فاديا مطر
– لم يكد إعلان الإدارة الأمريكية يظهر للعلن بالإنسحاب من أفغانستان حتى بدأت فصائل الجيش الأمريكي تلتقط أنفاسها السريعة في قواعدها المنتشرة هناك ، فالأخيرة القادمة منذ العام ٢٠١١ بعد أحداث الحادي عشر منه لما يُسمى مكافحة الأرهاب و إجتثاث القاعدة بدأت مراوحة الخروج العلني بعد خسارة الهدفين معاً و خسران إضافي يفوق ما صرحت به تلك الإدارات الإمريكية أصلاً ، و ذلك لما أوردته بعض الصحف الأمريكية التي واكبت إعلان الإنسحاب من أفغانستان ، فواشنطن التي أمضت عقدين من الحرب في بلد لم تحقق فيه الشيئ المستحق من أهدافها تنظر لمسار الخروج من أفغانستان بريبة المهزوم و هو ما يترافق من تصريحات الخوف من إنسحاب غير آمن ، في ما يتزامن مع إنسحاب حليفها الأساسي من مجموعة الأطلسي التي أعلنت عن إيقاف عملياتها القتالية هناك منذ العام ٢٠١٧ لتُبقي على عملياتها الإستخباراتية نشطة على باقي المدة التي سبقت الإنسحاب ، فماذا تجني إدارة بايدن من الإنسحاب ؟ و ماذا رسمت في توجهاتها المقبلة بعد الإنسحاب ؟
– فالجَنى المعلن من قِبل الإدارة الأمريكية لم يتجاوز إعلان أن الجيش الأمريكي قد ” حقق أهدافه ” هناك ، و ماخفي أعظم لجهة خسارته في جغرافيا بعيدة عن الحدود في حرب لم تأخذ يوماً شكلاً لأي نصر يسمى ، أو حتى لإعلان هدف محدد في التكتيك او الإستراتيجيا العسكرية أو السياسية سوى كونه إعلان إنتخابي لاحق الدفع يمكن توظيفه في مرحلة ما بعد قتل أكثر من ١٠٠ ألف مدني أفغاني على مر عقدين ، وأما ما ترسمه واشنطن في الخطوة القادمة لخلاص العقدين فيكمن في إعادة رسم خارطة جديدة تأخد الأهم من المهم في إنتشار الجيش الأمريكي خارج الحدود ، حيث تعتبر واشنطن أن الدعم العسكري في أوكرانيا القريبة من روسيا يحمل الأهم في المُهم لجهة التسخين القائم هناك و ما يحمل الإنسحاب العسكري من أفغانستان من قدرات عسكرية كبيرة يمكن لها تعزيز الموقف لكييف في عسكرة الحدود الشرقية كجزء يتحضر ليكون من الناتو القادم تجاه حدود روسيا ، أو في بقعة أسخن من حدود كييف و البحر الأسود و مضيق البوسفور الإستراتيجي في خليج العرب الذي يشهد تنامياً دراماتيكياً لأعمال شبه عسكرية تتوسع رقعتها ويحتاج الحلفاء في اليمن فيها لدعم عسكري يدعم الحلفاء الأرهابيين هناك على وقع الخسارات المتراكمة في أرض اليمن و توسع الضربات اليمنية القوية على العمق السعودي و المواقع الإستراتيجية فيه و ما يمكن أن يكون الخليج حاضنة جديدة لكميات السلاح الكبيرة القادمة من كابول ، فيما لم تخرج الحدود العراقية السورية من ذات الخارطة الجديدة في إنسحاب واشنطن القادم و متغيرات التمركز التي قد تخطو بواشنطن إلى أرض الإحتلال التي لم تحرك فيها منذ ثلاثة أعوام عمليات عسكرية تجعل من تلك المنطقة عبئاً إضافياً لتمركز عسكرة واشنطن والناتو هناك بالقرب من حقول الطاقة السورية و المخازن العراقية في أربيل و كركوك و غيرها من مناطق السيطرة الأمريكية وخلفائها من أرهابيي تنظيم قسد و داعش و مخلفات القاعدة التي إدعت واشنطن محاربتها في أفغانستان منذ عقدين ، وليس بحر الصين الجنوبي بأقل أهمية من الشرق الروسي و الشرق الأوسط باللغة العسكرية ، وما يحتّر هناك يبدو مقلقاً أكثر من أي وقت مضى بالنسبة لتواجد واشنطن خارج حدودها ، فالتغيير العسكري لمواقع الجيش الأمريكي بحجة التاريخ في سياق الجغرافيا المتجددة يكمن في نقلة نوعية أبدت موسكو قلقها الجدي منه في تعقيد خطة الإنسحاب من أفغانستان تجاه تجدد العنف هناك و عودة الصراع المسلح ، وهو تخوف ليس بقليل الأهمية لدى موسكو من محاولة واشنطن تصعيد الإستنزاف في وسط آسيا و التي تربط كابل فيها عقدة طرق عسكرية و إقتصادية هامة في طريق بكين و طهران و موسكو في الشرق الآسيوي و الأهمية الكبرى لكون تعقيد الإنسحاب يمكن جرّه على طريق الضغط الثلاثي في آسيا الوسطى و إتصاله بزمن عقدين خارج الحدود ، فهل ستكون مهلة العقدين مطبقة في حرب ٢٠٠٣ على العراق ؟
– وهو المطلب الأكبر الذي أقره البرلمان العراقي و جدد جدّيته الرئيس العراقي برهم صالح في ١٤ نيسان/ابريل الجاري في إتصال مع القيادة الإيرانية ليكون ربما نهاية عقدين للجيش الأمريكي في حرب العراق خطوة تحضيرية ثانية لإنسحاب أمريكي يكمّل خطى أفغانستان ، حيث تُعّد الحرب على العراق من أخطر حروب واشنطن التي قاربت العقدين في ما شهدته من خسارات بالجملة دون تحقيق لأهدافها التي أعلنتها واشنطن منذ ما يقارب العشرين سنة ، بل إستعملت فيها واشنطن بقية الخطوات التي بدأتها في الحرب على سوريا و رعاية التنظيمات الأرهابية و إستحداث تنظيم داعش و مشتقاته و الفصل الديموغرافي والفيدرالي في شرق سوريا و تربية منظمات و ميليشيات يمكن إستخدامها في تاريخ قادم و جغرافيا أقدم ، و ليست زيادة الضغط على طهران و دمشق و بيروت بأقل أهمية من سياسة تغيير المواقع في الخريطة العسكرية الجديدة ، فاللعبة الإسرائيلية في الداخل الأمريكي لا يمكن نكرانها ولا يمكن تجاهلها في السياق العسكري ذاته ، و الغاية الصهيونية في ترتيب أوراق تحمي الفشل الداخلي الإسرائيلي و ما سيحدثه من عواقب محتملة فيما إذا فشل الإتفاق النووي مع إيران بعد خطوة التخصيب بنسبة ٦٠% و ماسبقه من هجوم إرهابي على موقع نطنز في ١٢ نيسان الحالي و ما تحمله خطوة إستهداف القائد سليماني و رفاقه حتى الآن في الإهتمام الإيراني قد تجعل من منطقة العراق – سوريا من أهم مناطق التراجع من أفغانستان إليها في التوقعات العسكرية لما للمنطقة من أهمية إستراتيجية و جيوبولوتيكية بالنسبة لواشنطن و تل أبيب في تلك المنطقة المحتدمة ، فلا أوراق ضغط على إيران قد حملت نفعاً حتى الآن سوى العقوبات الإقتصادية التي وصلت إلى ما يزيد عن ١٥٠٠ عقوبة ، ولا أوراق ضغط على سوريا في المناطق المتبقية سوى الحرب الإقتصادية التي تعصف بأسواقها ، ولا ورقة ضغط على اليمن سوى الحصار المستمر و لا أوراق ضغط إستراتيجية على روسيا و الصين سوى العقوبات و تسخين بعض الأجزاء الساخنة أصلاً من تايوان وبحر الصين الجنوبي إلى أوكرانيا إلى القطب الشمالي ، فيما يتحضر التركي و الخليجي ليكون روقة متقدمة لتمركز واشنطن القادم في تخفيض حرارة شرق المتوسط مع اليونان و مصر ، و الإعلان السعودي عن مفاوضات مستفيضة في حال عودة الإتفاق النووي إلى مساره و هو بمثابة توقع متقدم لوجهة السلاح العسكري الأمريكي القادم من الشرق بغطاء التخفيضات المتوترة ، فلا حرب تسلح جديدة قد تنفع واشنطن أهم من الجمع ما بين زيادة التواجد العسكري في مناطق قد تجعل التعسكر الأمريكي متقدماً ، و تجعل أوراقه ضاغطة أكثر في مقابل القلق الروسي الحذر و التنامي الإيراني و التراجع العسكري السعودي الخليجي في اليمن و السياسي في الداخل الصهيوني ليكون التحّفظ سيد الوقف في التاريخ القادم و الجغرافيا القادنة و لهجّة الخسارة المقبلة.





