الديمقراطية التونسية بين مونتسكيو وروسو

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*سعيد الغماز

 

 

تعتبر تونس قبس ضوء من بين الدول العربية التي شهدت تغيير أنظمتها بعد الربيع العربي. وكان إجماع القوى السياسية التونسية على دستور للبلاد حدثا بارزا ومحطة فارقة في التاريخ السياسي التونسي. كما أن هذا الدستور بُني على فلسفة جعلت منه أفضل دساتير العالم العربي، بل هناك من يقول إنه دستور متقدم حتى على بعض دساتير البلدان الديمقراطية في أوروبا. لكن الأحداث الأخيرة، جعلت قبس الضوء هذا في التجربة التونسية، يخفت حتى أصبح الخوف من أن ينطفئ هذا القبس النوراني وتعود عقارب الساعة إلى ما قبل 2011.

توفقت التجربة التونسية في إقامة سلطات منتخبة مباشرة من الشعب، وقطعت بذلك مع نظام الديكتاتور الذي يحكم لوحده. كما أنها استطاعت أن تُقيم فصلا بين السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية. إلى جانب تحييد مؤسسة الجيش التي تعاملت بوطنية كبيرة والتزمت بوظيفتها الحقيقية دون تجاوز لصلاحياتها، وهو عامل أساسي جعل تونس في منأى عما يقع في جارتها في الربيع العربي، جمهورية مصر. وهي بذلك طبقت الدرس الأول والثاني من فلسفة مونتسكيو أي إقامة السلطات الثلاث والتركيز على الفصل بينهم، لكنها وقفت عند هذا الدرس ولم تصل بعد إلى الدرس الثالث الذي يطرح فيه مونتسكيو سؤال لو طغت إحدى السلطات على السلطتين الأخرتين، وماذا لو تحالفت السلطات الثلاث مع قوى الفساد وأرجعت عقارب الساعة 10 سنوات إلى الوراء.

اعتبر مونتسكيو أن تجاوز هذه السيناريوهات يفرض وجود سلطة رابعة تكون مهمتها، مراقبة عمل السلطات الثلاث وتتبع كل حركة وكل قرار مشبوه قد يقود إلى التخالف مع الفساد وقوى الاستبداد، أو إلى تغول سلطة وفرض سيطرتها على باقي السلطات. يعتبر مونتسكيو أن سلطة المراقبة هذه موكولة للصحافة المستقلة التي من واجبها تتبع عمل كل مؤسسة وفضح أي تصرف يخرج عن دائرة صلاحياتها ويبتعد عن منطق فصل السلطات. لكن يبدو في الواقع التونسي أن هذه السلطة الرابعة، رغم ما تتمتع به من حرية التعبير واستقلالية في الرأي، لا قدرة لها على التأثير في الوضع الراهن الذي عوض أن يستجيب لمطالب الثورة في التنمية والاستثمار والشغل والعيش الكريم، أفرز حالة سياسية شاذة حيث عرفت البلاد 8 رؤساء الحكومات في ظرف 10 سنين، والمسلسل لم ينتهي بعد مع الصراع القائم حاليا بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة.

إذا كانت الثورة حددت بشكل واضح مطالبها التي تدور بشكل إجمالي حول التنمية والحرية، فإن التنمية لا يمكن أن تستقيم مع غياب الاستقرار السياسي. لتبقى المطالب الأساسية للثورة معلقة حتى تجد النخبة السياسية حلولا لصراعاتها التي لا تكاد تنتهي. الأكيد أن الثورة حققت الحرية وهي واقع لا رجعة فيه، لأن التاريخ يعلمنا أن الشعب الذي ذاق طعم الحرية لا يمكن أن يفرط فيها مهما بلغ الثمن. لكن الحرية في غياب أي نظرة تنموية، قد تنقلب على مصلحة البلاد وهو ما أصبحنا نشاهده من تعطيل للمعامل وللشركات وللإنتاج الوطني بشكل عام، وهي ممارسة لا تسير في طريق حل المشكل وإنما تعمق الأزمة التونسية وتُبعدها عن جادة الطريق. من حق المحتجين في تونس أن يقولوا مع مونتسكيو “الحرية خير يُمَكِّننا من التمتع بسائر الخيرات”، لكن ليس من حقهم تجاهل مقولته الأخرى “الحرية هي الحق في أن تعمل ما يبيحه القانون”. فكما يجب على النخبة السياسية في تونس عدم إهمال الدرس الثالث من نظرية فيلسوف فصل السلطات، وذلك بإبداع سلطة محايدة لمراقبة باقي السلطات، يجب على المحتجين عدم إهمال المقولة الثانية لفيلسوف الحرية.

إذا كانت التجربة الديمقراطية التونسية لم تستوعب جيدا دروس وفلسفة مونتسكيو، فإن الحل قد تجده في فلسفة جون جاك روسو وعقده الاجتماعي. فما ينقص التجربة التونسية هو التشبع بروح العقد الاجتماعي عند نخبها السياسية، فيتنازل كل حزب بمقدار حتى يلتقي الجميع في نقطة التوازن التي تجمع جميع النخب السياسية وتلتئم حول عقد اجتماعي أساسه وطنية خالصة وسقفه ورود الياسمين وهواءه أهداف الثورة، وهو هواء سيستنشقه الجميع سواء الشعب أو الأحزاب. لكن العقد الاجتماعي لا يستقيم بدون القوانين الجيدة التي يقول عنها روسو “القوانين الجيدة تؤدي لخلق قوانين أفضل، والقوانين السيئة تؤدي إلى قوانين أسوأ”. فعلى النخبة السياسية التونسية أن تستوعب جيدا مقولة فيلسوف العقد الاجتماعي وتقوم بتطوير القوانين السيئة، كما على المحتجين استيعاب مقولة فيلسوف الحرية ” لا تتجاوز حقوقك، فحقوقك ستصبح قريبا غير محدودة” لجعل أهداف ثورة الياسمين قابلة للتحقيق.

هكذا يمكن لتونس أن تستفيد من نظرية العقد الاجتماعي وتُنشِئ عقدا اجتماعيا تونسيا برائحة الياسمين. وإذا انضاف لهذا العقد الاجتماعي صوت الحكماء الذين بإمكانهم التوسط بين مطالب الشعب وإكراهات النخب السياسية لتهدئة الأوضاع وللاتفاق على سقف زمني معقول لجني ثمار التنمية، ويكون بندا مسطرا في العقد الاجتماعي، فذاك سيشكل قيمة مضافة لنرى مستقبل تونس تفوح منه رائحة الياسمين. وهو ما نتمناه للشقيقة تونس المجاهدة وثورتها المجيدة.

 *كاتب و باحث

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...