ما السبب في تعثر النموذج الديمقراطي في العالم الإسلامي؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*أحمد براو

 

 

لماذا تحظى الأنظمة الفاشية والدكتاتورية المستبدة في العالم العربي والإسلامي بدعم الغرب، في حين يناصب هذا الأخير عداء منقطع النظير إزاء أي محاولة إنشاء أنظمة ديموقراطية مدنية حرة ومستقلة؟ بل ويعمل على إفشالها بكل طريقة، ويقف إلى جانب الإنقلابات العسكرية الدموية إذا شعر برياح التغيير تهب على المنطقة، ولماذا يدعم الإستبداد ظاهرا وباطنا ضد تطلعات الشعوب، في محاولة منه لمنع أي تحول ديموقراطي حقيقي يمكن أن يفتح الطريق أمام الأمة لاستعادة مكانتها المحترمة على خريطة العالم أسوة بكل الدول الغربية والشرقية؟

لماذا لا يخاف الغرب من نهضة “النمور الأسيوية” كالصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند وغيرها، بينما يرتجف خوفا من أية بداية لانبعاث حقيقي في أي بلد عربي أو إسلامي؟
هذه الأسئلة وأخواتها جعلت العديد من الخبراء الجيوسياسيين والباحثين في قضايا العلاقات الدولية يبحثون عن مكامن هذا الشعور المتجذر في الثقافة الغربية ذات الرواسب التاريخية المتصادمة والمتصارعة حول السيطرة والنفوذ.
لقد راودتني هذه التساؤلات في عديد المرات ولم أجد لها أجوبة كافية.

هل يعقل أن هذا الغرب بما يمثله من قيم حضارية تعتبر أفضل ماوصلت له البشرية من حيث الحرية والكرامة والحقوق والرفاهية وغيرها يحمل في طياته هذه كل هذه الكراهية والحقد والضيق لكل ما يمت للمسلمين بصلة.
ثم هل حقيقة أم مجازا اعتبار أن الغرب، كل الغرب، وحده الغرب هو السبب في عدم تمكن الدول الإسلامية تحقيق حلم دولة الحق والقانون والحرية والديمقراطية أم أن هناك أسباب أخرى متعلقة بطبيعة الإنسان الشرقي المسلم وثقافته ذات الموروث المتعلق بالدين والعادات والتقاليد؟

هذه السطور ليست عملية بحث أو استقصاء أو إلقاء اللوم على جهة أو أخرى بل هي فقط محاولة لطرح تساؤلات منطقية ظاهرة للعيان من أجل إيجاد أجوبة في عالم طالما يتغنى بقيم العدالة والمساواة والحرية والعيش المشترك، وتغليب الصالح العام والتضامن بين الشعوب وسيادة القوانين الدولية ولغة الحوار والتفاهم والتعاون. من أجل السلم والأمن الدوليين.
الحقيقة المرة والمؤسفة أن الأمة العربية والإسلامية وإن كانت قد تخلصت من الإستعمار الغربي المباشر، لكنها ما تزال تعيش تحت نير استعمار غير مباشر، مدعوم بشكل كامل من الغرب الذي يزوده بكل ما يحتاجه من سلاح وتغطية سياسية ودعم مادي ومعنوي، وهو السبب المباشر في التدهور المتدحرج لأوضاع الدول الإسلامية باستثناء حالات محدودة جدا (ماليزيا وتركيا نموذجا)، تركيا التي تواجه مؤامرات عدة توحدت فيها جهود غربية وحتى إقليمية وداخلية تعمل بقوة صلبة وناعمة على إفشال تجربتها الفريدة في التنمية والديمقراطية حتى لا يبقى هنالك أمل في نهضة عربية-إسلامية يمكن أن تعيد للأمة شيئا من هيبتها ومكانتها الضائعتين!

ولايزال الغرب مع الأسف على عدائه لم يتغير ولم يتبدل، مهما حاول إخفاء هذه الحقيقة بأصباغ زائفة ينخدع فيها المنخدعون، مندفعا في عدائه بعصبيات واتهامات لا مبرر واقعي لها، كالإسلام السياسي كما وقع في تسعينيات الجزائر، انتخابات السلطة الفلسطينية وما جرى في الإنقلاب في مصر على الحكم المدني وما تلته من الثورات المضادة،
كما أن أمة العرب والإسلام ما زالت ترزح تحت حكم أنظمة فاشية في غالبيتها الساحقة لا تهتم إلا بمسألة “الحكم الأبدي العاض” ولو أدى ذلك إلى إبادة شعوبها “سوريا مثلا”، مخلصةً في خدمة أعداء الأمة بأكثر مما يتوقع هؤلاء الأعداء وبأبعد مما يتصورون!

وأنا أستمع إلى تسريب هاتفي ما جعلني أندهش لمحتواه بين الزعيم الليبي السابق القذافي وأحد معاونيه عقب ثورة فبراير الليبية يدعوه أن يكلم أحد المسؤولين الغربيين ويخبره أن هذه الثورة ستكون وبالا وخطرا على أمن “إسرائيل” وكأنه يستعطف ويساوم بقاء نظامه بالعمل على دعم دولة الإحتلال المغتصبة للأرض والمقدسات، فيما انتابني شعور بالغفلة والغبن عندما كنا نصدق أمثال هؤلاء الحكام بأنهم يدعون للصمود والمقاومة والنضال لمواجهة الإستعمار والإمبريالية والرأسمالية الغربية ومجابهة الإحتلال لمقدرات الشعوب المستضعفة حيث كان ذلك كله نفاقا وضحكا على الذقون، فيما هم يبرمون الإتفاقات والتفاهمات بأساليب استخباراتية سرية لبقائهم في المناصب كالأراكوزات وفقط كحُماة للمصالح الغربية.

لا نريد عملية جلْد الذات أو الترويج لليأس وقطع الأمل في محاولات تغيير واقع المسلمين إلى الأفضل، بل نؤمن بأن الأمور سجال وتلك الأيام نداولها بين الناس ، ولابد للشعوب العربية أن تتغلب على مشكلاتها وأن تأخذ بناصية الحضارة والديمقراطية وكل القيم الإنسانية التي وصلت لها العقول البشرية، بشرط أن يتم انتقاءها وفقا لمبادئ وقيم وتعاليم الإسلام لأنه المرجع الأول والأخير وبدونه لا يمكن للأمة أن تستعيد مجدها.. هذه مجرد تساؤلات وخواطر فرضت نفسها و للتفكير ورفع الصوت حتى يصل ويحدُث التغيير المنشود.

من الجيد الإحساس بالمشكلة ومن الجيد أكثر البحث عن الحلول واستخدام المادة الرمادية لوضْع إجابات عن التساؤلات المرتبطة بالمشكلة وعن سبب طول تأخر وخمول المسلمين وتقدُم غيرهم، ولكن الأهم من كل ذلك هو كيفية تحويل هذه الإجابات لدراسات جدوى وتخطيط ممنهج وبداية عمل.

فمن ياترى سيأخذ هذه المهمة بحقها؟ هل هي الأنظمة السادة وأنا أستبعد ذلك أوالنخب القائمة نفسها وهي التي تعرى زيفها و تناغمت مع حالة دار لقمان، وأَنتجت التخلف والإستبداد، أم ستلوح رياح التغيير مرة أخرى بأنظمة حكم جديدة متجددة ونخب شابة متشبعة بعقلية ثقافية جديدة؟ نأمل ذلك.

* باحث مغربي مهتم بشؤون الهجرة والوساطة الثقافية والشأن الديني والإجتماعي.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...