* د. أسامة جادو
كثيرةٌ تلك المواقفُ الشدادُ التي يتعرضُ لها الدعاةُ المخلصون و هم سائرون على طريق الدعوة الرشيد، و في كل موقف يتعرضون فيه لمحنة أو ينزل بهم الكرب يهتف بهم داعي الإيمان، “لا تحزنوا إنَّ الله معكم، و من كان الله معه فمعه العزيزُ الذي لا يُغلب، و القويُّ الذي لا يُقهر، و ما حديثُ الإسراء منكم ببعيد” .
نعم… لقد تجلت على رسول الله (صلى الله عليه و سلم) فيوضاتُ الرحمة و النصرة في وقتٍ يصفه النبيُّ (صلى الله عليه و سلم) بالكرب الشديد الذي لم يُكرب مثلُه قط، روى الإمام مسلم في صحيحه عن أم سلمة ( رضي الله عنها ) عن النبيِّ (صلى الله عليه و سلم) و هو يحدث عن إجتماع قريش حوله بعد أن أخبرهم بخبر الإسراء ، فقال :
فسألوني عن أشياء لم أثبتها ، فكَرِبتُ كرباً لم أُكّربّ مثلُه قط… فلقد سأله المطعمُ بن عدي عن عدد أبواب المسجد الأقصى و مداخله و قبابه إلى غير ذلك من تفصيلات لم يكن النبيُّ (صلى الله عليه و سلم) منشغلاً بها أثناء رحلته، فكان الحرجُ و الكربُ الذي يصفه بأنه لم يُكربّ مثله قط.
هنا تسعفه العنايةُ الإلهيةُ ، إذا بمعجزةٍ أخرى يُجريها الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه و سلم) ليقيمَ بها الحجة على قومه، فلقد صحَّ في البخاري و مسلم و عند أصحاب السنن حديث رفع بيت المقدس من مكانه و المجيء به إلى رسول الله (صلى الله عليه و سلم) حتي ينظر إليه و ينعته لقومه و يصفه باباً باباً و يخبرهم عن آياته فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه و سلم) يقول : “لمَّا كذبتني قريشٌ ، قمت في الحجر ، فجلى الله لي بيتَ المقدس فطفقتُ أخبرهم عن أياته ، و أنا أنظر إليه”
وروى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله (صلى الله عليه و سلم) :
“لمَّا كان ليلة أُسرى بي ، فأصبحتُ بمكة ، فظعت ، و عرفت أنَّ الناس مُكذبي”، فقعد معتزلاً حزيناً، فمر به عدو الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزيء : هل كان من شيء؟
فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : نعم. قال: ما هو؟ قال إني أُسرى بي الليلة. قال: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس . قال : ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟ قال: نعم قال ابن عباس: فلم ير أن يكذبه مخافة أن يجحد الحديثَ إنّ دعا قومَه إليه. فقال أبو جهل: أرأيت إن دعوت قومَك أتحدثهم بما حدثتني؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه و سلم) : نعم . فقال: يا معشر بني كعب بن لؤي، فانفضت إليه المجالسُ و جاؤوا حتى جلسوا إليهما، قال أبو جهل: حدثّ قومَك بما حدثتني. فقال رسول الله (صلى الله عليه و سلم): إني أُسرى بي الليلة فقالوا: إلى أين؟ فقال: إلى بيت المقدس قالوا ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم، قال ابن عباس: فمن بين مصفق و من بين واضع يده على رأسه متعجباً للكذب.. قالوا: و تستطيع أن تنعت لنا المسجد، تصفه لنا؟ و فيهم من قد سافر إلى ذلك البلد و رأى المسجد. فقال رسول الله (صلى الله عليه و سلم) : فمازلت أنعت حتى التبس علىَّ بعض النعت فجيء بالمسجد و أنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل، أو عقال، فنعته و انا أنظر إليه، قال: وكان مع هذا نعت لم احفظه قال ابن عباس: فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب فيه.
إنها المؤيدات الربانية التي تهتف بالمؤمنين لا تحزنوا إنَّ الله معكم، فإذا بالفرج القريب و اليسر اللطيف يحيطان بالنبي (صلى الله عليه و سلم) و تنطق الدلائل بصدقه فيحبط أهل الباطل.
و اخبر الرسول (صلى الله عليه و سلم) قريشاً عن عيرٍ لهم، قد مرَّ بهم في ذهابه و إيابه، و أخبرهم عن علامات و أمارات و أخبرهم عن وقت قدومها و اخبرهم عن البعير “الجمل” الذي يقدم القافلة و قال: يقدمهم جملٌ آدم عليه مسح اسود و غرارتان سوداوان فلما كان ذلك اليوم أشرفَ الناسُ ينظرون حين كان قريباً من نصف النهار حتى اقبلت العيرُ يقدمهم ذلك الجمل الذي و صفه رسول الله (صلى الله عليه و سلم).
إنه درس اليقين و التوكل على الله و الثقة في تأييده لأوليائه، فكم من بليةٍ أُبتلى المؤمنُ بها ، و كم من محنةٍ وقع الدعاةُ فيها، وكم من كرب أحاط بالصالحين، ولكن!! كان الله بهم لطيفاً، قال لهم من قبل:
“كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ” (سورة المجادلة 21)
و قال : “قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ، إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ” سورة غافر الآية 50 ، 51.
فلما ضاق بهم الأمر، وحلَّ بهم الكرب، تضرعوا إلى ربهم مستغيثين بقوته، مستنصرين بحوله وقدرته، فأسعفهم بفضله و تجلى عليهم بجوده و عطائه.
أيها المسلمون …..
تعرفواإلى ربكم في الرخاء يعرفكم في الشدة
أقبلوا عليه وقت العافية يُقبل عليكم وقت المحنة
إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد معلم الناس الخير.
* عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بغازي عنتاب.





