أو تراب الجماعة، الماشية، النساء، البيت وغيرها، كقيم اقتصادية مرتبطة بقيم اجتماعية ورمزية، فالبحث عن الأرض لكونها قيمة اقتصادية تأخذ قيمة رمزية غير مطابقة مع مزاياها التقنية والاقتصادية الحقيقية، بحيث إذا سقطت بين يدي معتد، تصبح قضية عِرْضْ مماثلة لرد الإهانة.
أما بالنسبة لتراب اجْماعة، فإن كل رجل زعيم قبيلة يصبح مسئولا عن الدفاع عن تراب الجماعة، كما أن كل جماعة انقسامية من واجبها أن تحافظ على سيادة ترابها، لتصبح مجالا محرما من واجب كل جماعة أن تمارس سلطتها عليه، إلا أنه مع ذلك فالانقسامية القبلية غالبا ما كانت تقوم على التناوب بين جميع أفراد القبيلة أو اجْماعة.

النسق القيمي العائلي والقبلي القائم على العِرْض، تحكمه وتتجاذبه عدة قيم رمزية ومجالات محرمة، والاعتداء على هذه القيم والمجالات المحرمة يبقى غير مقبول، وذلك من خلال المبارزات الكلامية وتبادل الكلام ومصاريف الأبهة إلى غير ذلك، حيث نجد مثلا أفراد معينين يعارضون لا لشيء، فقط من أجل المعارضة أو حتى دون أن يعرفوا صلب الموضوع.
في تمغربيت نجد هذا القول: رجل العِرْض هو الذي يموت على اولادو ومراتو وبلادو”.

لكن ما هو مفهوم المخزن بالمغرب بين حكومة الظل النائمة والدولة العميقة والتنظيمات السرية؟
ما المقصود بمفهوم حكومة الظل في حقلي علم السياسة والقانون الدستوري؟ ماذا يقصد بالمخزن؟ ماذا يقصد بالدولة العميقة؟ هل المخزن مجرد وهم؛ أم مخيال اجتماعي وسياسي وقانوني؟
مفهوم الدولة من أهم محاور الدراسة في حقل العلوم السياسية والقانون الدستوري بوجه خاص، والعلوم الاجتماعية بوجه عام، لما يحتويه عليه من معان تتعلق بشبكة العلاقات والمؤسسات والمصالح والمجموعات وعلاقات السلطة والقوى ومستوياتها المختلفة- وقوة الشرعية، وشرعية القوة- داخل بلد معين.

وهناك عدة مفاهيم تستعمل لها ارتباط بهذا المفهوم؛ حيث نجد: مفهوم الدولة العميقة؛ مفهوم حكومة الظل؛ مفهوم الدولة الموازية؛ مفهوم الحكومة السرية؛
لكن ما هو المقصود بمفهوم حكومة الحكومة او الدولة الموازية؟ هل تفوق الدولة في شيء؟
حكومة الظل مفهوم يحيل إلى احدى مبادئ الآلية الديمقراطية في بلدان العالم.
فالديمقراطية تقوم على مبدأ التداول للسلطة بين الأفراد والجماعات. فالحزب الحاكم اليوم يصبح غير حاكم غدًا ويحل محله حزب معارض آخر.

فجاهزية الحزب المعارض الذي سيحل محل الحزب الحاكم؛ تفترض أن يكون ملما بجميع المعطيات المتعلقة بالدولة وتدبير السياسات العامة والعمومية في البلد لضمان استمرارية وجود الدولة.
فالملفات الأساسية كلها، الموجودة لدى الحزب الحاكم؛ من المفروض أن تكون نسخة منها طبق الاصل لدى جميع الاحزاب الفاعلة في الحقل السياسي؛ وبالتالي لما يصل حزب معين الى السلطة من المفروض أن تكون جميع المعلومات متاحة له وبين يديه؛ قبل عملية تسليم السلط.

فليس هناك حزب من مصلحته يحتفظ بمعلومات أو يحجبها عن الحزب الآخر سيحل محله. ونضرب مثلا بالحزب الجمهوري الحاكم في الولايات المتحدة الأمريكية؛ الذي لا يمكنه حجب المعطيات والمعلومات المتعلقة بالدولة عن الحزب الديمقراطي الفائز في الانتخابات؛ لأن الأمر يتعلق باستمرارية الدولة. وهذه احدى الآليات المتعارف عليها؛ حيث يتولى جهاز خاص استلام مقاليد الحكم من أجل الا تنهار موارد ومقدرات الدولة وأمنها واستقرارها.

فمثلا في الإتحاد الأوروبي؛ سواء تعلق الأمر باليمين أو باليسار؛ لا يستطيع اتخاذ أي قرار لا يتماشى ومنطق قوانين السوق الأوربية المشتركة، بينما الوعي السياسي والثقافي والاجتماعي، لا يسمح بإقامة دولة أوربية موحدة وفرض إدارة سياسية موحدة بشكل أو بآخر، وبالتالي لا تزال مستقلة بعضها عن بعض على المستوى السياسي؛ بينما على المستوى الاقتصادي تمثل أجزاءً من منظومة اقتصادية أوربية مندمجة لا أحد يستطيع حجب أو حذف بالزيادة أو بالنقصان في المعلومات المتاحة لديه؛ بهدف عرقلة استمرارية واستقرار وأمن الدولة القومي.
أما التنظيمات الغير معلنة للعلن؛ فتبقى خارج إطار القانون والدستور؛ حيث تتخذ عدة تمظهرات وسلوكات للدفاع عن مصالحها واستمرار تواجدها. وقد تشتكي منها الدول كما حصل مع نيكولا ساركوزي الرئيس الفرنسي السابق؛ الذي صرح بوجود دولة عميقة موازية تناهض الاصلاح ووجود الحكومة واستمرارها في تدبير شؤون البلد.

قد يتساءل البعض حول موقع المخزن من هذا كله؟

المخزن مؤسسة سياسية وسلوك سياسي ونظام اجتماعي ومنظم لحقل المجتمع المدني. فالمخزن قوة “حرْكاتْ” السلطان وسلوك القواد الكبار.
المخزن ليس مجرد وهم، ولكن حقيقة؛ بحيث تحليل الثقافة الشفوية للمواطن المغربي يحيل إلى أن الإدارة والمخزن لا يفترقان في شيء؛ أي مسميان لمعنى واحد. المخزن كذلك بنية كلاسيكية استبدلت بالإدارة كمفهوم حديث، أي مع تطور الأفكار الدستورية؛ أصبح يحتفظ بطابع رمزي في حلة جديدة؛ وهي: الإدارة.
فالمخزن بالأمس يتعايش مع المخزن الحالي اليوم، مع فارق في الصورة حيث نجد غيابه في الخطاب الرسمي، ولا وجود له إلا في الثقافة الشفوية، إذ لا هوية له تماما كالإدارة.
تاريخيًا؛ المخزن يحكم ويقنن ويفرض الضريبة ويحدد السياسات العامة والعمومية والقطاعية للبلد… إلى غير ذلك. فهو إجمالا الإدارة وليس بدولة موازية او يفوق الدولة في شيء.
وبناءً على هذه المعطيات؛ فإن محكمة العدل الدولية وهي تنظر في قضية الصحراء المغربية، ربطت بين الولاء للسلطان أمير المؤمنين، وحامي حمى الملك والدين؛ ووجود السلطة السياسية، أي وجود إدارة، حدود جغرافية، وسكان يبايعون ملك البلاد والعباد.

وبالتالي الروابط الروحية والتاريخية لملك وشعب يسكن بالمناطق الجنوبية الغربية للمملكة كما هو الشأن للامتدادات الجغرافية للمملكة الشريفة؛ وفق المفهوم الجيوسياسي للدولة.
هذه الروابط بين ملك وشعب والتي لا تزال متجذرة الى حد الآن في نفوس المواطنات والمواطنين المغاربة بالأقاليم الجنوبية؛ هي الثوابت الأساسية في الاستمرارية والشرعية والاستقرار الذي ينعم به بلد المغرب.
فعبر تاريخ المغرب، السلطان المغربي هو المصدر الفعلي للقرارات السياسية ولكل إنتاج حقوقي وديني وثقافي. فهو المتصرف الأعلى في الدولة، وهو واضع والمحدد للسياسة العامة والعمومية والتعليمات والقرارات والتوجهات في المملكة الشريفة.

تاريخيا؛ في التقسيم الترابي للملكة قبل الحماية الفرنسية والاسبانية، نميز فيه بين مناطق الاستقرار الذي طبع بعض التجمعات التي يمكن أن نطلق عليها مراكز او مناطق أو جهات حضرية والتي تشكل إلى حد الآن مظهرا عتيقا يضرب في القدم من حيث التكثيف الحضاري؛ حيث تواجد المخزن او الإدارة كضابط لهذا النسق الاجتماعي والاقتصادي والثقافي: (كمراكش وفاس – العالمة وإليغ – سوس العالمة وتافيلالت ومكناس وتطوان…)؛ وعدم الاستقرار الذي طبع بعض المناطق والتجمعات التي قامت على أسلوب الترحال، كما هو الشأن للبادية المغربية التي تشمل حيزا كبيرا من الاقاليم الصحراوية المغربية وشبه الصحراوية. وعدم الاستقرار الذي يتنافى فعلا وسلوك التمدن. وتلك هي التي شكلت هدفا “لحرْكات” السلطان، أو ما أطلق عليه “ببلاد السيبة” والتي وإن لم تخضع لنظام المخزن، إلا أنها تعترف بالسلطة الروحية والدينية لسلاطين المغرب.
هذا؛ بطبيعة الحال دون نكران رفض الخضوع لسلطة فرض الضريبة وما يواكب ذلك من تجاوز وعنف الساهرين على جمع الضرائب لردع محاولات التمرد على عناصر المخزن.

وبالتالي نستنتج أن حكومة الظل؛ ليست مفهوما قدحيا كما قد يخيل للبعض في بنية التفكير؛ بل هي تشمل نظام علاقات، ينتج عنه خريطة التفاعلات التي تؤثر في، وعلى، صناعة واتخاذ القرار السياسي والسيادي في أية دولة أياً كان نوع نظامها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي، بما في ذلك تشابك المصالح والعلاقات المتبادلة.
وبالتالي نستنتج السر في استمرارية وبقاء الدول عبر العصور من خلال التمثيل السياسي والاجتماعي والثقافي والوجودي لمختلف القوى داخل المجتمع وللأغلبية الصامتة من طرف المؤسسة الملكية كضابط للنسق السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي المغربي المعاصر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) مفكر وباحث مغربي

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...