*بقلم.. الدكتور حسن مرهج
في التوقيت، هذه هي أول قمة لجامعة الدول العربية تُعقد منذ ثلاث سنوات، إذ كان من المفترض أن تُعقد في الجزائر في شهر آذار /مارس الماضي، غير أن التوافق حول مواضيعها ومخرجاتها اضطر المسؤولين الجزائريين إلى طلب إرجاء عقدها حتى الأول من تشرين الثاني /نوفمبر، سعياً لتقريب وجهات النظر المتباينة بين مختلف الدول العربية حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية، وبالتالي تفادي ارتباط اسم الجزائر بفشل محتمل.
الدبلوماسية الجزائرية حرصت إلى حد كبير على إظهار نفوذها في هذه القمة، عبر إطلاق عبارة “لم الشمل”، في محاولة لإظهار وحدة الصف العربي. غير أن الانقسامات السياسية بين العرب الذين اجتمعوا في الجزائر عميقة، الأمر الذي ترجمته مخرجات القمة، والتي لم تأتي بشيء جديد، إذ كان البيان الختامي للقمة، أشبه بكل البيانات الختامية لكل القمم العربية، وبالتالي هذا يؤكد، أن الإنقسام العربي حتى الآن واضحاً في شتى المجالات، الأمر الذي بموجبه كانت هناك اختلافات حول حضور دمشق من عدمه، وعليه فإن حالة الانقسام العربي، وإن حاول البعض إخفائها، إلا أن ذلك يخول دون بلورة موقف عربي موحد وذي معنى في كل قضايا الآمة.
في جانب آخر، فإنه لا يُمكن للمتابع للشأن السوري وتفاصيل يومياته، إلا أن يدرك حقيقة جوهرية، تتمثل في أن الدولة السورية، تمكنت بفضل استراتيجية النفس الطويل، من أن تهندس واقع إقليمي ودولي، بما يتناسب وتطلعات دمشق، خاصة أن دمشق وعلى مدى سنوات الحرب التي شهدتها، وضعت استراتيجية محكمة، قوامها العمل وفق آلية القضاء على الإرهاب المُصدر اليها، وفي جانب آخر، الحفاظ على الحد الأدنى من العلاقات مع جيرانها الإقليمين، على الرغم من أن هؤلاء شاركوا قولاً وفعلاً في تلك الحرب. وعطفاً على ذلك، فإن الحراك الذي سبق انعقاد القمة، كان يشي بأن دمشق ستكون حاضرة، لكن دمشق لطالما رفضت الإملاءات والتي تمحورت حول تقليص علاقتها مع إيران، وتبني خطاب مختلف مع فصائل المقاومة في لبنان وفلسطين، الأمر الذي لا يتوافق والإستراتيجية السورية.
في ذات الإطار، تنقسم مواقف الدول العربية من قضايا دعم القضية الفلسطينية، والأدوار الإقليمية لإيران وتركيا، وإعادة تأهيل الرئيس السوري بشار الأسد، وإصلاح هياكل الجامعة العربية، فيما يستمر الخلاف الديبلوماسي بين الجزائر والمغرب بشأن إقليم الصحراء الغربية.
وقبيل القمة استضافت الجزائر الشهر الماضي الفصائل الفلسطينية في محاولة لإنهاء الخلافات المزمنة بينها. وقد سعى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى إجراء مصالحة فلسطينية خلال هذه القمة، ووقعت الفصائل الفلسطينية على “إعلان الجزائر للم الشمل الفلسطيني.
وإذا كانت الجزائر قد تمكنت من جمع الفصائل الفلسطينية تحت سقف واحد، فإن الحظ لم يحالفها في إقناع كل الدول العربية بإنهاء تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية. وقد وئدت هذه المبادرة في مهدها بعد إعلان دمشق في سبتمبر الماضي عدم حضورها قمة الجزائر تفاديا لإثارة الخلاف بين الدول العربية.
وبالإضافة الى الانقسام حول عودة سوريا الى كنف الجامعة العربية، لا تزال الدول العربية منقسمة حول الصراعات في اليمن وليبيا، إضافة الى التطبيع مع إسرائيل، الخطوة التي أقدمت عليها كل من دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب والسودان خلال السنتين الماضيتين.
حقيقة الأمر، إن الدول العربية أبعد ما تكون اليوم عن التوافق حول كل القضايا. كما أنها تواجه تحديات اقتصادية وسياسية وغذائية وأمنية عدة تتطلب تكاملا عربيا مشتركا فشلت القمم الماضية في تحقيقه. والأهم من ذلك، فإن عدم حضور دمشق في القمة، سيكون عاملاً إضافياً في منع توحيد الصف العربي، للخروج بقرارات جادة تضع العمل العربي المشترك في سياقه الصحيح.
في الإطار السابق، لن نتحدث عن موقف دمشق من العودة إلى الجامعة العربية، لكن يمكننا القول، بأن رؤية دمشق في هذا الشأن، تنطلق من ايمان دمشق العميق، بأهمية العمل العربي المشترك، فالدولة السورية كانت ولا زالت، صمام أمان الأمن القومي العربي، والتطورات الأخيرة لجهة الزيارات العربية إلى دمشق، والوفود السورية إلى الدول العربية، تؤكد أن دمشق مهندسة معادلة الأمن القومي العربي. وفي الأصل، فإن قيام العرب من جديد مرتبط بعودة سوريا إلى الجامعة العربية، دون ذلك لن يحدث أي تغيير في المنظومة العربية.
في المحصلة، لا يمكن لأحد أن ينكر أن الدولة السورية، تمكنت من ضبط كافة المعادلات الإقليمية والدولية، واستثمار ذلك في جذب كافة القوى الإقليمية والدولية إلى دمشق، وعليه، فإن سوريا الموقع والدور، هي حقيقةً صمام أمان الأمن القومي العربي، بل والدولي أيضاً.
*كاتب واعلامي وخبير في شؤون الشرق الاوسط من سوريا





