ذ. أحمد براو*
من كالابريا
في ظل الظرف الاستثنائي الذي يمر به العمل الجمعوي الإسلامي في إيطاليا، يحتم على كل فرد الوقوف عند مسؤولياته الملقاة على عاتقه، وترك الماضي بخلافاته، وفتح صفحة جديدة مع المتخاصمين، نظرًا للوضع القائم والتمكن من مجابهة المشاكل المستعصية التي تواجه الجالية المسلمة في إيطاليا.
– تحديات آنية لمسلمي إيطاليا
وفي خضم المشاكل والصعوبات التي استفحلت في السنوات الأخيرة مع صعود شعبية المتطرفيين العنصريين في ميدان السياسة واتخاذ القرارات، والذين يجدون في معاداة المهاجرين والتعاليم الإسلامية ورقة رابحة للحصول على مزيد من الدعم والتأييد الشعبي المستفحل أصلا بسبب الخطاب الشعبوي والبروباغاندا الإعلامية، كل هذه المسائل زد على ذلك استغلال الصورة النمطية والجهل بالحقائق، وتجذر الإسلاموفوبيا أو “رهاب الإسلام” والكراهية الشديدة والخوف من الإسلام، واستعداء و تحيز تجاه المسلمين، بحيث بلغت ذروتها في العشرية الأخيرة مماضيق الخناق على الداعين للتعايش السلمي واليساريين والمناهضين للفاشية، ووجد المسلمون أنفسهم في دائرة الإستهداف والتضييق والمغالطات وبالتالي الخضوع لسياسات وقوانين ومواقف معلنة ومبهمة تحد من حقوقهم وحرياتهم المدنية والدينية وأحوالهم الشخصية، فيما أصبح هناك حاجة إلى التعليم والتربية وتوفر المعلومات وإجراء المراجعة النقدية لما يُنتج من محتوى حول الإسلام، وأن يكون أكثر وضوحا. وفي الوقت نفسه، طفت على السطح أسئلة جديدة ومعقدة حول الأسباب التي تقف وراء الإسلاموفوبيا، وسُبُل تحديد استراتيجيات ومشاريع أوسع للتغلب على تبعات هذه الظاهرة، ولعل من اهمها تحصين الجبهة الداخلية وترصيص الصفوف وتوحيد الخطاب المضاد بحيث لا يبقى مجرد فُتات يَركنُ للدفاع عن النفس وينفي الإتهامات بطرق ارتجالية غير منظمة.
– أوضاع غير مريحة للمسلمين
فإذا كانت إيطاليا تتميز عن باقي الدول الأوروبية بدستور يعتبر واضعوه أحد سادة وأعمدة مناهضي الفاشية والعنصرية بعد الحرب العالمية الثانية وبطبيعة الشعب الإيطالي المنفتح على الثقافات و الحضارات بحيث استقبل موجات عديدة من النزوح والهجرة وسط البحر المتوسط من عرب ويونان وألبان وبلقان وغيرهم، وتنفرد هذه الدولة الأوروبية التي تعتبر أحد مؤسسي الإتحاد الأوروبي والفاعلين الأساسيين في مجموعة الثمانية في الإقتصادات العالمية بعدم حدوث أي اختراق أمني أو تفجيرات على غرار باقي الدول كفرنسا وإسبانيا وألمانيا والنمسا وبلجيكا..
لكن هناك أمران يتعلقان بعلاقة إيطاليا بالإسلام أولهما وجود دويلة الفاتيكان وعلاقة الدين المسيحي الكاثوليكي بالدولة الإيطالية منذ ما يسمى باتفاقية “Concordato” سنة 1929 وتم تجديده سنة 1984 في عهد “بيتّينو كراكسي” بحيث يحدد العلاقة بين المجمع الكنسي والحكومة الإيطالية في مسائل التعليم والإقتصاد الخاص بالكنائس ودور العبادة. وهو ما أدى إلى هيمنة الكاثوليكية على الشأن الديني الرسمي للدولة رغم علمانيتها ما ضيق الخناق على أتباع باقي الديانات ومنهم المسلمون.
الأمر الثاني هو عدم وجود اتفاق تنظيمي بين الحكومة وممثلي الجالية المسلمة على غرار باقي أتباع الديانات والمذاهب الأخرى، ما يسمي ب”Intesa” وهو اعتراف الدولة بالدين الآخر والسماح له بتنظيم الجالية من الناحية الروحية والأحوال الشخصية كالزواج والطلاق والذبح وبناء المساجد والمدارس َالمقابر وجمع التبرعات والصدقات وغير ذلك..
– كيف يُدبَّر الشأن الديني للمسلمين؟
كل هذه المشاكل لم تمنع ممثلي الجاليات المسلمة من العمل حسب الظروف المتاحة خصوصا في مجال العمل التطوعي الإجتماعي والإنساني لتنظيم الصفوف وتحقيق الحد الأدنى المكفول دستوريا لممارسة الحق في التدين وتسيير دور العبادة والتمدرس الديني وإقامة المناسبات والأعياد والحفلات. وبفضل بعض البروتوكولات واللقات الدورية للحكومات المتعاقبة مع أكبر أربع ممثلي الجالية المسلمة في إيطاليا وتوقيعهم على مذكرات فيما يخص مسألة المقابر ودور العبادة وزيارات السجون والمستشفيات َما شابه ذلك من خدمات تنظيمية للجالية الإسلامية.
على الرغم من المجهودات الجبارة التي تلعبها هذه الكيانات التنظيمية للمسلمين في إيطاليا فيبقى عملها جد محدود بالمقارنة مع غيرها في باقي الدول الأوروبية التي قطعت أشواطا كبيرة في العلاقة مع المؤسسات وحصولها بالتالي على اعتراف ودرجة أكبر من الإندماج في النسيج السوسيو-ديني نظرا لأهمية الدين في الدولة وتأثيره في السياسة الإجتماعية والثقافية للدول.
ومن أكبر هذه الكيانات التنظيمية للمسلمين في إيطاليا هناك هيئتان كبيرتان ذواتا تمثيلية مجمع عليها وهما مرشحتان لإمضاء هذه الإتفاقية الغالية، أولهما اتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية الإيطالية ما يعرف بالأُوكُويْ “Ucoii”والذي يضم عدة مراكز وجمعيات تأسس سنة 1990 ويرأسه حاليا الأستاذ “ياسين لفرم” وهو شاب مغربي درس وترعرع في مدينة طورينو ومقيم حاليا في مدينة بولونيا. والكونفدرالية الإيطالية الإسلامية “Cii” تأسست في مارس 2012، مغربية الهوية والتي تضم 14 فيدرالية جهوية وكل فيدرالية تعنى بتسيير عدد من المساجد فقط، بدون الجمعيات أو أي هيئات إسلامية أخرى ويرأسها الأستاذ “مصطفى حجراوي” وهو أيضا مغربي مقيم بمدينة طورينو، وصعدت الكونفدرالية صعودا كبيرا في تمثيلية المساجد خصوصا في الشمال الإيطالي”.
وقد عرفت العلاقة بين هاتين الهيئتين تنافسا كبيرا في السنوات الأخيرة لأن عدد من المساجد كانت تابعة للأوكوي انشقت عنها خصوصا بعد رفض هذه الأخيرة الإمضاء على وثيقة المواطنة سنة 2007 مع وزارة الداخلية الإيطالية وانضمت فيما بعد للكونفدرالية ما جعل التنافس يشتد أدى إلى صراعات محلية وكيل الإتهامات والتنافس أمام السلطات والدولة الإيطالية لإثبات الأحقية في تمثيل الجالية المسلمة وهو ما أثر على الجو العام لتنظيم الحقل الديني وتفاقم الوضع بين مسؤولي أغلب المساجد والساهرين على المراكز بحكم الإنتماء لإحدى الهيئتين، وحال ذلك دون تحقيق حلم المسلمين في توقيع الإتفاقية الضامنة للحقوق الدينية المشروعة لهم أو تأخرها.
– دعوة مخلصة لجمع الكلمة
لا يجادل إثنان في أن الغرض من هذه السطور هو الدعوة العاجلة والملحة للمسؤولين المسلمين عن الشأن الديني بإيطاليا لجمع الكلمة ولمّ الشمل وترصيص الصفوف وتصفية النوايا وتليين القلوب من أجل مصالحة شاملة واتحاد قوي وبَنّاء، والعمل سواء على تغليب الصالح العام، فلا يعقل أننا ندعو للتسامح مع غيرنا ونجلس في لقاءات مع ممثلي باقي الأديان والشرائع، فيما ننفر من الجلوس بيننا لِحلّ مشاكلنا وإيجاد صيغ متفق عليها للعمل والجدّ َالإجتهاد حتى لاتذهب مجهوداتنا سدًى، وحتى نعطي صورة مشرقة ومشرّفة عن الإسلام والمسلمين، فالكل يعلم أن أحد العراقيل التي تمنع الإعتراف بنا هي النظرة السلبية لنا كجهات تمثيلية غير موحدة وتعاني من التشرذم والعناد في الخصومة، بل ويتخذون ذلك الأمر ذريعة في استفزاز المسلمين وتبخيس مطالباتهم بالحرية الدينية والحقوق المكفولة لغيرهم.
فَهلُمّوا جميعا إلى التوحد واتخاذ مبدأ المصالحة والحوار الذي تضيق بسببه مساحات الفرقة والتنافر، إن الإصلاح بين الناس عبادة عظيمة يحبها الله سبحانه وتعالى: والصلح خير.
فالمصلـح هو ذلك الذي يبذل جهده وماله ليصلح بين المتخاصمين، قلبه من أحسن الناس قلوباً، نفسه تحب الخير و تشتاق إليه و الذي يسعى للمصالحة يقع في حرج مع الجميع ويحمل هموم إخوانه ليصلح بينهم.
والحديث التالي يظهر فضيلة إصلاح ذات البين:
قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة، فقال أبو الدرداء : قلنا بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين).
* فاعل جمعوي وباحث في علوم التربية بجامعة كلابريا





