صيد خاطرة “وَاصْبِرْ نَفْسَكَ… وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ..” من سورة الكهف

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*د. أسامة جادو

 

 

جلستُ ليلة الجمعة أنصتُ إلى ترتيل سورة الكهف بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد- رحمه الله تعالى – و أدهشتنى اﻵية الكريمة ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) سورة الكهف) وهى تحملُ التوجيه الربانىَّ واﻹرشادَ اﻹلهىَّ لسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم أن يصبر نفسه مع الفئة المؤمنة ، الذين يدعون ربَّهم الكريم صباحا ومساءا يريدون وجهه و رضاه ، ويبغون رحمته ويخافون عذابه ، وﻻ يلتفتون لغيره وﻻيرجون سواه، فهم الرفقة الصالحة ، والعون وقت الشدة ، و البهجة والزينة وقت الفرح ،و ﻻ تعد’ عيناك عنهم فهم اﻷحق بنظرك الكريم ، ولحظُ عينيك لهم رحمةٌ لهم ومددٌ وزادٌ لقلوبهم ، يستمدون من قربك طاقة تُعينهم على طاعة ربهم ، ويجدون فى صحبتك قوة تشدُّ من أزرهم ، ومضاتُ عينيك لهم وفيهم رسائلُ تثبيتً لهم ، وقوةُ صبر واشراقةُ روح ، هم أولى بك وأحقُّ ، و هم أطيبُ من كل زينة الحياة الدنيا فهم الباقيات الصالحات وهم المحيا والممات وهم أنت ،
وﻻ تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا مهما كانت مكانته عند أهل اﻷرض ومهما كانت سطوته أو قوته أو دولته ما دام من أهل الغفلة وأتباع الهوى .

وقد ورد فى أسباب النزول ما يزيد العظة بيانا ، روى الضحاك عن ابن عباس ( رضى الله عنهما ) في قوله تعالى: « ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا » قال: نزلت في أمية بن خلف الجمحي، وذلك أنه دعا النبيَّ صلى الله عليه وسلم إلى أمر كرهه من تجرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة؛ فأنزل الله تعالى: « ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا » يعني من ختمنا على قلبه عن التوحيد. « واتبع هواه » يعني الشرك.

ورواية أخرى عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : جاءت المؤلفةُ قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: عُيينة بن حصن والأقرع بن حابس فقالوا: يا رسول الله؛ إنك لو جلست في صدر المجلس ونحيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم – يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جباب الصوف لم يكن عليهم غيرها – جلسنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله تعالى « واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا. واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه – حتى بلغ – إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها » . يتهددهم بالنار. فقام النبيُّ صلى الله عليه وسلم يلتمسهم حتى إذا أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله قال: ( الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم المحيا ومعكم الممات ) -تفسير اﻹمام الطبرى .

والعبرة – كما يقول علماؤنا- بعموم اللفظ ﻻ بخصوص السبب ، فاﻵية إرشادٌ ربانى لكل مؤمن يسلك سبيل الصالحين العاملين أن يصبر ويلزم نفسه العيش مع الفئة المؤمنة التى تحيا لله تعالى وعلى منهاج النبوة ، الساعية لنصرة الحق والدفاع عن الدين ،،
فى سبيل الله قمنا نبتغى رفع اللواء
ﻻ لدنيا قد عملنا نحن للدين الفداء
فليعد للدين مجده أو ترق منا الدماء

والحذر من كل دعوات الإلتفات عن هذه الصحبة الطيبة ،أو اﻹنخداع بزيف و فساد غيرهم ، مهما طال الزمن واشتدت المحن وغﻻ الثمن فإنَّ الموعد الجنة ، وغمسةٌ من نعيمها تنسى كل شقاء وتُذهبُ كل حزن وتمسحُ كلَّ أسى .
إنَّ كفَّ النبيِّ الكريم ( صلى الله عليه وسلم) ممدودةٌ فمن يمدُ كفه يصافح الكف الكريم ويعاهده على أن
( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ )
رزقنا الله وإيَّاكم تقواه وجعلنا من الصابرين المحتسبين
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد معلم الناس الخير

* عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...