سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس(6)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

 

المحور الأول: الحكامة السياسية

يتناول هذا المحور فحوى المنظور الملكي فيما يخص الحكامة السياسية، أي الأبعاد السياسية والحقوقية والمؤسسية للحكامة، وما يرتبط بها من هياكل وقواعد ومعايير وما تتأسس عليه من قيم وثوابت وما تجسده من آليات وتدابير هادفة لترسيخ الصرح الديموقراطي وتثبيت دولة الحق والقانون والمؤسسات (أولا)؛ ويتناول في مبحث ثان تأملات الباحث واستنتاجاته المتأتية من قراءة المنظور الملكي على مستوى أبعاده ومدلولاته والدروس المستخلصة من تطبيقاته في الميدان (ثانيا).

أولا: فحوى المنظور الملكي للحكامة السياسية

الثوابت الوطنية

وفق منظور الملك محمد السادس يتمثل جوهر الشخصية المغربية في التشبث بالهوية والثوابت مع الانفتاح الواسع على حضارة العصر: وأهم خصائص الھویة الوطنیة، تتجسد في التنوع والتعددیة من جهة، وفي الالتحام والوحدة والتفرد عبر التاریخ من جهة أخرى. فأما التعددیة، فلأنھا بنیت على روافد متنوعة، أمازیغیة و عربیة، وصحراویة إفریقیة وأندلسیة، ساھمت كلھا وبانفتاح وتفاعل مع ثقافات وحضارات متنوعة في صقل الھویة المغربية وإغنائھا. وأما الالتحام، فقد تحقق لھا بفضل الأخوة في العقیدة الاسلامیة التي شكلت العروة الوثقى للأمة المغربية. وقد تمكنت الهوية المغربية من تجسید الوحدة والاندماج والتمازج ضمن أمة موحدة، لم تعرف أغلبیة أو أقلیة لأن مواطنیھا یتقاسمون جمیعا التشبث بثوابتھا، وذلك بفضل دیمومة النظام الملكي منذ ثلاثة عشر قرنا.

من هنا فمعنى أن تكون مغربيا، هو الجمع بين التشبع بثوابت الهوية المغربية الموحدة، الغنية بتعدد روافدها، وتقاسم القيم والتطلعات المشتركة للأمة، وبين التفاعل الايجابي مع مستجدات حضارة العصر، والانخراط في مجتمع المعرفة والاتصال.
والأمر كذلك، لأن التمسك بالثوابت يعتبر مصدر قوة للهوية المغربية المتميزة، القائمة على ثوابت راسخة، ضامنة لحصانة المجتمع من مخاطر التعصب والتزمت والانحلال، المحدقة بعالمنا اليوم.
ولن يتم الحفاظ على الهوية، وصيانتها من مخاطر الانغلاق والتحريف، إلا بالفهم السليم للدين. ومن ثم ما فتئ الملك، منذ اعتلائه العرش، حريصا، بصفته أميرا للمؤمنين، وحاميا لحمى الملة والدين، على صيانة الهوية الإسلامية للشعب المغربي، باعتبارها تشكل نموذجا مغربيا متميزا في الممارسة للإسلام، عقيدة سمحة ووحدة مذهبية مالكية، قائمة على الوسطية والاعتدال.

وباعتباره المرتكز الأساس لنهج الحكامة الشاملة وفق منظور الملك محمد السادس، أطلق الملك “استراتيجية” للنهوض بالشأن الديني، عززها بخطة “ميثاق العلماء”، جاعلا في مقدمة أهدافها، توفير الأمن الروحي للمملكة، والحفاظ على الهوية الإسلامية المغربية.
ولا يكون توطيد الثقة العامة في الدولة ومؤسساتها وتجديدها، إلا من خلال “أولا الذات والهوية من أجل تحصينهما، وثانيا المؤهلات والمكتسبات بغية تمتينها وتطويرها، وثالثا في المستقبل للسير نحوه بكل عزم وإقدام “.

وتكريسا للتعالق بين الهوية والمستقبل بعيدا عن الانجرار لأي نزعة ماضوية ، تعتبر الهوية حاضرة ليس فقط في الخطاب الملكي والنسيج القيمي الوطني بل وأيضا في الرؤية والبرنامج الملكي العملي للإصلاح والتنمية، يظهر ذلك في نص الوثيقة المعيارية الأسمى للدولة والمجتمع كثوابت مرجعية للإصلاح الدستوري (راجع المرتكز الأول ضمن المرتكزات السبع للإصلاح الدستوري في الحلقة الخامسة)، وهذه الثوابت هي “الإسلام كدين للدولة، الضامنة لحرية ممارسة الشعائر الدينية، وإمارة المؤمنين، والنظام الملكي، والوحدة الوطنية والترابية” فضلا عن الخيار الديمقراطي باعتباره “الضمان القوي، والأساس المتين، لتوافق تاريخي، يشكل ميثاقا جديدا بين العرش والشعب”.

كما تم اعتماد الخصوصية المغربية في نموذج الجهوية المتقدمة ” كتصور عام لنموذج مغربي-مغربي متميز، نابع من واقع بلادنا وخصوصياتها”. وقد شدد الملك غير ما مرة على الحفاظ على هوية أبناء المهجر، يقول في هذا الصدد: “إننا سنستمر على نهجنا في الحفاظ على هويتكم، وتوفير الحماية لحقوقكم ومصالحكم٬ خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية بأوروبا” هذا فضلا عن التعهد بالحرص على “التفعيل الكامل لمقتضيات الدستور، التي تكفل لكم المشاركة، على أوسع نطاق ممكن، في بناء مغرب المستقبل، والتي سوف تخول لكم، بكل تأكيد، الحضور الفاعل في الهيئات المسيرة لمؤسسات جديدة”.

ويعتبر من مظاهر التجديد والريادة التي تحسب لمنظور الملك محمد السادس الدفع بالثقافة الأمازيغية من أجل تقویة دعائم الھویة المغربية العریقة باعتبارها ثروة وطنیة، فتم تأسيس المعھد الملكی للثقافة الأمازیغیة وتم اعتبار رد الاعتبار وتقوية حضور الامازيغية في التعليم بعدا آخر للمفهوم الجديد للسلطة وهو البعد الثقافي لهذا المفهوم الذي يشكل علامة فارقة لنهج الحكامة السياسية والادارية في عهد الملك محمد السادس، لكن المك محمد السادس يحذر ويضع النقاط على الحروف إزاء أي توجه انعزالي أو انفصالي في هذا الصدد -إشارة لمطالب النشطاء الامازيغيين المغاربة- يعتبر أنها ليست مطالب انفصالية، موضحا: “عندنا الحساسية الأمازيغية -وليس البربرية-هي حساسية اندماجية. فأنا مغربي قبل أن أكون بربريا أو عربيا وهناك مغاربة بربر وآخرون من أصل عربي أو افريقي أو أندلسي، فأبي كان من أصل عربي فيما أمي بربرية وهذه الحقيقة تعبر عن العبقرية المغربية “.

والأمر كذلك لأن “المغرب هو مزيج من الثقافات، إنه أكثر بلدان شمال إفريقيا تمازجا إذ نجد فيه الثقافة الأندلسية والثقافة الإفريقية والثقافة اليهودية والثقافة العربية الراسخة”. من أجل ذلك، ينبه الملك محمد السادس أنه “لن أضع أمازيغية المغرب في المقدمة وأنكر جانبه العربي كما أن الثقافات الأخرى التي ذكرتها تشكل جزءا لا يتجزأ من الثقافة المغربية “. وقد تم تتويح هذه الأفكار والتعهدات ليس فقط بالنص عليها في الدستور بل وأيضا في القوانين التنظيمية المتعلقة بتفعيل المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، وكذا تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية.

(يتبع)
الحلقة المقبلة : آليات تفعيل الحكامة السياسية

حصريا، جميع حقوق النشر محفوظة.

*باحث في الشؤون السياسية والإستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...