جلباب رمضان وتحديات التعايش السلمي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*أحمد براو

 

انتابني شعور ممزوج بين الدهشة والإرتياح بعد دردشة في العمل مع ثلاث زميلات شغل إيطاليات وما جعلني أتفاجأ أكثر هو حجم الجهل عندهن بأبجديات الدين الإسلامي لدرجة أن منهن من كانت تعتقد أن الإسلام ليس دينا وشريعة سماوية، بل فقط هو إديولوجية سياسية مغلّفة بتعاليم إنسانية مأخوذة من أديان سبقتها كالعبرية والنصرانية والبوذية.. وسبب هذا الإرتياح هو يقيني الشديد على أن هذا النقاش المحترَم – بحكم أن منصبي في الشغل – كان مثمرا وذو نتيجة إيجابية ظهرت في ملامحهن عند فضّنا للقاء، وكان حجم سعادتهن وشكرهن لي كبيرين لأنهن اعترفن بزيادة المعرفة والإطلاع على أمور كانت مجهولة أو مغلوطة أو ليست ذو اهتمام بالغ، وحسب رأيهن يكفي المعرفة السطحية المتداولة في أوساط الإعلام الغربي والثقافة المجتمعية السائدة، بل حتى أنا خرجت بانطباعات جيدة حول معلومات كانت عندي مبهمة، وعلمت في ذات الوقت أن هناك عمل شاق ينتظر الإسلام المسلمين لكي يغيروا تلك النظرة السلبية والنمطية المتفشية في أوساط الشعوب الغربية.

– سجالات ونقاشات حول مواضيع متشعبة

تلكم كانت نتائج المناقشة التي استمرت فقط لمدة أربعين دقيقة تقريبا مع فتيات في العشرينات من أعمارهن ويشتغلن في مواقع حساسة في ميدان التربية؛ واحدة مدرسة لغة إيطالية للأجانب وأخرى طبيبة نفسية والأخيرة التي فتحت هذا الباب مرشدة اجتماعية.
بل في الحقيقة الذي فتح باب المجادلة والنقاش هو الهيئة والزي عند حضوري للعمل وأنا مرتديا الجلباب المغربي التقليدي، في الوقت الذي يصادف بداية شهر رمضان الكريم، ومباشرة بعد صلاة الجمعة بحيث أثار إعجابهن لجماليته وخصوصيته في الصناعة التقليدية المغربية اليدوية البارعة، زد علي ذلك اهتمام الإيطاليين الكبير بموديلات الملابس والصرخات العصرية حسب الفصول والمناسبات وتذوقهم للجماليات بصفة عامة وبالأخص عند النساء منهن وفي أعمار دجوفانا وفرانشيسكا وأولغا.

بذلك انهالت علي حجم التنويهات والإعجاب والأسئلة بحيث لم أتكمن من استجماع الأجوبة الشافية لكل الإستفسارات العفوية الممزوجة بالفكاهة، وعند ذلك صعدنا جميعا لمكتب الإجتماعات، وهناك كانت الفرصة مواتية لكي نعمل شبه مناظرة حول التعددية الثقافية والإثنية والدينية في مجتمع جنوب-إيطالي “كالابريا” لازال يحافظ بشدة على تلك الهوية والثقافة والعادات والتقاليد التي بالمناسبة قريبة جدا من العالم الإسلامي والجانب الآخر الجنوبي من البحر الأبيض المتوسط، فهنا لازلت ترى بعض المُسنّات يرتدين غطاء الرأس ولازال تنظيم الأسرة متماسك شيئما بالمقارنة مع وسط وشمال إيطاليا، وكذلك بعض القيم كالحياء والحشمة والعار، لازالت تقاوم التيارات الجارفة لانفلات الحرية والإنحلال الخلقي.

فكان النقاش مبدئيا حول رمضان الكريم وخصوصياته الروحية والتعبدية والصحية والثقافية في المجتمعات المسلمة، وما يعنيه وما يبثه من آثار إيمانية وجدانية واجتماعية بين جموع الصائمين، ثم انتقلنا لموضوع الوجوبية وحجمها ببن الإختيار والإجبار وناولنا مواضيع أخرى كوضعية المرأة، والعنف والإرهاب، والحروب والقلاقل في الدول الإسلامية، والحرية الدينية، وكنت في كل نقاش ألاحظ الإنتباه الكبير والشوق لزيادة المعرفة من المصدر الموثوق عكس ما تتداوله وسائل الإعلام والدعاية المدسوسة التي انتشرت كالنار في الهشيم في العقود الأخيرة مع صعود تيارات اليمين المتطرف ودعاة القومية وحماية الهوية، المستغلين لعوامل مجتمعة أهمها تفشي المعلومات المغلوطة والمزيفة حول الإسلام وحول نبي الإسلام وتعاليمه التي حسب رأيهم تدعو للحرب والقتل والكراهية ومحاولة الغزو الفكري والديني والثقافي للمجتمعات الغربية عبر المهاجرين وتجمعاتهم وأماكن عبادتهم وزيادتهم الديموغرافية واستغلال الحرية من أجل الدعاية والدعوة والإستقطاب.

– نتائج مشجعة للحوار رغم صعوبة المهمة

كل هذه العومل والرواسب إذا كانت مجتمعة وينفخ فيها صباحا ومساءأ عبر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية ومنصات “التولك-شو” ووسائل التواصل الإجتماعي، تُكوِّن عند الإنسان الغربي قناعات ومسَلَّمات من الصعب أن تزيحها عنه لأن الظروف المتسارعة والهموم اليومية لا تسمح بالتعمق والتحقق ولاشيء ذو أهمية يجعله يصرف وقته الثمين في البحث بعمق عن الحقيقة، لأنها ببساطة حسب رأيه لا تعنيه شيء وعنده الأمر سيّان إن اعتبر الشخص الملتحي أو المرأة المحجبة إنسانا متطرفا عدوا يكرهه، أو إنسانا عاديا، فقط هو يحذر منه ويبتعد عنه ولا يثق فيه أبدا وهذا هو الأحوط له.
وبعد طرح كل موضوع ونقاشه بهدوء وبحوار مثمر، أتحصّل على كلمات الشكر والتنويه المتكررة، لأنني رفعت عنهن غشاوات وأسديت لهن معروف، ومعارف كن في حاجة لها، وتمكنت من إغناء ثقافتهن بأمور لايعرفها الكثير من الإيطاليين وهذا يساعدهن سواء في العمل أَو إذا تجاذبن اطراف النقاش مع أناس آخرين ومن دواعي الفخر لهن أنهن مطلعات أكثر عن المعلومات والثقافة العامة. وفي الأخير أنهينا الحوار بالإتفاق على وجوب التعايش المشترك والإحترام المتبادل وحب الخير واللطافة ومساعدة الآخرين، والتنازل المشترك على بعض القشور التي يمكن أن تدفع خطوات نحو تفهم بعضنا للبعض، وأهم من ذلك نشر هذه الثقافة والمعلومات الصحيحة بين الأبناء والمعارف وفي الأسرة والمدرسة والنوادي وحتى عبر منصات التواصل الإجتماعي والتعاليق، لتصحيح المفاهيم و في كل التجمعات التي يتفاعل فيها المجتمع بين أفراده.

– واقع مرير وعمل جبار لابد منه

تحديات أربعون دقيقة فقط وجلباب مثير أمكنت من عمل شيء ربما لا تستطيع فعله برامج جمعيات ولقاءات وندوات ينفق عليها أموال طائلة ومجهودات بغرض بث روح العايش والتلاقح والإنصهار والإندماج، من أجل تكوين مجتمع آمن وسليم ومعافى من الأمراض الإجتماعية كالعنصرية والتطرف والتوجس والخوف من الأجانب وكذلك الكراهية والحقد والضغينة.
لابد للمسمين أن يجنحوا للمعاملة الحسنة مع هؤلاء الناس، ولابد أن يعملوا بجد وكدّ حتى يوصلوا المعلومة والحقيقة، ولابد من التمكن من لغة القوم للتواصل والتفاهم المتبادل، كما يجب استفراغ الطاقة والوقت والجهد من أجل التعليم والتثقيف قبل الحوار والدعوة، وكما يجب كذلك خدمة مجتمع الإقامة، ولو بأمور قد تبدو بسيطة كتبادل التهاني والهدايا، والإنخراط في العمل التطوعي ومساعدة المحتاجين من المسنين والمعاقين، وملاطفة الصغير واحترام الكبير وإتقان العمل والإخلاص فيه، والتحلي بحسن الخلق ولين الكلام وطلاقة الوجه وبذل المعروف وكف الأذى، مع الجميع وبالأخص مع الجيران كعيادتهم وزيارتهم وتفقّدهم، وكما لابد من المحافظة على الأملاك العامة والنظافة والبيئة.

أزعم أن الطريق طويل وشاق حتى تتمكن الجاليات المسلمة من إثبات ذاتها والإعتراف لها بحقوقها الدينية والثقافية، لأنه للأسف هناك تحديات كبيرة وعقبات كأداء في طريق تحقيق ذلك، فيما ينصرف المسلمون للإنشغال عنها بالصراعات والمشاحنات، وكيل التهم لبعضهم البعض، بدل توحيد الصف وجمع الكلمة وسلامة القلوب فيما بينهم، لأنه كما قيل فاقد: “الشيء لا يعطيه” و”كل إناء ينضح بما فيه”.

*فاعل جمعوي وباحث في علوم التربية والثقافة والمجتمع بجامعة كالابريا.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...