*دكتور محمد براو
المحور الأول: الحكامة السياسية
يتناول هذا المحور فحوى المنظور الملكي فيما يخص الحكامةالسياسية، أي الأبعاد السياسية والحقوقية والمؤسسية للحكامة، وما يرتبط بها من هياكل وقواعد ومعايير وما تتأسس عليه من قيم وثوابت وما تجسده من آليات وتدابير هادفة لترسيخ الصرح الديموقراطي وتثبيت دولة الحق والقانون والمؤسسات في مبحث أول (أولا)؛ ويتناول في مبحث ثان تأملات الباحث واستنتاجاته المتأتية من قراءة المنظور الملكي على مستوى أبعاده ومدلولاته والدروس المستخلصة من تطبيقاته في الميدان (ثانيا).
أولا: فحوى المنظور الملكي للحكامة السياسية (تتمة)
آليات تنزيل الحكامة السياسية (تتمة)
تحديد قواعد الحكامة البرلمانية الرشيدة
يعبر الملك عن تطلعه لبرلمان مغربي أكثر فعالية، برلمان يمارس بنجاعة، كافة اختصاصاته التشريعية والرقابية والتمثيلية، ويشكل قدوة للمؤسسات الدستورية، في نهوضها بصلاحياتها كاملة؛ وهو ما يتطلب من بين ما يتطلب، إجراء قطيعة مع بعض المظاهر والسلوكات المشينة، التي تسيء لصورة المؤسسة التشريعية، وتمس بمصداقية العمل النيابي والسياسي. وهو ما يقتضي ارتباطا أقوى بالقضايا التنموية الكبرى للوطن والمواطنين. وهي بالأسبقية قضايا التعليم النافع، والسكن اللائق، والتغطية الصحية، والبيئة السليمة، وتحفيز الاستثمار، المدر لفرص الشغل، والتنمية البشرية والمستدامة.
ويجدد الملك الحرص على أن يظل البرلمان في قمة الصرح الديمقراطي، في انكبابه على السياسات الداخلية والخارجية. ويدعو للتنسيق والتعاون بين مجلسي البرلمان، في اتجاه عقلنة وترشيد عملهما باعتبارهما برلمانا واحدا، تتكامل فيه الأدوار، وليس برلمانين مختلفين.
ومن معالم الحكامة البرلمانية الرشيدة وأخلاقيات الممارسة البرلمانية القويمة، التي شدد عليها الملك، التشبع بثقافة سياسية جديدة، وممارسة نيابية ناجعة، قائمة على تعزيز حضور الأعضاء، وجودة أعمالهم، ومستوى إسهامهم، في معالجة الانشغالات الحقيقية للشعب. ولهذه الغاية، جدد التأكيد على وجوب عقلنة الأداء النيابي، بالانطلاق من تجانس النظامين الداخليين للمجلسين، والنهوض بدورهما، في انسجام وتكامل، كمؤسسة واحدة. هدفهما المشترك، جودة القوانين، والمراقبة الفعالة، والنقاش البناء، للقضايا الوطنية؛ وخصوصا منها الحكامة الترابية، وتحصين وتعزيز الآليات الديمقراطية والتنموية.
ويحدد الملك معالم الأداء التمثيلي الجيد من خلال التمييز بين الانتداب الوطني والانتداب المحلي: فالاول يقتضي اعتماد الحوار البناء، والتعاون الوثيق والمتوازن، بين مؤسسة البرلمان ومؤسسة الحكومة، في إطار احترام مبدأ فصل السلط، بما يضمن ممارسة سياسية سليمة، تقوم على النجاعةوالتناسق، والاستقرار المؤسسي، بعيدا عن تحويل قبة البرلمان إلى حلبة للمصارعة السياسوية، مع التركيز على القضايا الوطنية الكبرى التي تجسد مبدأ سيادة الأمة والنيابة عنها. أما الانتداب الجماعي المحلي أو الجهوي: فإنه “يكتسي أهمية أكبر، في الواقع السياسي الوطني، لكونه يرتبط بالمعيشاليومي للمواطنين، الذين يختارون الأشخاص والأحزاب الذين يتولون تدبير قضاياهم اليومية. فالمجالس الجماعية هي المسؤولة عن تدبير الخدمات الأساسية، التي يحتاجها المواطن كل يوم.أماالحكومة، فتقوم بوضع السياسات العمومية، والمخططات القطاعية، وتعمل على تطبيقها. فالوزير ليس مسؤولا عن توفير الماء والكهرباء والنقل العمومي، أو عن نظافة الجماعة أو الحي أو المدينة، وجودة الطرق بها. بل إن المنتخبين الجماعيين هم المسؤولون عن هذه الخدمات العمومية، في نطاق دوائرهم الانتخابية، أمام السكان الذين صوتوا عليهم. كما أنهم مكلفون بإطلاق وتنفيذ أوراش ومشاريع التنمية بمناطق نفوذهم لخلق فرص الشغل، وتوفير سبل الدخل القار للمواطنين”.
ويحدد معالم الاداء التشريعي الجيد من خلال التساؤل عن السبب في عدم تفعيل النصوص القانونية المتعلقة بمجلس المنافسة والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة وبعض المؤسسات الحقوقية والرقابية، والمجلس الاستشاري للأسرة والطفولة، والمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي؟ ( للإشارة فقانون مجلس المنافسة والهيئة الوطنية للنزاهة تم تشريعهما لاحقا على هذه الملاحظات الملكية خلال الخمس سنوات الأخيرة: تنويه من الباحث).
مبادئ استرشادية ملكية لإنجاح العملية الانتخابية
وفق منظور الملك محمد السادس تعتبرالانتخابات استحقاقات ديموقراطية وتنموية في آن واحد: فهي استحقاقات ديموقراطية تقتضي منافسة مفتوحة، ببرامج مضبوطة، في التزام جماعي بالصالح العام، والعمل على نبذ كل ممارسة سياسوية دنيئة، لم يعد لها مكان في مغرب اليوم. وهي استحقاقات تنموية، وليس مجرد رهانات سياسوية. ويتمثل التحدي الانتخابي الفعلي في كسب رهان التنافسية الحقة، القائمة على تعددية نوعية، تنصب حول مخططات تنموية مضبوطة، وليس مجرد تعددية شكلية، مقتصرة على تضخم أعداد المرشحين، والألوان والرموز، بدون أي تمايز نوعي في الاختيارات والبرامج.
ويحدد الملك ضوابط التنافس الانتخابي كما يلي : الانتخابات ليست صراعاً حول هوية الدولة أو مقومات نظامها، فتلكم ثوابت تعد محط إجماع وطني راسخ. ولا وجود لدولـة بدون ثوابت ومقدسات. كما أن جوهر الاقتراع، لا يكمن في التنافس حول الاختيارات الكبرى للأمة، التي هي موضع توافق وطني، وعماد التطـور العصري. كدولة القانون والمؤسسات، والمواطنة القائمة على الالتزام بحقوق وواجبات الإنسان، والليبرالية الاقتصادية، والمبادرة الحرة، والتضامن والعدالة الاجتماعية، والانفتاح على العالم. وهو ما نحن مؤتمنون على استمراره مهما تغيرت الظرفيات. وذلك في نطاق منظورنا للملكية المواطنة.
ويلتزم الملك التزاما تاما بنزاهة الانتخابات وتخليقها، وبحرمة الاقتراع، ويحذر من الغرق في البعد الموسمي للانتخابات:
وهذا ما يقتضي أن تتحمل كل المؤسسات والفاعلين مسؤولياتهم في عمل مستمر. ذلك أن الزمن الانتخابي زمن عابر: وعلى الجميع أن يضع نصب أعينه، أن الانتخابات ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة لرفع التحديات الكبرى للوطن،
ومن محفزات المشاركة الشعبية في الانتخابات وشروط التنافس فيها، يشير الملك لمعالم بارزة تتمثل في مدونة انتخابية حديثة، تفسح مجال المشاركة المتكافئة لكل الأحزاب في الاقتراع، وقانون جديد لتأهيل الأحزاب وتمويل شفاف لعملها، حياد إداري إيجابي وحازم، ومراقبة قضائية مستقلة، وحضور فاعل للمجتمع المدني، ولوسائل الإعلام، في التوعية والمتابعة، فضلا عن التمثيل النسوي، الذي نريده أكثر إنصافا للمرأة.
ويدعو الملك للاعتدال في تحديد درجة أهمية الانتخابات والنظر إلى هذا الموضوع بعقلانية واتزان؛ أي بدون تهويل وبدون تهوين، بحيث لا ينبغي تبخيس قيمتها أو التشكيك في جدواها. كما أنه لا مبرر للمبالغة في تهويلها وكأنها غاية في حد ذاتها أو نهاية مطاف المسار الديمقراطي الذي لا حد لكماله.
ويلتزم بمحاربة الفساد الانتخابي وعلى أن المسؤولية هي مسؤولية الجميع في في إنجاح الانتخابات، ويشدد على دور الأحزاب في العمل الميداني على توعية وتحفيز الناخبين على المشاركة، ببرامج واضحة، قابلة للتطبيق. وفي نفس السياق، يجدد تعليماته للحكومة، لمواصلة اعتماد الحياد الملتزم بسيادة القانون في مختلف مراحل العملية الانتخابية، وذلك بالردع القوي والزجر الحازم لكل الخروقات.
ويحيل على دور القضاء في محاربة الفساد الانتخابي كدور حاسم في صيانة حرمة الاقتراع ومحاربة الفساد بكل أنواعه والبت في صحة الانتخاب في كل مراحله، بتنسيق بين كافة السلطات العمومية التي أناط بها القانون مسؤولية تنظيم الانتخاب ومراقبة نزاهته. كما أن على العدالة، ولاسيما قضاء النيابة العامة، التحلي بالمزيد من اليقظة والتعبئة، وإجراء التحريات، بكل موضوعية وتجرد، في كل الشكايات والطعون. أما البت فيها، فيعود لقضاء الحكم، بما يلزم من سرعة ونزاهة وصرامة.
وللإعلام والمجتمع المدني وباقي الهيئات يوجه الملك دعوته لتوعية المواطنين ومتابعة الانتخابات وملاحظتها إلى جانب مختلف الهيئات المعنية، كل في مجال اختصاصه، وفي طليعتها المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان باعتبار حرية الانتخاب من الحقوق الإنسانية الأساسية.
وللمواطن-الناخب، يقول الملك: إنك بمشاركتك في الاقتراع، لا تمارس حقا شخصيا فقط. كلا، إنك تفوض لمن تصوت عليه، النيابة عنك في تدبير الشأن العام. وهذا ما يقتضي منك استشعار جسامة أمانة التصويت، غير القابلة للمساومة ; وتحكيم ضميرك الوطني، في اختيارك للبرامج الواقعية، والمرشحين المؤهلين والنزهاء. وللمواطن-المترشح يقول الملك: لقد آن الأوان للقطيعة النهائية مع الممارسات الانتخابوية المشينة، التي أضرت بمصداقية المجالس المنتخبة، وأساءت لنبل العمل السياسي. فعلى كل من ينوي الترشح للانتخابات المقبلة أن يستحضر تكريس الدستور لربط ممارسة السلطة بالمحاسبة.
وأخيرا وفي نهاية هذا المبحث الأول الوصفي التركيبي للحكامة السياسية الملكية نقول: والمغرب يعيش منذ أسابيع وسيستمر ذلك صعودا على امتداد الأسابيع والشهور القادمة على صفيح الانتخابات الساخن، ما أحوج الفاعلين السياسيين المغاربة لاستحضار مدونة الاخلاقيات الانتخابية الملكية ….
انتهى المبحث الأول من المحور الأول
في الحلقة المقبلة: ثانيا: تأملات واستنتاجات
حصريا جميع حقوق النشر محفوظة
*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]





