الصروح الصناعية العملاقة!!! … من هنا تعلمنا كيف يكون الإنتماء

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

عبد العزيز الشرقاوي

 

 

القيمة الإقتصادية الفعلية لأي وطن، هي قيمة مايمتلكه من صروح صناعية عملاقة قادرة علي أن تكون بالطبع قاطرة إنماء ودافعاً للإقتصاد الوطني ككل،وتكون أيضآ هذه الصروح الصناعية العملاقة اليد القوية المساعدة في أي أزمة تمر بها أي دولة من الدول، فضلآ عن كونها مرفأ أمان حقيقي لكافة العاملين تحت ظلها والتي تقدرالعماله بها ببضع عشرات من الآلاف في الصرح الصناعى الواحد !.فهذه الصروح العملاقة هي بمثابة مجتمعات متكاملة قائمة بذاتها وتتنفر بها كل شيئ وكان يستظل العامل بها بمظلة تأمينية شاملة تراعي كل أوجه إحتياجاته ليكون متفرغاً فقط لعمله ولشركته وكيانه الصناعي .

لقد لمست قيمة كل هذا عن قرب ومدي تأثيره الإيجابي المباشر علي جودة العمل ووفرة الإنتاج ، وإعلاء قيمة المصلحة العليا امكان عمله؛ فكنت أحد أبناء العاملين في إحدى هذه الصروح العملاقة ورأيت فعلاً ماذا يعود علي المجتمع ككل وعلي العامل علي حد سواء إذا شعر العامل بأمانه الشخصي وقيمته كفرد في مجتمعه الصغير فيؤثر عليه عامل الإستقرار فيجعله ينطلق حتما ويبدع ويتفاني في عمله بأقصي درجات التفاني والإخلاص.
هذه الصروح والقلاع الصناعية الكبرى كانت بمثابة وطن أصغر لكل العاملين بها تعلموا فيها ما معني كلمة( إنتماء)

بداية من الصرح أوللشركة وللمصنع وأن هذا الإنتماء لكيانك الذي تعمل فيه أحد أهم ممرات الوصول إلي القيمة الكبري وهو الإنتماء عموماً والحب الفعلي للوطن الكبير .
فنظرتي واستحساني لهذا الأمر الذي كان يجذبني دائما وأفكر فيه منذ صغري كان من خلال والدي – رحمة الله عليه – الذي كان يعمل في إحدي هذه الصروح العملاق والتي كانت عالمية بالفعل نظرآ لمساحتها الشاسعة وعدد العاملين بها وكثرة المنشآت الصناعية والخدمية والتدريبية فيها فضلا عن تنوع وكثرة وجوده منتجاتها كل هذا الكيان المتكامل والصرح العملاق كان ينضوي تحت إسم
_ شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبري.

وتُعرف إختصاراً بإسم شركة “غزل المحلة” تعلمت من والدي ومن سلوكه وحديثه واهتمامه الشديد تجاه شركته معني وقيمة كلمة إنتماء وما تحمله من رقي في المعني والدلالة فحينما قال ‘ نورمان كينج ‘مقولته المعبرة
– إن الإنتماء شرط أساسي لتحقيق الشعور بالذات والتفوق الشخصى –فعلآ كان محقآ وموضوعياً وكما لمسته بنفسي منذ صغري.
لقد شعرت بإنتمائهم الحقيقي في حديثهم ومناقشاتهم وكلامهم الذي يدور حول محور واحد فقط هو (الشركة) والمصانع وما الجديد فيها، ونوعية الإنتاج، وجودته وماهي خطط الإحلال والتجديد للآلات والماكينات والمعدات الخاصة بالإنتاج.. أسمع كل هذايوميا من والدي وأصدقائه وهم يتحدثون بحب وحماس وكأنما يتكلمون عن ملكية خاصة لهم لايريدون لها سوي التقدم والنجاح.

سمعت كل هذا فتعلمت من والدي وزملائه وأصدقائه في ساعات سمرهم أن حب العمل فريضة وأن الإنتساب الي أي عمل هو شرف وأن أي ماكينة إنتاج هي عهدة وثروة شخصية لابد من الحفاظ عليها كحفاظ الجندي على سلاحه أثناء المعركة.
فتولد لدي جميع العاملين إنتماءآ شديدآ لشركتهم وخلق علاقة عجيبة من الترابط والحب المتبادل عظّم فيهم إحساساً عالياً بالمسؤولية وكأنهم في معركة يومية لابد من الإنتصار الحتمي فيها. كان أبي وأصدقائه يتحدثون وكأنهم حماة الجبهة الداخلية وطريقهم لهذا هو العمل ثم العمل ولا شيئ غيره،

وارتبطوا ارتباطاً رائعاً بشركتهم وعملهم فكان هذا الإرتباط هو أكسير الحياة بالنسبة لهم مما جعل كل العمال ومنهم’ أبي بالطبع’ سواءً موظفاً صغيراً اوكبيراً يتبارون فيما بينهم لبذل مزيدآ من الجهد والعرق لإذدهار ونمو وطنهم الصغير لدرجة أنهم حققوا ذواتهم بعملهم وتفوقوا علي أنفسهم بأداء رائع لمزيد من الإنتاج والإذدهار لشركتهم إو لوطنهم الصغير. كانت الشركة أيضا بالنسبة لهؤلاء العمال بيتهم الكبير الذي يحتمون فيه ويفخرون به فأفنوا جل عمرهم داخل بيتهم الكبير هذا والذي وفر لهم كل شيئ تقريبآ ليفرز عاملآ منتميآ ومنتجاً ومحبآ لمصنعه ولشركته وبالتالي ينعكس كل هذا علي حبه للوطن الأكبر وهذه فائدة عظيمة للأوطان.

كانت هذه الشركة العملاقة تمثل حالة عجيبة من شعور العامل لديها بالأمان المطلق من وجود خدمة صحية علي أعلي مستوي بمستشفى خاصة بالعمال دون غيرهم في داخل مرفق خدمي ضخم يضم منشآت رياضية واستاد لكرة القدم وحمام سباحة ومسرح وبيت للثقافة ونادي اجتماعي ودور عرض سينمائي فضلآ علي مدينتين كبيرتين للعمال فيهما كامل الخدمات . كل هذه المنشآت والخدمات جعلت العامل يشعر بالأمان المطلق فواجب الشركة تجاهه هو نفسه واجب الدولة تجاهه فلا خوف من أي شيئ.فهو مؤمن في معيشته وصحته ومسكنه وحتي في ترفيهه ومع هذا الشعور المفعم بالأريحية لايجد العامل سوى الإستقرار فيخلص ويتفاني في عمله لدرجة أن والدي رحمه الله ” ومثله كثيرون ” لم يتخلف طيلة سنوات عمره الوظيفى التي ناهزت 42 سنةً متصلة من العمل الدؤوب والكفاح المستمر لم يتغيب إلا(يوماً واحدآ ) فقط لظروف النكسة ساعتها. يوم غياب واحد فقط في مسيرة 42 عاما متواصلة من العمل والكفاح المستميت!!!! من العمل بلا كلل أو نَصب، وأطنه رقما قياسياً بالغ الدلالة والرمزية .

فياله من حب وتفان قلما وجد بل ونحتاجه أشد الإحتياج الآن؟ فإذا تهيأت الظروف نفسها للعمال الآن بنفس تهيأتها للإجيال السابقة فسنعبر حتماً في غصون سنوات قليلة جداً الي بر الأمان. وحتي العامل في هذه الآونة اذا تغيب عن عمله لظرف ما يُنظر إليه بعدها بريبة وشك كالجندي الذي يغيب عن وحدته العسكرية وقت المعركة فكان هذا الغياب معيبا جدآ للعامل فى هذه الآونة وكأنها خيانة وجب التكفير عنها.
وكما قال مفكرنا الإقتصادي الكبير دكتور /جلال أمين في كلمته المأثورة والتي وضّح خلالها هذه العلاقة الرائعة بين الصالح العام وقيمة الإنتماء حيث قال:

إن قوة الشعور بالإنتماء تُنمي الحس الأخلاقي وتقوي الشعور بالإلتزام بما فيه الصالح العام.

هذه كلمة ذات معني عظيم وتتلائم بصورة توافقيةتمامآ عما أريد أن أصل إليه من معني.
نحن نحتاج الآن وبقوة هذه الروح العظيمة ونحتاج أكثر وأكثر إلي الحفاظ علي هذه الصروح الضخمة التي ترتكز عليها دعائم الإقتصاد الوطني فنحن نمتلك منها الكثير والكثير جداً بخلاف شركة غزل المحلة بالطبع
فهناك علي سبيل المثال لا الحصر شركات الغزل والنسيج في كفر الدوار وشبرا الخيمة وعندنا مجمع الإلومنيوم بنجع حمادي ومجمع الحديد والصلب بحلوان ( مات غدراً ) وشركات الأسمنت وشركات الألبان، والمصانع الحربية
كل هذه الشركات كانت مجتمعات متكاملة تهدف الي الإرتقاء بحياة ومعيشة العامل لأنه هو الأساس في عملية النهضة الحقيقية للدولة.

وإذا تساهلنا أكثر في إهدار هذه الثروات القومية فإنما نتساهل في المقام الأول في حق أنفسنا وفي حق الأجيال القادمة وأصول هي ملك للشعوب ولأجيالها القادمة وأيضاً في حق قيمة كلمةالإنتماء عند هؤلاء البنائين العظام. فإذا نظرنا بالضرورة إلي أكبر الدول الرأسمالية والتي تعزز قيمة القطاع الخاص والملكية الخاصة بها فإنها في الوقت نفسه تحافظ علي الشركات الصناعية العملاقة الحيوية ذات الكثافة العمالية الكثيفة لديها لتكون ملكآ للدولة لأن هذه الصروح هي مرفأ الأمان للدولة والعامل علي حد سواء. وأن الأيادي العاملة وخصوصآ الماهرة منها هي ثروة قومية لا تقدر بثمن لذا يجب الحفاظ عليها،وإعلاء قيمة الجهد والإنتماء لديها لتعزز مكانة الدولة بين نظرائها في العالم اجمع.

العالم كله يتسارع لبناء كيانات وصروح صناعية كبري لا ليهدمها بل يعيد هيكلتها من جديد إذا تعثرت لأنها ذات بُعد استراتيجي بعيد المدي لمصلحة الدولة في المستقبل القريب والبعيد أيضآ فهي حاضنة عمالية كبرى وحائط صد للبطالة والمشكلات الإجتماعية الناتجة عن هزات فقدان العمل أو مآسي المعاش المبكر الذي يزيد نسبة الفقر بالدولة وتكون مطالبة حيال هذا الوضع ببناء مستشفيات ومصحات أكثر ومنشآت خدمية أخري تسد به الخلل القائم في الهيكل الوظيفي للدولة بصفة عامة.

فالعامل المنتمي والمحب لوطنه الذي يجد كل الرعاية من قبل الدولة هو قاطرة حقيقية في حد ذاته وخصوصاً إذا كان ينتمي لقلعة صناعية عملاقة تقدر مهارته وتفانيه من أجل رفعة ورقي الوطن ككل.
فمخطئ من ينظر إلى الشركات العملاقة إنها مجرد آلات تدور لصالح الإنتاج فحسب ولكنها في حقيقة الأمر تدور لتعلم البشر بها قيمة العمل والإنتماء وحب الوطن.
وهذا هو سر من أسرار تقدم الدول ورقيها.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...