حرب الشرائح الالكترونية الباردة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

إعداد: د. نادين مصطفى الكحيل

 

 

شهد العقد الاخير في القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، ثورة تقنية هائلة، شملت جميع نواحي الحياة، فأسفرت التطورات التكنولوجية عن ظهور وسائل وأساليب جديدة للحرب، مما أثار تحديات إنسانية وقانونية جديدة.
وأعتبر قرن سيطرة المعلومات والتقانة المعلوماتية التي حققت تطوراً مذهلاً، إذ أوجدت الثورة المعلوماتية مجالاً جديداً للصراع بين الدول، وتحول الفضاء الالكتروني الى مسرح جديد للتفاعلات الدولية، وبرزت حالة توظيفه في الاستخدامات المدنية والأخرى ذات الطبيعة العسكرية وتبلورت حروب الجيل الخامس (الحروب الهجينة) التي تستخدم التكنولوجيا المتطورة، بعيداً عن المواجهة المسلحة العسكرية، وتستهدف المؤسسات والاهداف الحيوية والبنى التحتية للدول.

أصبحت تكنولوجيا المعلومات ركيزة أساسية تعتمد عليها الدول في ظل “الذكاء الاصطناعي”، ففي حروب الجيل السادس وهي الحروب التي تدار عن بعد، تستخدم حرب المعلومات على نطاق واسع، وتستهدف الدول والافراد عن بعد عبر شبكة الانترنت او بواسطة توجيه الذخائر الذكية على الاهداف او الاشخاص عن طريق الاقمار الصناعية.
ويعتبر الاستراتيجيون ان الحروب تبدلت وتغيرت طبيعتها، فنحن نتجه الى حروب الجيل السابع التي تشمل حروب السيطرة على البشر، عبر إدخال رقاقات صغيرة في جسم الانسان للتحكم به، من خلال الاعتماد على تقنية النانو في تصنيع الرقاقات، التي تزرع في الدماغ وتبرمج وتسيطر على الشخص، ويصبح تحت إمرة المبرمج في تنفيذ اوامره.

وضمن هذا الاطار، شكلت صناعة الرقائق الالكترونية ثورة في عالم التكنولوجيا، وفي عصر الذكاء الاصطناعي بات الصراع حول امتلاك احدث التقنيات في صناعة “الشرائح او الرقاقات الالكترونية ” يوازي أهمية امتلاك الاسلحة النووية، فالمعلومة اضحت فقرة اساسية في العامود الفقري لعصر الذكاء الاصطناعي، وتوازي قيمة النفط الذي يعتبر المحرك الرئيسي والشريان الحيوي لمعظم الصناعات.

شكلت الثورة الصناعية القائمة على الذكاء الاصطناعي تغييرات جوهرية في حياة البشر، ودفعت عملية التطور بين الانسان والآلة الى التقدم في مجال دمج التكنولوجيا بالخلية الحية، فبرزت الابتكارات التكنولوجية الحديثة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر “الشرائح الالكترونية” التي تزرع في جسد الانسان، فشكلت احدى اهم التحديات في العصر الرقمي.
وبالعودة الى التاريخ، فمنذ حوالي الثلاثين سنة الماضية تقريباً، في مطلع السبعينات استخدمت شريحة الاتصال SIM وكانت بحجم بطاقة الائتمان، ومع التطور تضاءل حجمها ووصلنا الى Mini SIM مع نهاية التسعينات، وفي العام 2003 توصلنا الى Micro SIM، ومن ثم في العام 2012 إلى Nano SIM، وأخيراً وليس آخراً الشريحة الالكترونية في العام 2016 والتي شكلت ثورة في عالم التكنولوجيا.

برزت نتيجة لذلك التطور عدة شركات ومشروعات تهدف الى استخدام تكنولوجيا الالكترونيات الدقيقة من اجل تحسين القدرات الجسدية للبشر. وبدأت بعض الشركات المختصة في مجال التكنولوجيا الدقيقة بإنتاج شرائح رقمية أو شرائح الكترونية تزرع في جسم الانسان.
تصاعدت المنافسة الشرسة بين الشركات التابعة للقوى الدولية، وتصاعدت الحرب التجارية الاقتصادية بين الولايات المتحدة الاميركية والصين، بحيث اصبحت صناعة “الرقائق الالكترونية” إحدى اهم الركائز الاساسية التي تهدد الامن القومي للدول.
بناء لما تقدم، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه: هل ستخوض امريكا حرباً ضد الصين على صناعة الشرائح أو الرقائق الالكترونية؟؟

ان الولايات المتحدة الاميركية تهيمن على صناعة الرقائق الالكترونية، ففي العام 2017 بلغ حجم التجارة العالمية لرقائق الهواتف الذكية الالكترونية 475 مليار دولار، وتدخل الصين في منافسة شرسة مع امريكا في هذا القطاع بقيادة شركة “هواوي”، حيث تحولت الصين الى اكبر مصنعة للتقنيات في العالم.
وتعتبر هواوي اليوم هي محور الصراع في الهيمنة التكنولوجية بين امريكا والصين، اذ تسعى الولايات المتحدة لاقناع حلفائها بعدم استخدام معدات هواوي لشبكات “الجيل الخامس” بذريعة ان الصين يمكنها استخدامها للتجسس، ومن التدابير التي اتخذتها واشنطن في هذا الصدد وضع شركة هواوي ضمن القائمة السوداء التجارية.

حيث برز في الاونة الاخيرة، توتر شديد بين واشنطن وبكين، تجسد بقيام الولايات المتحدة الاميركية بالحد من قدرة شركة “هواوي”على الاستعانة بمصادر خارجية لتصميمات الرقائق الداخلية لتصنيعها من قبل شركة “تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة TSMC” وهي مشغل رقائق تايوانية.
تعتبر شركة تايوان لصناعة اشباه الموصلات المحدودة الاكبر من نوعها في العالم، حيث توجد الرقائق التي تصنعها الشركة في كل شيء تقريباً: الهواتف الذكية، منصات الحوسبة عالية الاداء، اجهزة الكومبيوتر، السيارات… وكل نظم التسليح تقريباً التي تم بناءها في القرن الحادي والعشرين، حيث صنعت شركة تايوان حوالي 60% من الرقائق التي استخدمتها الشركات الامريكية في العام 2020، وكانت شركة TSMC قد اعلنت انها ستقوم ببناء مشغل بقيمة 12 مليار دولار في اريزونا لصناعة بعض رقائقها الاكثر تقدماً، ومن المخطط ان يبدأ البناء في منشأة الشركة عام 2021، لكن الانتاج الفعلي للرقائق لن يبدأ حتى عام 2024.

كما ذكرت وكالة “رويترز” بتاريخ 19/12/2020، ان الولايات المتحدة الامريكية أضافت شركة (DJI) الصينية، وهي شركة إنتاج الطائرات المسيرة الكبرى في العالم إلى القائمة السوداء الاقتصادية للحكومة الامريكية.

وفي إطار المنافسة الاميركية الصينية الالكترونية، فرضت واشنطن على شركات الرقاقات الحاسوبية الاميركية طلب الإذن والحصول على ترخيص قبل بيع وتصدير تكنولوجيات معينة إلى الشركات الصينية وذلك خشية استخدامها في أغراض عسكرية، وهذا الإجراء يوسع الهيمنة الاميركية على الصادرات.
لقد أدى هذا التصعيد، إلى تحول الحرب التجارية بين واشنطن وبكين إلى حرب تكنولوجية، مما دفع الصين لزيادة التركيز على صناعة الرقاقات، خصوصاً بعدما تعرضت شركة “هواوي” إلى العقوبات الاميركية، حيث تعتبر أكبر شركات التكنولوجيا في الصين ومفتاح لطموحات البلاد في الجيل القادم من تكنولوجيا شبكات الجيل الخامس، لذلك وضعت الصين خطتين وهما:

أولاً- صنع في الصين 2025: تضمن الخطة تحديث قاعدة التصنيع في الصين عبر تطوير سريع لعشر صناعات عالية التقنية، من ضمنها (السيارات الكهربائية، الحوسبة، الاتصالات، الروبوت، الذكاء الاصطناعي، الرقائق المتقدمة…).

ثانياً- خطة الدائرة المتكاملة الوطنية: وهي خارطة طريق لبناء صناعة اشباه الموصلات المحلية، عبر تسريع تصنيع الرقائق.
الهدف الرئيسي من هاتين الخطتين هو تقليل اعتماد الصين على التكنولوجيا الاجنبية وتعزيز شركات التكنولوجيا العالية الصينية على مستوى العالم، وتلبية الطلب المحلي على الرقائق بحلول العام 2030.
ينظر إلى الشركة المصنعة لأشباه الموصلات كلاعب رئيسي في خطة الصين الطموحة لتصبح أكثر اكتفاء ذاتياً، حيث تهدف بكين إلى انتاج 70% من اشباه الموصلات التي تستخدمها بحلول عام 2025، فالصين تدعم قطاع الرقاقات الالكترونية لقيادة مستقبل الذكاء الاصطناعي.
ان السباق في عصر الذكاء الاصطناعي، حول توسيع قطاع تصميم الرقاقات الالكترونية وتصنيعها، يشهد منافسة شرسة بين القوى الكبرى امريكا والصين وحتى روسيا، ويشكل حرب باردة الكترونية.
ومن المرجح، في عصر التحولات الرقمية ان نواجه تحديات متعددة، ولعل أخطرها في السنوات الثلاثين المقبلة، حيث ستتحكم التكنولوجيا بحياة البشر، وقد تهدد الشرائح الالكترونية الحياة البشرية مستقبلاً.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...