*بلال التليدي
تعرض العدالة والتنمية في ولاية سعد الدين العثماني لتحديات سياسية وتنظيمية خطيرة، ما إن يسلم من واحدة حتى تنذر التي تليها بإمكان حدوث انقسام داخلي، لكنه استطاع في كل التحديات السابقة، أن يحافظ على وحدته التنظيمية بالرغم من أنه لم يستطع أن ينهي الأزمة داخله.
محطة الولاية الثالثة للأستاذ عبد الإله بن كيران شكلت تحديا خطيرا، كاد الحزب أن ينقسم إلى شطرين، لولا أن بن كيران الأمين العام السابق، وهو المعني بهذا الموضوع، خرج من دائرة التقاطب، وترك المجلس الوطني (برلمان الحزب) يعمل الآلية الديمقراطية الداخلية، بالحسم بالتصويت، ومع ذلك، انتهى النقاش حول الولاية الثالثة، ولم ينته الخلاف الداخلي، لأن هذا الموضوع، لم يكن في الجوهر سوى صدى لخلاف في التقدير السياسي داخل الحزب، وانخفاض مؤشر الثقة الداخلية، وبروز مخاوف من الاختراق وفقدان استقلالية القرار الحزبي.
في محطة المؤتمر، كاد الشرخ أن يأخذ مدى أعمق، وكاد الحزب أن يسير في خطين العثماني قبيل التصويت، بأن المؤتمر إن لم يصوت له، فإنه سيستخلص الدروس الضرورية، فبعث بذلك برسالة سياسية إلى الحزب يهددهم فيها بأنه سيترك منصبه كرئيس حكومة، إن لم يصوت له المؤتمر.
الأستاذ مصطفى الرميد اعترف، أن الدور الذي قام به ابن كيران كان حاسما في الخروج من هذا الاستحقاق التنظيمي بوحدة الصف، وأنه لولاه، لحصل المحظور.
مع محطة القانون الإطار (القانون الذي أقر فرنسة التعليم) أخذ الخلاف منحى قياديا، فانتقل من خلاف فريق نيابي مع القيادة، إلى شرخ قيادي (القيادة السابقة والقيادة الحالية) بعد خرجة الأستاذ بن كيران على الفيسبوك ومطالبته نواب الفريق بالتصويت ضد فرنسة التعليم.
لم يتم في هذه المحطة إعمال الآلية الديمقراطية من خلال الرجوع للمجلس الوطني، وإنما استعملت الأمانة العامة سلطتها على الفريق، وشغلت حجة الانضباط التنظيمي لتلزمه بقرارها.
مع محطة التطبيع، تفجر الخلاف الداخلي بدرجة غير مسبوقة، بسبب ضعف القيادة في تدبير الحدث، وأيضا في التواصل السياسي. فالأستاذ سعد الدين العثماني أصدر تعبيرات متناقضة، ووردت عنه ردود أفعال مترددة، بسبب عدم قدرته على إنتاج موقف سياسي وتواصلي يقيم المسافة بين موقعه كرئيس الحكومة، وموقعه كأمين عام للحزب.
بن كيران مرة أخرى، قام بالدور، وأثبت قدرته على الإقناع، بطرحه لفكرة تفهم موقف الدولة، والتزام الحكومة به، مع احتفاظ الحزب بموقفه الثابت من التطبيع.
هدأت العاصفة قليلا، ثم جاءت تصريحات عزيز رباح، عضو الأمانة العامة وزير الطاقة والمعادن، التي استفزت الداخل الحزبي، وذلك لما صرح بجاهزيته لزيارة إسرائيل، إذا اقتضت أجندة الدولة ذلك، فأعاد إدخال الحزب في الجدل الذي حسمه ابن كيران، فاتهم ومن سايره في القيادة بالهرولة إلى التطبيع، وتوريط الحزب في مأزق التناقض مع ورقته المذهبية.
مع ملف الترخيص باستعمال القنب الهندي لأغراض طبية، يبدو أن الشرخ القيادي بلغ مداه، فقد عرف الحزب في أقل من يومين استقالتين وازنتين من قياديين في الأمانة العامة، مع تلويح عبد الإله ابن كيران بالاستقالة من الحزب
هجوم ابن كيران القاسي عليه، وإعادة توضيحه للموقف من التطبيع، أعاد الهدوء مرة أخرى، وأخرج هذا الملف نسبيا من دائرة الجدل المهدد لوحدة الحزب.
لكن مع ملف الترخيص باستعمال القنب الهندي لأغراض طبية، يبدو أن الشرخ القيادي بلغ مداه، فقد عرف الحزب في أقل من يومين استقالتين وازنتين من قياديين في الأمانة العامة، مع تلويح عبد الإله ابن كيران بالاستقالة من الحزب، إن صوت لهذا القانون.
استقالة الرميد تحتفظ بخصوصيتها، فالرجل عللها بوضعه الصحي، ثم أعاد التأكيد عقب إجرائه العملية الجراحية، وبعد الجدل الذي ثار حول أسبابها الحقيقية، بأن إحساسه بالعجز عن أداء مهمته بسبب صحي هو الذي أملى عليه هذه الاستقالة، لكن مع ذلك، فالمعطيات تؤشر بأن العلاقة بينه وبين العثماني، ليست ودية، فلطالما قاطع المجلس الحكومي، وقاطع لقاءات الأمانة العامة، بسبب عدم التشاور والتنسيق معه.
التأويل الأقرب إلى الصواب أن الحالة الصحية للرميد عززت قناعته بضرورة مغادرة حكومة العثماني لولا تدخل الملك ومراجعته في ذلك.
استقالة الأزمي وتلويح بن كيران بمغادرة الحزب إن صوت الحزب لقانون القنب الهندي، ليست شيئا عاديا، فهي تشكل تحديا غير مسبوق، كونها هذه المرة، تشهد على انحراف موثق لا يمكن التغطية عليه بأي شكل من الأشكال، فمن جهة، لقد سبق للأمانة العامة للحزب أن أصدرت موقفا قويا في هذا الموضوع سنة 2015، لما قدم حزب قريب من السلطة مقترح قانون بالترخيص باستعمال القنب الهندي لأغراض طبية، ولم يحدث أي شيء يغير موقف الحزب في هذا الموضوع، بل إن المشروع الذي قدمته وزارة الداخلية، لا يختلف في شيء عما طرحه في السابق حزب الأصالة والمعاصرة، إن لم يكن أسوأ منه، لاسيما المادة السابعة عشرة التي تفتح المجال لاستعمال القنب الهندي لأهداف ترفيهية بجرعة محددة، فهذه المادة تفتح المجال لإنتاج مواد تحتوي على نسبة من مادة رباعي هيدروكانابينول (THC) تقل عن النسبة المحددة بنص تنظيمي.
ومن جهة مقابلة، فقد تعاملت قيادة الحزب مع هذا الموضوع بنحو متردد أو ملتبس، فظهرت في صورة عدم العارف بوجود مشروع قانون، ثم اضطرت بعد حديث ناشطة فيسبوكية عن وجوده إلى عقد يوم دراسي مستعجل، وعقدت لقاء قياديا لمناقشة الموضوع دون الحسم فيه، وفضلت أن تأخذ مزيدا من الوقت، وسط مخاوف من أن لا يكون الوقت في صالح الحزب، وأن يتعقد الملف، ويصبح من الصعب الحسم فيه.
ذكاء ابن كيران السياسي، جعله يقسم تلويحه بالاستقالة إلى مستويين، الأول هدد فيه بتجميد العضوية إن صوتت الأمانة العامة على القانون، والثاني، لوح فيه بالاستقالة من الحزب نهائيا إن صوت الفريق على القانون.
البعض قرأ في موقفه انتحارا سياسيا، والبعض الآخر، طرح إمكانية تراجعه عن الاستقالة، والأقرب إلى الصواب أنه قرأ توجهات الأمانة العامة، وربما تأكد له عدم تغير موقفها عما كانت عليه في السابق، وأن هناك شيئا مريبا وراء تأجيل الحسم فيه، يمكن أن يفتح مساحة الشك حول استقلالية القرار السياسي، ولذلك بقدر ما يراهن العثماني على الوقت، يشكك بن كيران في التأخير وعدم الحسم.
خيارات العثماني محدودة، فالسعي لكسب الوقت ربما بحثا عن اتضاح الصورة، أو لمراودة بعض القيادات لتغيير موقفهم، أو انتظارا لحصول متغيرات تعقد الملف، وتظهر معارضة القانون كما ولو كان معارضة للدولة، كل هذه الخيارات ستدفع في تسريع المحظور، أي الانقسام، وليس من المؤكد أن يكسب العثماني المعركة داخل الأمانة العامة فضلا عن كسبها مع الفريق.
خيار تأجيل مدارسة القانون في المجلس الحكومي، يمكن أن يكسبه بعض الوقت، لكن في كل الأحوال، سيكون مضطرا إلى حسم الأمانة العامة والفريق النيابي، مما سيكون من المتعين معه مواجهة كلفة هذا الحسم، إما مواجهة لأزمة شرعيته داخل الحزب، أو الدخول في احتكاك لا يريده مع السلطة.
*كاتب وباحث مغربي





