حزب العدالة والتنمية المغربي في حاجة إلى تحيين أطروحته السياسية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*سعيد الغماز

 

 

في 2011 أصبح حزب العدالة والتنمية الحزب الأول في المغرب، وهو ما سمح له بترأس أول حكومة في ظل الدستور الجديد، دستور الربيع العربي. عدة عوامل ساهمت في هذه النتيجة، نذكر منها على الخصوص قاعدته الانتخابية الواسعة والتي تضم الأعضاء والمتعاطفين، نذكر كذلك التنظيم الداخلي للحزب واعتماده على المؤسسات قبل الأشخاص، ونهجه لديمقراطية داخلية متقدمة قياسا لباقي الأحزاب المنافسة له. وفي الأخير نذكر أطروحته السياسية القائمة على أساس محاربة الفساد والاستبداد، وهي الأطروحة التي أكسبته أصواتا إضافية في مواقع كانت إلى وقت قريب بعيدة عنه، وهي أصوات حصل عليها من أوساط يسارية وعلمانية ورجال الأعمال وكذلك من الوسط الفني.

في 2020 وجد الحزب نفسه صادق على قرارات لم تكن يوما ما في حساباته، بل في بعضها تتعارض مع الأوراق السياسية والورقة المذهبية للحزب. أذكر على الخصوص قانون الإطار المعروف بفرنسة التعليم، واتفاق التطبيع مع إسرائيل وأخيرا تقنين عشبة القنب الهندي. فماذا وقع بين المحطتين؟

لن أتحدث عن الترتيب التاريخي للأحداث منذ 2011 إلى يومنا هذا، فليس القصد من المقال الخوض في هذا التاريخ، وإنما سأمر مباشرة إلى النقاش الحالي الدائر وسط الحزب وبين أعضائه. واقع الحزب حاليا يتأرجح بين من يعتبر أن قيادة الحزب خرجت عن الأطروحة السياسية وتماهت في مهادنة الدولة تجنبا لأي صدام معها، وبين من يعتبر أن قيادة الحزب تمارس السياسة وفق منظور “فن الممكن” وأخذا بعين الاعتبار التوازنات السياسية ومصلحة البلد وممارسة السياسة وفق تفاهمات سواء مع الدولة أو الأحزاب المشاركة في التحالف الحكومي. فالحزب حسب هذه القيادة، لا يحكم وحده وإنما يشتغل في محيط يفرض التحالف، كنتيجة مباشرة تفرضها طبيعة الاقتراع في المغرب.

الحزب حاليا يعيش في مخاض، يمكننا أن نعتبره مخاضا طبيعيا في سيرورة أي حزب يتفاعل مع محيطه، حزب أنشئ ليحيا ويستمر وليس ليضعف وينقرض. والاستمرار في الحياة السياسية هو رهين بالتعاطي مع الواقع والتفاعل مع سيرورة الأحداث. والسير في عكس هذا التوجه، لن ينتج عنه سوى واقع الحركات الإسلامية التي تُعاني الآن من نتائج عدم أخذها للتوازنات السياسية بعين الاعتبار، في قراءتها للأحداث. نذكر على الخصوص جبهة الإنقاذ في الجزائر والإخوان في مصر. ولنوسع دائرة التفكير، يمكننا أن نعطي تجارب ناجحة من خارج العالم العربي والإسلامي، التي تعاملت بحنكة مع التوازنات السياسية. ونذكر دولة الفيتنام التي قرَأَت العلاقات التي تحكم الدول قراءة صحيحة، وقررت أن تطوي صفحة العداء مع الامبريالية الأمريكية، لتفتح صفحة الانفتاح على الاستثمارات الأجنبية وتستثمر في القطاع السياحي. وهذه القرارات الكبرى هي التي جعلت الدولة في الفيتنام تستمر بل أصبح لها نموذجها التنموي الذي تتقدم به البلاد. وهي الآن تُقدم نموذجا لبلد يشق طريقه نحو التقدم وتعزيز مكانته الدولية.

بعد أن دخلت قيادة حزب العدالة والتنمية غمار تدبير شؤون الحكومة، انفتحت على العالم، وخبِرت المنظمات الدولية كالأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وصندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمات حقوق الإنسان إلى غير ذلك من المؤسسات. كما أن هذه القيادة انفتحت كذلك على طبيعة العلاقات القائمة بين الدول، وكيف تدبر كل دولة مصالحها في مجتمع دولي قد يقود في بعض الأحيان إلى التغاضي عن أمور من أجل مصالح حيوية للبلد وللوطن. فواقع العلاقات الدولية قائم بذاته، ومن الصعب التأثير فيه بشكل منفرد من دون الانخراط في اتحادات سواء سياسية أو اقتصادية. ومن هنا يمكن أن نفهم مدى تأثر السياسة المغربية في ظل التعثر الذي يشهده اتحاد المغرب العربي.

مشكلة قيادة العدالة والتنمية هي أنها لم تفلح في خلق نقاش داخلي يساعد على تحيين أطروحة الحزب السياسية، وتضمين هذا التحيين في أوراقه السياسية وورقته المذهبية. كما أنها لم تتمكن من تعميم تجربتها الحكومية التي جعلتها تطور رؤيتها السياسية، على جميع القواعد الحزبية، وتتقاسم هذه الرؤية مع أعضاء الحزب. هذا التقاسم للتجربة الحكومية، من شأنه أن يجعل جميع مكونات الحزب تتحدث لغة واحدة مرتبطة بتجربة الحزب في الحكومة وما أفرزته من رؤى وتصورات جديدة. ومع مرور الوقت في التدبير الحكومي وتراكم منطق الواقعية السياسية في وعي قيادة الحزب، تزداد الهوة في الفهم السياسي بين قيادة الحزب والقواعد، وهو ما جعل هذه القيادة تحت نيران الانتقادات من قبل مناضلي الحزب، لأن منطق الفهم وأرضية الممارسة لم تعد موحدة.

هذا المعطى أفرز خطابا سياسيا يرى فيه المحللون والمتتبعون للشأن السياسي، تناقضا بارزا وابتعادا عن خطاب التأسيس. لكن واقع الحال، يقول إن حزب العدالة والتنمية يشهد حاليا ثلاثة أنواع من الخطاب السياسي: خطاب الواقعية السياسية الذي لم يكن سائدا في الحزب قبل 2011، لأنه خطاب ناتج عن انفتاح الحزب على شيء اسمه المنتظم الدولي بعد تحمله لمسؤولية رئاسة الحكومة لولايتين متتابعتين. فالأطروحة السياسية لحزب كان في المعارضة وانتقل لتسيير الشأن العام، لا بد وأن تتطور بحكم السنن الكونية، وإلا سنكون أمام حزب جامد لا يتفاعل مع محيطه. خطاب ثاني يتحدث لغة الحزب المعارض، وهو خطاب يتشبث بأوراق الحزب السياسية وخاصة ورقته المذهبية، ويعتبر أن الحزب فقد بوصلته وتخلى عن المبادئ التي من أجلها تم تأسيسه. هذا خطاب لا زال يعيش في زمن المعارضة وما واكبها من حماس وقوة في المواقف والآراء. وهو بطبيعة الحال خطاب يستهوي شباب الحزب على الخصوص، الذي يطالب بحفاظ الحزب على مواقفه قبل 2011 وإن اقتضى الأمر الرجوع إلى المعارضة. لكنه خطاب يحكمه الحماس السياسي ولا يأخذ بعين الاعتبار تبعات هذا القرار ولا يملك رؤية مستقبلية للحزب في المنظور القريب أو المتوسط. إنه خطاب يحكمه الحماس، وتسيير الشأن العام لا يمكن أن نمارسه بحماس خطاب المعارضة، فلكل موقع خصوصيته وأسلوبه ونهجه. على هذا الأساس، يمكننا فهم الخلاف الدائر بين القيادة وبعض القواعد في الحزب.

نجد كذلك خطابا ثالثا هو أقرب لخطاب حركة الإصلاح والتجديد، وهو خطاب يعتبر أن العربية هي لغة القرآن ومن هذا المنطلق هو يرفض القانون الإطار ويعتبره وصمة عار في تاريخ الحزب، كما أنه يتحدث عن إسرائيل من منظور الدولة التي يجب تدميرها وتكوين دولة فلسطينية من النهر إلى البحر.

شيء طبيعي أن يسود خطاب حركة التوحيد والإصلاح داخل حزب العدالة والتنمية، فإذا كانت المؤسسات حققت التمايز بينها أي الحزب والحركة، فإن أغلب أعضاء الحزب هم أبناء الحركة الإسلامية. لكن المحظور الذي لا يجب أن ينساق إليه الحزب، هو تبني قرارات الحركة في قضايا سياسية. فحركة التوحيد والإصلاح هي حركة فكرية دعوية، تُصَرِّف مواقفها بين أعضائها، وفي المنتديات التي تُنظَّم في العالم الإسلامي. فهي لا تتعامل لا مع الأمم المتحدة ولا مع مؤسسات المنتظم الدولي ولا مع الدول والحكومات. لذلك يمكننا القول إنه لمن الطبيعي أن تتبنى الحركة اعتماد اللغة العربية في الإدارة وفي التعليم من منظور أنها لغة القرآن، بل من حقها أن تطالب حتى برمي إسرائيل في البحر وإعادة أراضي ومقدسات المسلمين إلى الفلسطينيين. وهي مواقف منسجمة مع المحيط الذي تشتغل فيه الحركة.

في هذا الصدد، لا بد لنا من أن نقف على الخرجة الإعلامية الأخيرة للمقرئ أبو زيد، من منظور كونه عضو في حركة التوحيد والإصلاح، وعضو برلماني يمارس السياسة من داخل الحزب، وراكم تجربة معتبرة في العلاقات الدولية من خلال مؤسسة البرلمان. في هذه الخرجة انتقد أبو زيد بشكل كبير ومباشر عبد العزيز الرباح وذكره بالاسم، لكنه لم ينتقد بنفس الشدة رفيقه في الحزب د. سعد الدين العثماني وهو من أمضى على وثيقة التطبيع مع إسرائيل. فنجد أبو زيد في هذه الخرجة ينتقد بشكل قوي ما أسماه بالهرولة نحو التطبيع، وهو بذلك، وهذا استنتاج وليس إقرارا، يتفهم ضمنيا قرار الدولة بالتطبيع مع إسرائيل، لأنه خبِر السياسة الدولية وكان قريبا من إخوانه في الحكومة. لكنه ظل وفيا لمبادئه باعتراضه الشديد على الهرولة نحو التطبيع. يمكن لنا أن نفهم من كلام أبو زيد، أن التطبيع إذا كان مقرونا بمصلحة وطنية، فلنجعله تطبيعا رسميا تستفيد منه الحكومة والدولة في علاقاتها مع المنتظم الدولي، ولا نجعل منه تطبيعا شعبيا حماية للوطن من الصهيونية العالمية. من هنا يتضح لنا تأثير تجربة الحزب الحكومية خلال العشر سنين الماضية، على خطاب أبو زيد، وهو خطاب متميز عن خطاب حركة التوحيد والإصلاح التي ينتمي إليها. وذلك لأنه خطاب يجمع بين المرجعية الإسلامية والتجربة العملية في العلاقات الدولية.

من منظور سياسي، لا يمكن للحزب أن يستمر وهو يجتر معه ثلاثة أطروحات: أطروحة الواقعية السياسية الذي تتبناه قيادة الحزب وكثير من الأطر، أطروحة ثقافة المعارضة السائدة في قواعد الحزب، وأخيرا أطروحة حركة التوحيد والإصلاح، حيث نجد أن بعض القواعد الحزبية تميل لمواقف الحركة أكثر من قرارات الحزب. على حزب العدالة والتنمية، أن يسمح لكل توجه داخل الحزب بإعداد ورقة سياسية تلخص تصوره لواقع المرحلة ولمستقبل الحزب. هذه الأوراق ستجعل كل أطروحة تدخل مرحلة التمحيص والتدقيق في الشعارات والأفكار التي يتم تداولها في وسائط التواصل الاجتماعي، وهو الإجراء الذي سيجعل الكثير من القواعد تتخلي عن الأفكار والآراء التي تروج داخل الحزب دون سند منطقي أو تحليل يأخذ بعين الاعتبار مستقبل الحزب. وفي مرحلة ثانية يجب على قيادة الحزب السماح لكل مكون من أن يعرض أطروحته على كل القواعد الحزبية. هذه العملية ستخلق نقاشا حقيقيا بعيدا عن التدوينات وتمرير المواقف السطحية والمتفرقة في وسائط التواصل الإجتماعي، وهو ما سيساعد على تنمية الوعي داخل الحزب بطبيعة المرحلة، والوعي بالشروط التي ينبغي اعتمادها في القرارات السياسية، بما في ذلك شبيبة الحزب. والأكيد أن نقاش الأطروحات سيفيد الحزب، وسيسمح لقيادة هذا الأخير بنشر الوعي السياسي الجديد الذي راكمته طيلة تدبيرها للشأن العام، وتَقاسم خلاصات هذه الفترة مع عموم أعضاء الحزب، وهو ما سيجعل أرضية النقاش تكون موحدة مما سيعزز تقارب الخطاب والأطروحات السياسية. هذا النقاش الموسع الداخلي سيُحسم لا محالة، لفائدة الاتجاه الذي سيجعل حزب العدالة والتنمية يحسم نقاشه الداخلي بخلق وضع جديد يكون فيه الحزب أكثر قوة وأكثر تماسكا وأكثر انسجاما. كما أن الحزب سيتمكن من تحيين أوراقه السياسية وورقته المذهبية وتوحيد خطابه السياسي. فالحزب دخل الحكومة بأطروحة سياسية تعود لمرحلة المعارضة، وبعد أن راكم تجربة عشر سنين في الحكومة، فمنطق الأشياء، يقول إن الحزب تطور وعليه تحيين أوراقه السياسية، انسجاما مع سنن التاريخ.

*كاتب وباحث

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...