الأزمة الاقتصادية في سوريا.. تحديات ما بعد الحرب.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*بقلم.. الدكتور حسن مرهج

 

 

مع بداية الحرب على سوريا، دخل الاقتصاد السوري نطاق الأزمة جراء الاستهداف المباشر للبنى التحتية في سوريا، فقد استهدفت المؤسسات الحكومية وفق آلية ممنهجة، بُغية الضغط على الاقتصاد السوري والتأثير لاحقاً على الشعب السوري، لكن حين تمكنت الدولة السورية من فرض سيطرتها على غالبية الجغرافية السورية، كان ذلك ايذانًا ببدء عودة المؤسسات الاقتصادية للعمل، ووفد خزينة الدولة بموارد مالية تساعد إلى حد ما، بترميم الشرخ القاسي الذي أصاب الاقتصاد السوري، وفي جانب أخر فإن عودة المعامل للدوران يعني حُكمًا تحرك الأسواق ودوران الأموال ما بين المنتج والمستهلك؛ هذا المشهد وعلى جماليته، لكن تم تأطيره بجملة من العقوبات الأمريكية والحصار، واستهداف البنية الاقتصادية السورية عبر التضييق على استيراد المواد الأولية، وكذا فرض عقوبات على اقتصاديين وصناعيين سوريين حاولوا إعادة أموالهم إلى سوريا، للبدء بإعادة الإعمار أولاً، وتأمين موارد اقتصادية ومالية هامة، تساعد الدولة السورية على ترميم ما خلفته آثار الحرب.

الواقع الذي تعيشه سوريا، يفترض بناء مشهد واقعي وحقيقي، للبدء بتوصيف الأزمة الاقتصادية وعناوينها، وبصرف النظر عن مفردات الحرب الاقتصادية والعقوبات والحصار، إلا أن الأزمات لا تولد إلا بتوافر مقومات ولادتها، ولا نُفشي سرًا إن قلنا أن الفساد المؤسساتي في سوريا ساهم إلى حد كبير في تعميق الأزمات التي يعاني منها السوريين، وكذلك العجز عن معالجة الأزمات مرده الأول والأخير لغياب التخطيط والإرادة الفعالة والمؤثرة خلال وما بعد فترة الحرب، على الرغم من أن الرئيس السوري بشار الأسد قد وضع حلول جذرية للواقع الاقتصادي بغية النهوض به من جديد، وبذات الإطار فقد حدد الأسد المشهد الاقتصادي في سوريا بدقة متناهية حين أكد على ضرورة تفعيل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، حتى يتم هلق بيئة اقتصادية موازية أو تخفف من آثار العقوبات الخارجية، وهي بذات الوقت تتميز هذه المشاريع بقدرته على تأمين حاجة الأسواق، وكذا تأمين قوت العاملين بهذه المشاريع، لكن لم يتم اقتران كلام الأسد وتوصياته بواقع يُطبق على الأرض، ذلك نتيجة جشع التجار وأثرياء الحرب من جهة، ومن جهة أُخرى غياب القوانين الصارمة، فقد كان المكوّن الأكبر للإنفاق العام على حساب الجانب التنموي وتحول الاقتصاد إلى “اقتصاد نزاع”؛ فجرى تدمير موارد البلاد وتحويل المقوّمات الاقتصادية إلى مصادر لاستدامة تطوير أموال أثرياء الحرب والفاسدين والمنتفعين من الأزمة السورية، نتيجة لذلك فقد مئات آلاف الأشخاص أعمالهم ووظائفهم ونزح الملايين عن منازلهم وهُجّر ملايين آخرون خارج سورية، وانتشرت أعمال العنف التي تصب في خدمة النزاع من استغلالٍ واحتكار وتهريب وأعمال غير مشروعة.

وعلى الرغم من سوداوية المشهد السابق، إلا أنه لا يُمكن لأحد أن ينكر بأن الدولة السورية وبعد استعادة مناطق واسعة كانت تحت سيطرة الإرهابيين في 2018، بدأ يروّج لمرحلة إعادة الإعمار ويطالب المجتمع الدولي برفع العقوبات التي فرضت عليه طوال سنوات الأزمة. لكن الأمور ذهبت في الاتجاه المعاكس؛ إذ فرضت الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي المزيد من العقوبات التي شملت مؤسسات الدولة السورية وشخصيات جديدة مقربة منها ، ولم يكد عام 2019 ينتهي حتى تردى المستوى المعيشي بصفة غير مسبوقة وزادت مستويات الحرمان والفقر من جراء الارتفاع العام في الأسعار وعدم تناسبها مع الأجور.

الأمر الذي يجب الانتباه اليه، أنه وكنتيجة منطقية لفرض العقوبات الأمريكية والاوروبية على سوريا، فقد ارتبط الاقتصاد السوري بلبنان عبر الأرصدة البنكية للسوريين في المصارف اللبنانية، والتشابك الحاصل بين الجهازين المصرفيين في البلدين، واستخدام لبنان بوابةً لتنفيذ صفقات واستيراد سلع ومستلزمات إنتاجية، حيث قُدّر حجم ودائع القطاع الخاص السوري غير المقيم لدى المصارف التجارية اللبنانية بـ 32.5 مليار دولار في نهاية 2019، معظمها لمواطنين سوريين يستفيدون من الفوائد عليها وينفقونها، سواء في لبنان أو ينقلونها إلى سورية ضمن مبدأ حرية تحويل الأموال المعمول به في لبنان. لكنّ تلك التحويلات توقفت مع القيود المصرفية على السحوبات التي تم فرضها منذ 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، ودخول لبنان في أزمة مالية خانقة، بعد فشله في تسديد ديون سندات مستحقة، وإضافة إلى تهريب الدولارات من لبنان إلى سورية، يتم تهريب نحو مليوني لتر مازوت يوميًا عن طريق الهرمل والحدود البقاعية، وشاحنات محملة بمواد غذائية مثل القمح والطحين والبطاطا، وقد أعلن الجيش اللبناني إغلاق عدة معابر غير شرعية مع سورية، تُستخدم في التهريب بين البلدين.

بطبيعة الحال ، فقد أدت الأزمة المالية في لبنان والتشديد على المصارف اللبنانية وعلى الحدود اللبنانية مع سورية إلى تضييق الخناق على سوق الصرف السورية أكثر، ومنع تهريب العملات الصعبة ومواد المحروقات وسلع أساسية؛ ما فرض ضغوطًا متزايدة على الليرة السورية، وحصول نقص في بعض السلع في الأسواق السورية، كما أظهرت الأزمة اللبنانية حجم انكشاف الاقتصاد السوري على لبنان

كافة الوقائع والمعطيات تؤكد أن واشنطن ومحورها عملوا على تقييد تحركات الدول الساعية لمساعدة الدولة السورية ومساعدتها ماليًا. فبدأت عام 2019 بفرض عقوبات أوروبية على شركات إنشائية ورجال أعمال لهم علاقات بالدولة السورية، ليبلغ بهذا عدد الشخصيات السورية المشمولة بالعقوبات الأوروبية 270 شخصًا إضافة إلى 72 كيانًا. وتتالت العقوبات خلال 2019 من الولايات المتحدة وأوروبا ضد سوريا وإيران ولبنان، وجرى تحذير التجار والدول التي حاولت المشاركة في معرض دمشق الدولي عام 2019، وبات وصول ناقلات النفط الإيرانية إلى الموانئ السورية أمرًا بالغ الصعوبة، من جراء العقوبات الأميركية المفروضة على إيران والمساعدات الإيرانية المرسلة إلى سورية. كما تسببت العقوبات المفروضة على أذرع مالية تتبع لـ “حزب الله” في لبنان في التضييق على حركة السيولة المالية التي تصب في سورية في نهاية المطاف. وانتهى العام بقانون قيصر الأميركي الذي فتح فصلًا جديدًا في تضييق الخناق على الاقتصاد السوري والنظام، حاملًا عقوبات هي الأقسى على الإطلاق ضد كل فرد وكيان ودولة تساعد سوريا في إعادة الإعمار أو تعزيز قدرة اقتصادها.

ما سبق يُمثل البعد الخارجي للأزمة الاقتصادية في سوريا، لكن ماذا عن البعد الداخلي والذي يتمثل بالفساد والمحسوبيات وغياب القوانين التي تُجرم العبث بموارد الدولة أو أموالها؟، وماذا عن غياب الآليات الاقتصادية التي يجب أن تُتبع فيما يعرف باقتصاد الحروب؟، كل ذلك يصب بالتوازي مع الإجراءات الخارجية والتي تُشكّل مع الداخل معادلة تعمق الأزمة الاقتصادية في سوريا، وتزيد من معاناة السوريين.

نتيجة لما سبق من بُعدين داخلي وخارجي، فإن تقارير كثيرة أكدت الأزمات الاقتصادية في سوريا، تسببت خلال الأشهر الأولى من عام 2020 في انهيارٍ متسارع في سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار، وارتفاعٍ عام في الأسعار أدى إلى دخول قرابة مليون ونصف المليون شخص إلى خانة فقدان الأمن الغذائي؛ إذ رفعت تقديرات الأمم المتحدة في برنامج الغذاء العالمي عدد من هم غير آمنين غذائيًا في سورية إلى 9.3 ملايين شخص، بينما كانت التقديرات في نهاية 2019 تشير إلى 7.9 ملايين شخص، وفي نهاية 2018 نحو 6.5 ملايين شخص.

بالتأكيد إن سوريا تعيش في أزمة اقتصادية خانقة، لكن لابد من اتباع إجراءات متعددة تسمح بإعادة ترميم الاقتصاد؛ هذه الإجراءات يُمكن إيجازها بالآتي:

أولاً- من الضروري إعادة توصيف الأزمة الاقتصادية في سوريا، مع ضرورة وضع مشهد موازٍ يشمل الاقتصاد السوري ما قبل الحرب وأثناءها وصولاً إلى اليوم، مع وضع توصيفات وحلول اقتصادية لما بعد الحرب.

ثانياً – تطويق الأزمة الاقتصادية في سوريا ومنع استمرارها أو تفاقمها، وذلك يأتي عبر وضع آليات اقتصادية علمية ومدرسة بدقة، تعتمد على تخفيض الأسعار وفرض مسار ذلك من قبل الدولة السورية، مع رفع يد التجار عن المواد الأساسية التي تعزز صمود المواطن السوري.

ثالثاً – السماح للتجار ورؤوس الأموال باستيراد السلع وبطرقهم الخاصة، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى تنافسية يتبعها تخفيض الأسعار، خاصة أن كل المستوردين يقومون بتمويل مستورداتهم بالدولار “المدعوم” من قبل الدولة، ليقوم بعد ذلك هؤلاء النجار ببيع بضاعتهم على أساس سعر الدولار في السوق السوداء، الأمر الذي يجب أن تراقبه الدولة وتفرض عقوبات صارمة وحازمة تُجاه كل الذين يتاجرون بقوت الشعب.

رابعًا- من الضروري أن يتم العمل على إنهاء معاناة السوريين الناجمة عن الواقع المعيشي الذي يعاني منه غالبية السوريين، يأتي ذلك من خلال الربط بين الأسواق ومراقبة التجار وعمليات الاستيراد وتسعير المواد الغذائية وغيرها، إذ يؤكد غالبية السوريين بأن لا ثقة لهم بالتجار، وعلى الدولة ان تضطلع بهذه المهام، بُغية ترميم الهوة في حياة السوريين المعيشية.

في النتيجة، من المهم بعد سنوات الحرب التي عاشها السوريين، أن يتم فرض قوانين وإجراءات صارمة ومراقبة شخصية من الأسد، على كل مفاصل الاقتصاد السوري، ومن المهم أيضا بل من الضروري محاربة الفساد ومراقبة رؤوس الأموال وأثرياء الحرب، واجبارهم على دفع ما يترتب عليهم من ضرائب، إذ لا يقومون بدفعها نتيجة المحسوبيات والرشاوى، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد السوري وحياة السوريين.

*إعلامي خبير في شؤون الشرق الأوسط

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...