*بقلم.. الدكتور حسن مرهج
من جديد تُحرك العثمانية الجديدة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إذ يسعى أردوغان إلى زيادة رقعة تدخلاته سياسياً وعسكرياً في عموم المنطقة، في تجسيد واضح لهندسة عقيدة العمق الاستراتيجي لتركيا، لكن في المقابل، فإن هذه الإستراتيجية قد ورَّطت تركيا على مدى العقد الماضي، وأدخلتها في المنافسة مع القوى الإقليمية والدولية الأُخرى، في مجموعة واسعة من الأزمات والقضايا الجيوسياسية في مناطق مختلفة وخاصةً في العالم العربي.
الأزمة اليمنية ومنذ بدايتها لم تكن بعيدة عن أنظار أردوغان وسياساته، ومن الواضح أن خطوات تركيا في هذا الإطار تجسدت في قبولها استضافة قيادات الإخوان المسلمين اليمنيين، مثل عبد المجيد الزنداني ومحمد اليدومي، وبذلك أصبحت أنقرة وجهة مفضلة لمعظم قادة حزب الإصلاح اليمني، وعطفاً على ذلك، فقد سُربت وثيقة تفيد بأن المخابرات التركية قد أقامت غرفة عمليات في عفرين بسوريا، لنقل المرتزقة السوريين للمشاركة في الحرب اليمنية.
كل ذلك يأخذنا بشكل مباشر إلى المزيد من المعطيات التي تؤكد رغبة تركيا في لعب دور خبيث في اليمن، فقد كتب ياسين أوقطاي مستشار أردوغان وأحد أقرب مساعديه، مقالا لصحيفة “يني شفق” التابعة للحزب الحاكم بعنوان “كما أنقذت ليبيا وأذربيجان، هل ستتخذ تركيا إجراءات لإنقاذ اليمن من “عاصفة العزم”.
كل ما سبق، يشير صراحة إلى أن تركيا تضع اليمن ضمن منظارها الاستراتيجي، وبذلك تحاول اللعب على التطورات اليمنية لتدخل في منافسة السعودية والإمارات بغية محاولة استثمار الوقائع الجديدة التي فرضتها الإدارة الأمريكية، وتحديدا فيما يتعلق بالعلاقة مع انقرة.
بذات التوقيت، أفادت تقارير إعلامية أن السعودية قد طلبت مساعدة أنقرة للمشاركة في التطورات اليمنية، وبالتالي فإن السؤال المحوري الذي يفرض نفسه في هذا التوقيت، يتمحور حول دافع السعودية من مشاركة تركيا في التطورات اليمنية.
حقيقة الأمر، يمكننا القول بأن أحد أهم أهداف رجب طيب أردوغان بتعبيد جسور التواصل مع السعودية، يرتكز على جملة من المعطيات الجيواستراتيجية والاقتصادية، خاصة أن تركيا تورطت في المنافسات الإقليمية التي أدت إلى العقوبات الغربية عليها، وكذلك العقوبات على السلع التركية في بعض الدول العربية، فضلاً عن تفشي جائحة كورونا، كل ذلك وجه ضربة قاسية للاقتصاد التركي، بحيث إنه في الانتخابات البلدية الأخيرة، خسر حزب العدالة والتنمية رئاسة بلدية اسطنبول بعد سنوات عديدة، ليظهر أن أردوغان وحزبه سيواجهون أوضاعاً هشة في الانتخابات المقبلة، وبناء على ذلك فإن أحد أهداف دعم أردوغان للسعوديين في اليمن، هو تهيئة الظروف لإنهاء الحظر المفروض على البضائع التركية في الدول الخليجية، وتوظيف هذا الأمر في الداخل التركي.
في جانب أخر، تحاول تركيا دعم الإخوان المسلمين في القضية اليمنية، لتفتح جبهة جديدة ضد المحور السعودي الإماراتي، وبما أن اليمن قريب جغرافياً من هاتين الدولتين، فهو يتمتع بموقع جيد لإلحاق الأذى بهما، ومن ناحية أخرى، فإنها تزيد من قوة المساومة لديها في ملفات أخرى في المنطقة تعارض هذا المحور بطريقة ما.
بالتأكيد، بالنظر إلى الموقف الدولي القوي ضد السعوديين والإدارة الأمريكية السابقة كسبب للأزمة الإنسانية الكبرى في اليمن، فإن دعم تركيا السياسي للسعوديين لن يتم نتيجة لتداعياته العديدة، وإذا قررت تركيا دخول الحرب علی اليمن ضد صنعاء، فإنها تضع على جدول أعمالها التعاون العسكري من وراء الكواليس مع السعودية وحكومة منصور هادي المستقلة، وبذلك إن التعاون بين السعوديين وتركيا في الحرب اليمنية، هو بالأحرى نتيجة لأهداف تركيا قصيرة المدى المتمثلة في تهدئة التوترات مع السعوديين، ونظرة الرياض التكتيكية المتمثلة في الحفاظ على محافظة مأرب بأي طريقة ممكنة، بدلاً من امتلاك منطق التعاون الاستراتيجي.
وفي جانب لابد من الإضاءة عليه، فأنه سيكون للتعاون مع تركيا تأثير سلبي متزايد على علاقات السعودية مع الإمارات في الحرب اليمنية، فلا شك في أن الإمارات والسعودية تنظران إلى الوجود التركي في اليمن على أنه تهديد لمصالحهما الجيوسياسية في شبه الجزيرة، بعد التطورات في سوريا وليبيا، ذلك أن هدف تركيا الاستراتيجي من دخول التطورات في اليمن، ليس فقط منع هزيمة حزب الإصلاح في شمال اليمن، بل أيضًا لتصبح الدعامة الأساسية للحزب في التطورات في اليمن بدلاً من السعودية والإمارات.
لذلك، سواء من حيث الأهداف الاستراتيجية للجانبين أم من حيث مصير التعاون الثنائي المحتمل بين السعودية وتركيا، فإن مصير هذا التحالف محكوم عليه بالفشل، وسيضحي أردوغان أيضًا بعلاقاته الجيدة نسبيًا مع المقاومة الفلسطينية لمصلحة جهود محمد بن سلمان العابرة للهروب من الهزيمة في اليمن.
*إعلامي خبير في شؤون الشرق الأوسط





