الدكتور حسن مرهج خبير الشؤون السورية والشرق أوسطية.
لا شك بأن وصول أبو محمد الجولاني، القيادي الإرهابي والمطلوب دولياً إلى مواقع الحكم في سورية يشكل نقطة تحوّل دراماتيكية في مسار الأزمة السورية ويشكّل تهديداً بالغ الخطورة للاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي في عموم سوريا، إذ أن هذا الحدث يفتح باباً واسعاً لتحليل معمّق متداخل الأبعاد سياسياً وأمنياً واجتماعياً، ويستلزم النظر إلى تداعياته في سياق واقع متفجّر يعاني من انقسامات حادة، وانهيار مؤسساتي، وتصاعد مستمر في الانتهاكات ضد الأقليات.
الجولاني كزعيم هيئة تحرير الشام وامتداد لجبهة النصرة، يصنف إرهابياً من قبل العديد من دول التحالف الدولي ومنظمات الأمم المتحدة، ويُحمّل مسؤولية جسام عن جرائم شنيعة ومجازر ارتكبت تحت إشرافه،ووصوله إلى حكم دولة غارقة في التاريخ والحضارة يعني اختراقاً خطيراً للمفهومين الوطني والدولي وللشرعية السياسية القائمة، خاصة أن نظام حكم الجولاني الذي يعتمد على قوة السلاح والإرهاب يفقد منذ الوهلة الأولى مؤهلات الدولة الحديثة من حيث سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، ويعزز مناخ الخوف والتوتر داخل المجتمع السوري.
وفي ظل سعي الجولاني ومحاولاته لإضفاء شرعية على حكمه عبر إعادة استثمار أدواته العسكرية والسياسية، ندخل في مأزق معقد حيث تلتقي منطق القوة بالعجز عن بناء مؤسسات مدنية فعلية، ما يجعل المشهد السياسي هشاً ومرتبطاً بالولاءات والعلاقات الإقليمية كما الدولية التي تعززه أو تضعفه تباعاً.
إضافة إلى ما سبق فإن الوضع الأمني في سورية متدهور أصلاً بفعل الانقسامات الداخلية وتعدد الفصائل المسلحة، ووصول الجولاني يزيد من تعقيد هذه المشكلات بآليات تتسم بالعنف الممنهج والاحتكار الأمني لقمع المعارضة الحقيقية أو حتى المجتمعية، وبهذا فإن نظام الجولاني يرسخ حالة الفوضى المنظمة، حيث يصبح الحديث عن استقرار حقيقي في سورية وهمياً، لأن السيطرة الأمنية تعني تفشي الانتهاكات، وغياب أي آليات للعدالة أو تفكيك منظومات القتل والاختطاف والتعذيب.
ومن المهم القول بأن وصول الجولاني إلى حكم سوريا يعني أن السياسة تتحول إلى أداة أمنية بحتة، والتعددية السياسية محجوزة لمحيط ضيق من الحلفاء والمليشيات المدعومة، ما يعزز حالة الاستقطاب التي توسّع الهوة داخل المجتمع السوري، خصوصاً أن سياسات الجولاني تتسم باستهداف واضح للأقليات الدينية والعرقية، مما يعيد إنتاج نموذج عنف طائفي ومناطقي يهدد نسيج التعايش.
تحت حكم الجولاني، تُسجّل تقارير حقوقية وأمنية استمرار الانتهاكات الممنهجة بحق الأقليات مثل العلويين والمسيحيين والدروز وأقليات أخرى. هذا المنهج المنسجم مع أيديولوجية تكفيرية متطرفة يدمّر فرص التعايش وينشر رعباً ينذر بتوسع النزاعات الاجتماعية وإعادة ترسيخ معادلات العدائية الطائفية، وبالتالي فإن الأقليات تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع إرهاب يستهدف وجودها، ويقوض فرصها في المشاركة السياسية والحماية القانونية. هذا الواقع يعيد إنتاج دوامة اللااستقرار ويطرح أسئلة مصيرية حول مستقبل الوحدة الوطنية في سورية، في ظل غياب ضمانات الحماية الدولية والداخلية.
وصول الجولاني إلى الحكم يعيد توجيه بوصلة الصراعات الإقليمية باتجاه تصعيد مباشر مع بعض الدول الكبرى والإقليمية. تحالفاته مع تركيا ومحاولاته التفاوضية مع بعض القوى الغربية لا تلغي طبيعة التنظيم ككيان إرهابي، بل تزيد من تعقيد المشهد السياسي السوري وتحويله إلى ساحة مواجهة بالوكالة، وفي الوقت نفسه، فإن الحديث عن اعتراف دولي أو انفتاح دبلوماسي مع هذا الحكم يثير مخاوف من شرعنة الإرهاب على المستوى الدولي، وينذر بفقدان معايير الحوكمة الرشيدة والشرعية التي تمثل أساس بناء وطن المستقبلي.
الوصول إلى حكم سورية بيد جناح إرهابي قاده الجولاني يهدد بشكل مباشر ومزمن استقرار سورية ويعمل على إعادة إنتاج أنماط العنف والانقسامات وانهيار الدولة الوطنية، ولا يمكن تصور استقرار سياسي أو اجتماعي حقيقي في ظل استمرار الانتهاكات ضد الأقليات، وسيادة منطق القمع الأمني كآلية للحكم.
مواجهة هذا الواقع تتطلب استراتيجية وطنية وإقليمية ودولية متماسكة لتحقيق العدالة الانتقالية والمساءلة الحقيقية، مع بناء مؤسسات مدنية متعددة الأطراف قادرة على فرض سلطة القانون والحد من النفوذ العسكري غير الشرعي. بخلاف ذلك، يبقى مستقبل سورية غامضاً مضطرباً، محاصراً بمأساة لا تنتهي من الانقسام والعنف والتهجير والاعتداءات المنظمة على الحريات والهوية الوطنية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





