بين الجغرافيا والسلاح.. كيف تشكلت قوة الحوثيين داخل شبكة صراع إقليمي معقّد؟

إيطاليا تلغراف متابعة

 

وركزت الحلقة على التحولات الجيوسياسية المرتبطة بممرات الملاحة الدولية، حيث تعيش المنطقة معادلة “اختناق مزدوج” بين مضيق هرمز وباب المندب، مع تصاعد دور جماعة أنصار الله في تهديد حركة التجارة العالمية والطاقة.

وطرح اللقاء أسئلة محورية حول نشأة الحوثيين، وكيف تحولت الحركة من إطار محلي في صعدة إلى فاعل إقليمي مؤثر، وما طبيعة علاقتها بإيران، وهل تعمل كحليف مستقل أم كجزء من محور أوسع.

وفي مداخلته، قدّم رئيس مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية ماجد المذحجي، قراءة تعتبر الحوثيين حركة أيديولوجية نشأت من بيئة زيدية محلية، لكنها تطورت داخل سياق صراعي مسلح طويل، مشيرا إلى أن تعريفها لا يمكن اختزاله في إطار سياسي تقليدي.

واعتبر أن الجماعة “إحيائية” تسعى لإعادة إنتاج دور ديني وسياسي قديم، لكنها في الوقت نفسه تشكلت عمليا عبر التجربة العسكرية والصراع مع الدولة، وليس عبر تنظير فكري منظم.

وأوضح المذحجي أن التحول المفصلي في مسار الحركة ارتبط بمرحلة حسين بدر الدين الحوثي، الذي قاد انتقال “حركة الشباب المؤمن” إلى شكل أكثر تنظيما وصداما مع الدولة، ما أسس لهوية جديدة للجماعة لاحقا. كما أشار إلى أن الحرب الأولى عام 2004 كانت نقطة الانطلاق الحقيقية لتشكل الحوثيين كقوة مسلحة منظمة.

مسار حركة “أنصار الله”

من جانبه، قدم مدير مكتب الجزيرة في اليمن سعيد ثابت، قراءة تاريخية أكثر تفصيلا لمسار الحركة، موضحا أنها مرت بمراحل متعددة بدأت ثقافية ودعوية قبل أن تتحول تدريجيا إلى تنظيم سياسي ثم إلى حركة مسلحة.

وربط ثابت تطور الحركة بسياقات إقليمية كبرى، أبرزها ما بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وغزو العراق، وصعود النفوذ الإيراني في المنطقة، ما خلق بيئة سياسية ساعدت على إعادة تشكيل الجماعات المسلحة.

وأشار إلى أن شعار “الموت لأمريكا وإسرائيل” الذي أُطلق مطلع الألفية، مثّل لحظة إعلان هوية سياسية صدامية، تبعتها أول مواجهة عسكرية واسعة عام 2004، والتي شكلت بداية المسار القتالي للجماعة.

تطور العلاقة مع إيران

وفي محور العلاقة مع إيران، أوضح الدكتور محجوب الزويري، الأكاديمي والخبير في سياسات الشرق الأوسط، أن طهران بدأت النظر إلى اليمن كجزء من دائرة نفوذها الإقليمي منذ بداية التسعينيات، لكن دون وجود قناة اتصال مباشرة واضحة في البداية.

وبيّن أن العلاقة تطورت لاحقا بشكل تدريجي، خاصة مع صعود الحوثيين بعد 2004، ثم تسارعت بعد 2015، حين أصبحت الجماعة لاعبا رئيسيا في الحرب اليمنية.

وأكد الزويري أن إيران اعتمدت في بناء علاقاتها مع الحوثيين على أطراف وسيطة في البداية، مثل حزب الله العراقي واللبناني، نظرا لصعوبة التواصل المباشر، مشيرا إلى أن العامل اللغوي والثقافي كان أحد التحديات في تأسيس هذا التواصل.

وتطرق النقاش إلى طبيعة العلاقة بين الطرفين، حيث اتفق الضيوف على أنها ليست علاقة تبعية كاملة، ولا علاقة استقلال تام، بل علاقة “تداخل مصالح” ضمن ما يُعرف بمحور إقليمي واسع.

وأشار المذحجي إلى أن الحوثيين يمتلكون مساحة قرار داخل اليمن، لكن القرارات الاستراتيجية الكبرى ترتبط بالسياق الإقليمي الأوسع، خاصة في لحظات التصعيد.

كما تناول الحوار البعد العسكري، حيث أشار إلى أن القدرات الصاروخية والتسليحية للجماعة ارتبطت بشكل وثيق بالدعم الإيراني، لكن قرار الاستخدام العملياتي ظل محكوما باعتبارات أوسع داخل بنية “محور المقاومة”، وفق تعبيره.

مستقبل العلاقة بين الحوثيين وإيران

وفي ما يتعلق بالمستقبل، طرح الضيوف رؤى متباينة. فبينما رأى ثابت أن العلاقة بين الحوثيين وإيران ذات طابع مصيري، وقد تتعزز في حال تصاعد المواجهة الإقليمية، أشار المذحجي إلى أن الحوثيين يسعون أيضا لتوسيع خياراتهم السياسية والاقتصادية، وعدم الاكتفاء بالاعتماد على إيران وحدها.

أما الزويري، فذهب إلى أن مستقبل العلاقة قد يشهد إعادة تشكل مع احتمال انكماش الدور الإقليمي لإيران بعد سلسلة الصراعات الأخيرة، ما قد يفرض إعادة ترتيب داخل شبكة التحالفات، بما فيها علاقة الحوثيين بطهران.

واختتمت الحلقة بالتأكيد على أن ملف الحوثيين لا يمكن قراءته بمعزل عن التوازنات الإقليمية في الخليج والبحر الأحمر، وأن تطورهم من حركة محلية إلى فاعل إقليمي يعكس تشابك العوامل المحلية بالإقليمية والدولية في تشكيل مشهد الصراع في اليمن.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...