*دكتور محمد براو
المحور الأول: الحكامة السياسية
يتناول هذا المحور فحوى المنظور الملكي فيما يخص الحكامة السياسية، أي الأبعاد السياسية والحقوقية والمؤسسية للحكامة، وما يرتبط بها من هياكل وقواعد ومعايير وما تتأسس عليه من قيم وثوابت وما تجسده من آليات وتدابير هادفة لترسيخ الصرح الديموقراطي وتثبيت دولة الحق والقانون والمؤسسات (أولا)؛ ويتناول في مبحث ثان تأملات الباحث واستنتاجاته المتأتية من قراءة المنظور الملكي على مستوى أبعاده ومدلولاته والدروس المستخلصة من تطبيقاته في الميدان (ثانيا).
أولا: فحوى المنظور الملكي للحكامة السياسية
الديموقراطية وحقوق الإنسان وتحديث المؤسسات (تابع)
مفهوم الديموقراطية في منظور الملك محمد السادس رديف لمفهوم (=التطور الديموقراطي): “الديموقراطية الحقة ليست وصفة جاهزة، وإنما تبنى على مراحل، بالالتزام المسؤول والشجاعة ونكران الذات. إنها تقوم بالأساس، على المشاركة الشعبية، وعلى مصداقية المؤسسات، ومدى مساهمتها في تعزيز الحكامة الجيدة، وتحقيق التنمية البشرية”. ويتم ترسيخ الديموقراطية من خلال تكريس مصداقية المؤسسات: “إن هدفنا الأسمى هو تكريس مصداقية المؤسسات بشكل يمكن من ترسيخ ديمقراطيتنا وجعلها أداة فعالة لكسب رهانات التنمية في زمن غدت فيه درجة التطور الديمقراطي لأي بلد من روافد إشعاعه الدولي”.
والتحديث المؤسسي أمر محتوم، فلكل زمن مؤسساته، وعلى هذا الأساس فإن مسلسل التحديث المؤسسي يتطلب وفق منظور الملك محمد السادس “تشخيص واقع المؤسسات والانكباب عليها لعقلنتها. فكما أن لكل زمن رجاله ونساؤه فإنه كذلك لكل زمن مؤسساته. والعقلنة تقتضي إحداث مؤسسات جديدة بدل تلك التي أدت وظائفها وأن وقت تجديدها واستبدالها بأخرى تستجيب لمتطلبات التحولات المستجدة”. كمأسسة الإعلام لتثمين دوره في التقدم على درب الحداثة والديموقراطية، وفي هذا الإطار تأتي مبادرة الملك منذ سنة 2002 بإحداث هيئة عليا للاتصال السمعي -البصري كمؤسسة مستقلة متوفرة على الوسائل الضرورية للنهوض بمهامها بكل تجرد. والتحديث المؤسسي يهم جميع الحقول بما فيها الحقل الديني: من خلال “إعادة هيكلة المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية الجهوية وإعادة المكانة لرسالة المسجد”.
ومن المهم التشديد على أن تعزيز الحكامة المؤسسية إنما يستهدف تعزيز عمل الحكومة بواسطة عمل هيئات الوساطة: يقول الملك: “إن نهوض مختلف هياكل الوساطة ومختلف الفاعلين بالمهام المنوطة بهم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا لمن شأنه أن يعزز عمل الحكومة في جميع المجالات”.
والأمر كذلك لأن الشرعية الانتخابية لا تكفي، فالانتخابات ليست كل شيء. والديموقراطية ليست غاية في حد ذاتها؛ بل المشاركة الشعبية هي الأهم وذلك من خلال إزاحة العوائق الهيكلية للديموقراطية المتمثلة في الأمية والفقر وضعف الأحزاب والحاجة لتخليق الحياة العامة.
ولا ديموقراطية بدون ديموقراطيين؛ وديموقراطية التنمية لا ديموقراطية المقاعد: وفي هذا الصدد يعاود الملك التأكيد على أن الديمقراطية ليست ميدانا صوريا لحرب المواقع بل هي مواطنة ملتزمة وممارسة لا محيد عنها لحسن تدبير الشان العام.

ويتجسد الإيمان بالديموقراطية وفق المنظور الملكي من خلال تطوير مؤسساتها وآلياتها. فالهدف المتوخى من التأهيل السياسي الشامل هو تعبيد الطريق أمام الإصلاح المؤسسي العميق، الهادف إلى توطيد الدولة القوية، بالملكية الدستورية المواطنة، وبالمؤسسات الديمقراطية المسؤولة والناجعة، وبالتنمية البشرية المستدامة، وتعزيز الحكامة الجيدة الرشيدة.
لكن الإصلاح المؤسسي يبقى صوريا من وجهة نظر الملك محمد السادس، بدون تنمية بشرية، بل ونوعا من الترف السياسي، بالنسبة للجماهير الشعبية. ذلك أن حسن استثمار التوجه الديموقراطي المتميز يستهدف التقدم في مسار التنمية البشرية، وذلك من خلال إنجاز الإصلاح والأوراش الهيكلية، للارتقاء بها من مرحلة الإقلاع، إلى طور السرعة القصوى، ومن تراكم النتائج الكمية إلى جودة التقدم النوعي. أما المسار الحيوي للتنمية البشرية والحكامة الجيدة المؤسسية والاقتصادية، فيقتضي التعبئة القوية لكسب رهاناته المصيرية.
وهكذا فإذا كان تحقيق إصلاحات جوهرية في المجال السياسي والمؤسساتي أعطى روحا جديدة، ومضمونا متميزا للتجربة الديمقراطية للمغرب في عهد الملك محمد السادس. فإن الطموح الملكي اليوم، يتمثل في ترسيخ الممارسة الديمقراطية العادية، بكل ما تقتضيه من التزام مسؤول، من طرف كل الفاعلين السياسيين.
ويقتضي ذلك ضرورة التعبئة الشاملة والاعتراف بأن المغرب يسير على درب التنمية والديموقراطية، بشكل متواز ومتوازن، وهو ما يفرض على النخب السياسية والفكرية، وعلى الفاعلين الجمعويين والاقتصاديين، “أن يعطوا المثال، بالتزامهم الصادق بقضايا الأمة وطموحاتها، وبانخراطهم الموصول في الأوراش التنموية للبلاد”.
والأمر كذلك لأن المهمة التنموية عسيرة، وطريقها مليء بالأشواك والمطبات، والإصلاح مسار طويل وشاق، “وليس مجرد مساطر وهياكل وتجهيزات”، بل هو “تجسيد لمذهبنا في الحكم بمنظوره الشامل، القائم على ضمان أوسع مشاركة للمواطنين، في كل القضايا الوطنية المصيرية، والمشاريع والإصلاحات الهيكلية الكبرى”.
مما سبق نستشف أن الحكامة السياسية في منظور الملك محمد السادس هي حكامة تزاوج بين الديموقراطية التمثيلية والديموقراطية التشاركية (تراجع الحلقة الأولى: مقدمات مفاهيمية لابد منها: الديموقراطية) ، يقول الملك: “مهما كانت مشروعية الديمقراطية النيابية التقليدية، فإننا نرى من الضروري استكمالها بالديمقراطية التشاركية العصرية. الأمر الذي يمكننا من الإفادة من كل الخبرات، الوطنية والجهوية، والمجتمع المدني الفاعل، وكافة القوى الحية للأمة، ومشاربها وتياراتها، أيا كان موقعها، والتي لها مكانتها لدى جلالتنا، ورأيها المحترم في الشأن العام، في نطاق سيادة القانون ودولة المؤسسات. وهذا ما يشمل القضايا المصيرية للأمة. وفي جميع الأحوال، فإننا ملتزمون بعرض مقترحاتها على المؤسسات الدستورية، والهيئات المختصة، للبت فيهـا”.
وبنفس الرؤية المنتقدة لديموقراطية المقاعد، وإذ يؤكد الملك على الالتزام بنزاهة الانتخابات وبدوريتها وانتظامها، فإنه يحذر من الغرق في البعد الموسمي للانتخابات، وفي هذا الصدد يقول: “بيد أن الانشغال بها لا يعني التأثر السلبي بظرفيتها وانتظار تنصيب الحكومة القادمة، وهذا ما يقتضي أن تتحمل كل المؤسسات والفاعلين مسؤولياتهم في عمل مستمر”.
وبناء على ما سبق، وعلى ضوء ما تراكم للمغرب من مكاسب ومنجزات في الحكامة السياسية والمؤسساتية، وفي ثقافة تدبير الشأن العام، قبل سنة 2011 وذلك بفضل “إرساء مفهوم متجدد للسلطة، وإصلاحات وأوراش سياسية وتنموية عميقة، ومصالحات التاريخية رائدة، رسخنا من خلالها ممارسة سياسية ومؤسسية، صارت متقدمة، بالنسبة لما يتيحه الإطار الدستوري الحالي”. فقد كان يسيرا على المغرب وعلى عاهله، أن يتم اقتناص فرصة استجماع ظروف الإصلاح الدستوري والحاجة التاريخية لرفع تحدي تحقيق نقلة سياسية نوعية في أجواء ما اصطلح عليه بالربيع العربي، فكان الإصلاح الدستوري لسنة 2011 وما تلاه من تطورات سياسية معروفة، مبنيا على مكاسب سابقة له، وكانت المنظومة الدستورية المقترحة وسيلة لا غاية، تستهدف الدفع بدينامية الإصلاح وبعجلة التطور الديموقراطي خطوة جديدة مفصلية إلى الأمام…
(يتبع )
*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد





