ترامب لم يكن نهاية بل بداية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد العزيز الشرقاوي

 

 

لقد صُدم العالم أجمع بالأمس القريب وهو يشاهد عن كثب وترقب ماذا قاد ترامب ‘ بطريق غير مباشر’
المشهدالأكثر خزيآ في تاريخ الديمقراطية الداخلية الأمريكية بإقتحام أنصاره مبني الكونجرس الأمريكي بطريقة همجية وفوضية وهمجية لا ترتقي أبدآ لمستوي أقل الدول ديمقراطية وأكثرها دكتاتورية وفوضوية في العالم ؛ حيث شحن أنصاره بشحنات متتالية من التشكيك في نتائج الإنتخابات ونزاهتها منذ إنتهائها وحتي لحظة الإقتحام مدعياً أن هناك حالات تزوير قد حدثت وأن هناك أصوات إنتخابية حصل عليها ولم تحتسب له في بعض الولايات المهمة.

وإدعاءات ومزاعم باطلة بأنه هو الفائز في هذه الإنتخابات الأكثر جدلية في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.حتي في رسالته الأخيرة التي تركها لمنافسه لم تحمل سوي سطر واحد “جو تعلم جيداً أنني الفائز”
ودعي أنصاره بعدم الإعتراف بهذه النتائج وأن يعرقلوا إعلان منافسه “بايدن” رئيسآ للبلاد. وضغط وبشده علي هذا الوتر كحل أخير له ليتمسك بالسلطة والمنصب الرفيع واستغل كل الوسائل الممكنه لتوصيل رسائله لأنصاره عبر كل الطرق ومنها بالطبع وسائل التواصل الإجتماعي حتي قام ‘تويتر’ بحظره لمدة 12 ساعة في بادئ الأمر وحذرته من إغلاق حسابه نهائيآ اذا تمادي في خطاب الكراهية واختلاق أكاذيب” وهو ماكان بالفعل وحذفت حسابه نهائيا” بعدما اتهمت رسائله تهم من شأنها تكدير الأمن والسلم الإجتماعيين، ولقد حذف أيضآ‘فيس بوك’ له عدة منشورات لنفس السبب.

حيث ذكر عدة مرات في هذه المتشورات أنه لم يخسر في هذه الإنتخابات وأنه لن يقبل بنتيجتها مطلقآ لأنه الفائز الفعلي بها
فكانت النتيجة الحتمية لكل هذا الشحن والتحفيز هو ما شاهده العالم أجمع في أمسه القريب في مشهد مروع
من إقتحام أنصاره المشحونين بهذه الإدعاءات مبني الكابيتول – الكونجرس- أحد أهم رموز الديمقراطية الأمريكية المزعومة، وشاهد العالم أجمع صور النهب والفوضي في بهو هذا المكان وإطلاق الرصاص الحي واستدعاء عناصر من الجيش لتنهي هذا المشهد الفوضوي والذي سيظل في ذاكرة العالم لمدي طويل جدآ.

وكانت هناك صورة شديدة الخصوصية وارتبطت بذهني فجأة وأنا أشاهد عملية النهب والسرقة داخل هذا المبني وأحد الفوضويين من المقتحمين وهو يحمل سرقته وهو سعيد ومسرور بهذه الغنيمة الرمزية السمينة كالتي حدثت في قصر صدام حسين بالضبط من قبل الشعب العراقي وهم يعيثون سرقة ونهبآ لقصر رئيسهم وهم في غاية السعادة من إقتحام رمز الدولة وهيبتها وتحت حماية القوات الأمريكية وبإبعاز منها ! وكانت النتيجة جراء هذا الإقتحام كما عرفناه جميعآ فرحة وسعادة وسرقة محدودة حتي صارت فيما بعد وبالاً وخراباً علي كل العراق وشعبها من ساعتهاوحتي الآن، صورة تبادرت لذهني ولا أعرف كيف ربطت بين الموقفين وماهى العلاقة بين الصورتين ربما تكون العلاقة بين الصورتين من زاوية ‘سيسقي كل ساقٍ بما سقي’ ولو بصورة جزئية ولكن ستكون لها دلالة في المستقبل القريب أو البعيد حتمآ.!
فلقد أبي ترامب على نفسه أن يستسلم للهزيمة وأن يسلم السلطة بطريقة سلمية فأراد ان يعبر عن نفسه بصورة واقعية ومنطقية وبلا رتوش؛فكما جاء بصورة صاخبة ومخيبة لآمال العالم وقتها ذهب أيضآ بنفس الصورة الصاخبة والمخزية وإن كانت أكثر دلالة وعمقآ في قراءة أحداث كثيرة قادمة ولفترات كبيرة.

هذا الترامب لم يكن مجرد رئيسآ مثيرآ للجدل ولكنه كان حالة من حالات استشراف المستقبل فترامب كشخص سينتهي بالتأكيد وسلم السلطة بعدما حبس العالم أنفاسه من ردة فعل هذا المتهور ولكنه ك ‘حالة’ ستدوم طويلآ طويلآ
هناك علامات وشواهد عديدة تؤكد أن العالم سيأخذ منحى آخر في العقود القريبة القادمة بدأت لحظة إعتلاء هذا المنفلت أخلاقيآ وسياسيآ لمنصبه وكل ما قبله كانت تحضيرات رتيبة تمهيداً لما هو قادم. وستتغير فيه قواعد اللعبة تمامآ وسيسحب البساط رويدآ رويدآ من تحت أقدام أمريكا العظمي وستفسح المجال رغمآ عنها للمارد الأصفر الذي يجيد الإلتفاف بهدوء شديد ليعتصر ضحيته ويبتلعها بكل تأني واستمتاع وهذا مايحدث في أفريقيا الآن فالصين تغدق عليها بالقروض الهائلة والباهظة وبتيسيرات كبيرة حتي تغرق هذه الدول فى وحل الدين ثم تنقض بعدها علي أصول تلك الدول بزعم عدم القدرة علي السداد لتكون تحت قبضتها ويكون إستعماراً إقتصاديآ كأسوأ مما يكون. وسيكون هناك تحالفآ ضخمآ بين التنين الصيني والدب الروسي ليطردوا العم سام من مناطق نفوذه ونقاط قوته المعهودةوالمنتشرة في العالم وستكون أوروبا في وسط هذه الظروف الجديدة حائرة ووجلة من تبعيتها لأي من الطرفين،والعالم الثالث وعالمنا العربي سوف لا يخسر كثيرآ سياسيآ لأنه فقط عليه أن يحدد إتجاهاً آخر للبوصلة بعدما كانت غرباً لعقود طويلة ستتجه شرقاً وهي مجبرة ومكبلة بإرث من الماضي من الوهن والضعف والتبعيةالمطلقة وسيصيبه خلل إقتصادي كبير معهود في مثل هذه الحالات والتغيرات المضطربة في تحديد إتجاه جديد للبوصلة وخفض إيرادات عوائد النفط، بالتأكيد أننا سنكون أمام عالم جديد تمامآ في المدي القريب تتبلور صورته أمامنا جميعآ يومآ بعد يوم وتنكشف كثيرآ من خطوطه العريضة؛ من تقلبات شديدة المخاطر مصحوبآ بتقلبات وكوارث طبيعية ولن يهدأ العالم إلا بإختلاق حروب كبري منتظرة لكي تستقر الأمور للإمبراطوريات العسكرية القادمة التي ستنتج أسلحة من الدمار غير معهودة ولم يسمع عنها البشر قبل ذلك أكثر فتكآ وتدميرآ، نسمع عن بعضٍ منها الآن كالقنبلة الكهرومغناطيسية مثالآ فما بالنا بما هو قادم؟

بالتأكيدليس المراد من هذا السرد فرض حالة من التشاؤم بقدر ماهو استقراء للقادم بدوافع قراءة التاريخ وايضآ للحاضر الذي نلمس فيه يوميآ حجم التغيرات الحادة علي جميع الأصعدة وبوتيرة سريعة جدآ تجعل أي قارئ للأحداث يعكس كل هذا علي ماستكون عليه الأحداث المستقبلية. والتي لاتحتاج الي جهد كبير لقراءتها ولكنها تحتاج الي نوع من الإستعداد لما هو قادم بآليات وعقليات مختلفة تكون قادرة علي إستيعاب روح العصر الجديد بكل تحدياته وآلياته ومفاهيمه الحصرية التي ستكون حكرآ له فقط وسيتغير كل شيئ في سرعة هائلة وستتسارع الأحداث تباعآ ولن تحتاج الي سنوات بل شهورآ وايام فقط لنري كل شيئ ونقيضه في فترة وجيزة جدآ جدآ. إذاً لابد أن يتحرر العقل العربى والإسلامي من التقوقع داخل المحيط الضيق من نظرة محدودة للأمور الآن فالقادم يحمل أحداثاً جسام تفوق بمراحل كثيرة تداعيات الحربين العالمتين من القرن الماضي والحروب الكبري التي حدثت فيه لذا يتعين علينا أن نقفز علي تحديات كبيرة تاركين كل ما يفت عضد هذه الأمة التي ولابد إن تستدعي مكونات قوتها ومقوماتها لتجابه بكل وحدة وتماسك مستقبلها القادم.
_ والله غالب علي أمره ولكن اكثر الناس لايعلمون _

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...